مارا تخبز الحياة عند نهر إيتاجي

تدوينات | مارا تخبز الحياة عند نهر إيتاجي

بقلم: محمد علام (بني سويف)

**المقالات المنشورة تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر عن رأي بوابة المندرة.

إهداء إلى محمود درويش ..

على هذه الأرض مايستحق الحياة ..


لايقلق الظلام الكتب الرابضة على المكتب ولا الأوراق والأقلام ، ولا جسدي المشرب بسمرة مدفوعاً بنعومة داخل قميص النوم الأبيض الحريري . في الحقيقة إن الظلام ليس بإمكانه أن يقلق أحداً على الإطلاق .


يقولون أنني أحس وأنا نائمة إذا مادخل علي أحد ، فتنكمش ابتسامتي ، وينعقد حاجباي ، ويقولون أحياناً أنني ألفظ باسم الذي تجرأ واقتحم السكون فيرتعد ويتراجع على الفور .


وتتكاثر الأساطير حول مارا الجميلة ولايسعني وأنا واقفة في شرفتي الصغيرة المواجهة لنهر إيتاجي ، تحت الإمتداد السماوي اللانهائي وشعاع الشمس خلف السحب البيضاء صعب الزيارة ، إلا أن أقول : صباح الخير يا أصدقاء مارا ،ألف الأفق كله داخل عيني بنظرة سريعة ولا أجد بد من أن أقول تفضلوا على الرحب والسعة . فتسبقني رياح فقط .


قال لي ديجو ذات مرة ونحن في مطعم في وسط المدينة :

ـ لماذا تنامين بشكل غريب ؟ تتشبثين بالمرتبة في عنف وتتصلب قدماك وتنفر عروقك ولا يسعني أن أرى منك سوى شعرك المتحلق حول وجهك الصغير .

لم أعرف بماذا أجيبه ؟ تشبثت بلحظة صمت ورحت أداعب خصلة تموجت من شعري بين السبابة والوسطى .

ـ صديقي ديجو ، وأنت تنام هلى تدري بأنك نائم ؟ ، أنا لا أنام يا ديجو بل أعيش حياة متواصلة ، لي بيت ومدينة على نهر الفردوس وحديقة أزهار كبيرة أرعاها كل صباح وأنا عائدة من عملي ، لي حياة كاملة وأصدقاء عديدون .

ارتسمت على وجهه حينها علامات عدم الفهم والتفت أصابعه حول كأسه ، يعانقنا الفراغ المنصوب بيني وبينه ، توقفت إشفاقا ودفنت إبتسامتي في كأس الشمبانيا ، بينما أفرغ هو كأسه مرة واحدة في حلقه وصعد إلى ساحة المطعم يصفق ويتلوى داخل أبواق الفالتز .


عندما يبدأ الليل في استعادة رقعته المسلوبة قهراً ، وتضيء السماء مصابيحها نجوماً تضوي خطوات اثنين تنحت الشاطئ ، حينها تستيقظ المدينة كلها في أصابع عازف بيانو أو في أوتار التشيلو أو في نفخة ناي فرعوني . قد أكون منفرطة على سريري العاجي ، ولا أستيقظ إلا عندما تخلد المدينة للسكون . يقول دييجو أنه ذات مرة وهو يتمشى على الشاطئ هو وخطيبته ماريانا ، أنه رأى أحد الأطفال يتسلل إلى بيتي ، صعد سلالم الشرفة في مهارة ومد أصابعه إلى الباب الزجاجي المفضي إلى غرفتي مباشرة ، لكنه رآني وأنا أتقلب في عنف ، حتى انحسر ثوبي عن أجزاء من جسدي ، فتراجع فجأة عن قراره وركض مذعوراً . ” لماذا لاتهتمين بإغلاق الستائر عندما تذهبين للنوم ؟ “


عزيزتي أندريا عندما رأيتني آخر مرة ممدة على الشاطئ بقميص النوم الأبيض ، حافية ، كنت حينها قد تعرضت لغزو مفاجئ من شعاع قمري مرق بغتة على الباب الزجاجي ، فأيقظ الكتب من غفوتها وراحت تزمجر والأوراق تتقافز وتتداخل الحروف والكلمات تتشابك ، استيقظت مفزوعة أربت على الكتب ، هدأتها ، ودفأت الأوراق بوشاح أزرق ألفه حول رقبتي عندما أخلد للنوم . لاشيء في الغرفة غير الظلام ، تنحيت جوار الستارة ، لمحت طيف نور مرق على الشاطئ رأيته بعيني وأنا لا أكذب يا أندريا أنت تعلمين . جذبت المزلاج الزجاجي وهبطت الدرج وأخذت أعدو وأنا لا أرى شيئاً أتلفت يميناً ويساراً ، كانت الخطوات تفقأ عيون الرمل ، والهواء يغازل عيني ويبعثر الشعر .. في الهواء . أندريا ، لقد تبدد كل شيء حولي ، وكان بي المستقر حافية على رمال ربوة تكاد تجثم فجأة على المكعبات الخشبية المتناثرة تكاد تطبق ظلمتها على كل الأضواء المتوهجة في المدينة تكاد تصد الموج عن المرور مرة أخرى من هنا . ورغما عني داهمني شعور بالبكاء ، بردانة أنا ، بردانة وكأنني لن أدفأ أبداً ، شبكت ذراعي حول كتفي وتمددت وأخذت الأفق داخلي .


السماء صافية تماماً ، صافية من الغيوم ومن النجوم ومن القمر . صديقاي دييجو وأندريا ، تعلمان أن الصداقة شيء ثمين جدا ، وكل ما نعيشه لايساوي شيئا إذا لم نجد من يبادلونا الحب بطريقة ودودة ، ولذلك كان فخراً لأن يكون ابناي العزيزان أصدقاء لي . اليوم أقول لكما اعتنوا بالكتب جيداً وبالأوراق ، حافظا على كلماتي التي تركتها ، ولا تدعوا سريري منتهكاً لأي شخص ، أنا سأعود حتماً . أين سأذهب ؟ وهل يسعني عالم غير هذا ؟ لكنني فقط أشعر بالنعاس وأريد أن أكمل الحلم . نسيت أن أطلب منكم يا أولاد أن تبحثوا عن القمر وتعيدوه إلى أمه السماء ، اطلبوا منه أن يسامحني إن كنت شغلت عنه ببعض الأحلام ، فهو صديق جميل ، ومارا لاتنسى أبدا أحبابها ، ولذلك تركت لكم صورة التقطتها من هنا لإيتاجي وهي لاتزال عذراء في الطبيعة تقدم كل شيء على الكمال والاسترخاء ، إنني لا أضمن محفوظات الذاكرة قد أكون بعيدة لفترة ولكنني أعلم أنني سأعود حتما ، القبلات لكم جميعاً . فلاتصدقوا إشاعات الطبيب ، ولا تصدقوا أي شخص يقول غير أن مارا تحب الحياة ، فمارا ليست مريضة بالسرطان .

You must be logged in to post a comment Login