“ثورات خاصة”.. أربع نساء بينهن نوبية يجمعهن التمرد والرغبة في التغيير

**الفيلم نمساوي عرض للمرة الأولى في القاهرة
**مي النوبية إحدى بطلات الفيلم: رفضت “يناير” لكنني أشجع التغيير

 

القاهرة: هدير حسن
“شربات، فاطمة، أماني، مي” كل منهن لها ثورتها الخاصة، التي كشفت عنها أليكساندرا شنايدر، المخرجة النمساوية، في فيلمها “ثورات خاصة”، الذي عُرض للمرة الأولى في الأسبوع الأول من ديسمبر بالمركز الثقافي النمساوي بالقاهرة. الفيلم الوثائقي الذي استغرق تصويره عامين ونصف بدأته شنايدر في نوفمبر 2011، وانتهت منه قبل 30 يونيو 2013، يعد أول عمل سينمائي طويل تقوم بإخراجه، وشاهدا على زيارتها الأولى لمصر، حيث لم تتح لها زيارة مصر في عهد مبارك.

 

يبدأ الفيلم بمشاهد من ميدان التحرير وهتافات المعتصمات النساء به، وينتقل إلى شوارع القاهرة المزدحمة، ليخوض بعدها في تفاصيل حياة الأربع سيدات، التي رأت شنايدر أنهن يسعين إلى التغيير كل بطريقتها، على الرغم من اختلاف المعتقدات والأهداف والتوجهات الفكرية، فكانت البداية مع شربات، السيدة الأربعينية، التي تسعى للطلاق من زوجها، والأم لثلاثة أولاد، أكبرهم يقترب من الثامنة عشر وأصغرهم في العاشرة من عمره.

 

ثورية شعبية
آمنت شربات بثورة يناير منذ انطلاقتها الأولى، فكانت لا تفوت فعالية إلا وتشارك بها، يغضبها الظلم، ولا يقهرها صوت الرصاص، وقفت أمام عائلتها التي كانت ترفض نزولها ومشاركتها بتظاهرات ميدان التحرير، كما تحدت زوجها الذي قال لها: “لو عاوزة تنزلي التحرير خدي عيالك معاكي عشان تموتوا مع بعض”. ورغم حالتها الاقتصادية المتواضعة، وسكنها بحي شعبي، يستنكر أهله ذهاب سيدة للتظاهر، خاصة إذا كانت تصطحب أبناءها معها، كانت شربات مُصرة على أن تُحدث التغيير الذي تتمناه.

 

ثورية إخوانية
أما فاطمة طالبة الماجيستير، وعضوة جماعة الإخوان المسلمين، التي تستقطع جزءً من وقتها في سبيل الترويج لأنشطة الجماعة بجانب رعايتها لزوجها وأطفالها الثلاث، فتعيش في سكن راقٍ، وتتحدث الإنجليزية بطلاقة. وصفت لشنايدر روتينها اليومي الذي ينحصر بين إتمام عملها على جهاز “اللاب توب” الخاص بها في الساعات الأولى للصباح، حتى حضور أطفالها الثلاثة من حضانتهم، ثم تحضير الطعام لأطفالها وزوجها، وتقضية الوقت معهم، وفي نهاية اليوم تخصص جزءً من الوقت للعمل الذي لم تستطع إنهاؤه في الصباح. تسعى فاطمة لأن يحقق حزب الحرية والعدالة- الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين وقتها- مكسبًا سياسيًا في انتخابات البرلمان، التي شاركت في الدعاية لمرشحي الحزب بها، كما أدلت بصوتها في الانتخابات، التي رأتها الأنزه.

 

ثورية نسوية
وعلى النقيض، تظهر أماني التونسي، الناشطة بالمجتمع المدني، التي ترفض سياسات جماعة الإخوان المسلمين السياسية، وتعمل على توعية من يؤيدهم بخطورة ذلك، حسبما ترى، فأثناء إدلائها بصوتها بالانتخابات البرلمانية تقف منال في طابور السيدات وتجادل إحداهن في مسألة اختيار جماعة الإخوان المسلمين لتمثيلهن بالبرلمان، ويتطور الحديث إلى نية الجماعة إجبار السيدات على ارتداء الحجاب (منال غير محجبة)، وغيرها من القضايا التي أُثيرت وقتها. تهتم أماني بمجال حقوق المرأة، وتسعى لنشر مفهوم احترام هذه الحقوق ومراعاتها في المجتمع، مما جعلها تؤسس إذاعة على الإنترنت تحت اسم “بنات وبس”، تعمل من خلالها على النقاش مع الفتيات والسيدات حول الأوضاع الاجتماعية التي تمس حياتهن، بعيدًا عن الصورة التي تتصدر وسائل الإعلام، وتلخص المرأة في الموضة والمطبخ، حسبما قالت أماني لشنايدر.

 

النوبية تؤمن بالتغيير
على صعيد مختلف، وبعيدًا عن السياسة وصراعاتها، والثورة والوقوف معها أم ضدها، كانت مي جاه الله تسير بطريق مختلف، فتاة نوبية تعيش بالقاهرة قررت أن تترك عملها المستقر في مجال البنوك، وتعود لجذورها في أسوان، حيث يمكنها أن تُحدث التغيير الإيجابي في مجتمعها الذي يفتقر لكثير من الخدمات. قررت أن تُنشيء مؤسسة أهلية في أسوان هدفها تعليمي وتثقيفي وترفيهي وتنموي لتخدم بها أهل النوبة، ليحصل المجتمع الصغير على تعليم جيد، وبيئة مناسبة تستوعب طاقات أبناءها، لتشمل المؤسسة مكان لممارسة الرياضة والتوعية المجتمعية وتعليم الحرف.

 

شاهد: مي جاه الله تتحدث لـ”المندرة” عن قصتها مع التغيير

 

قصص حياتية
بعد أن استعرضت شنايدر ملمح عن حياة كل واحدة منهن، بدأت تجمع الخيوط التي من الممكن أن تجمعهن، وهي رغبتهن في إحداث تغيير ما، وبدأن يشعرن بألفة مع تواجد شنايدر ضمن أحداث يومهن العادي، فتظهر شربات وهي تتحدث معها بأريحية ودون أن ترتدي حجابها (شربات محجبة بالأساس)، وكأنها اعتبرتها صديقتها، وقالت شنايدر عن ذلك خلال حفل عرض الفيلم: “ظللت أنا وشربات لأيام نتواصل مع بعضنا دون وجود مترجم، فكانت كل منا تنظر إلى الأخرى وتفهمها”، فظهرت شربات وهي تشرح لشنايدر الأدوات التي تصحبها معها في التظاهرات، بداية من أقنعة الوقاية من الغاز المسيل للدموع، و”الإسبراي”، والمقص. وحدثتها أماني عن تجربتها القاسية مع الختان، الذي تعرضت له في صغرها، وكيف جعلها ذلك تحارب ختان الإناث في مصر، وتبدأ حملات توعية عنه ضمن حقوق المرأة بالتعاون مع الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وأصدرت أماني كتابها “الحالة الاجتماعية مطلقة”، الذي تناولت فيه أسباب الطلاق من وجهة نظر السيدات.

 

بالتزامن مع هذا، كانت فاطمة تنال درجة الماجيستير في حفل حضرته عائلتها، لتنتقل من بعده الأحداث إلى الانتخابات الرئاسية، وخاصة في مرحلة الإعادة، وتكون فاطمة ضمن الحملة الإعلامية للدكتور محمد مرسي، في حين تدعو شربات سكان حيها للمقاطعة، وتذهب أماني لتبطل صوتها، بينما تُدلي مي بصوتها لصالح الفريق أحمد شفيق.

 

بعد إعلان فوز مرسي بالرئاسة، أخبرت فاطمة شنايدر أنها لن تستطيع إكمال تصوير الفيلم لأن هناك جهة ما (لم يتم الإشارة إليها بشكل واضح) يبدو أنها إدارة جماعة الإخوان تريد مجموعة من التصاريح، لتحاول بعدها شنايدر التواصل مع فاطمة سواء بالإتصال الهاتفي أو البريد الإليكتروني، ولكن دون جدوى. ويبدأ الفيلم في إظهار مضايقات تتعرض لها بطلاته، فأثناء تصوير شنايدر لشربات داخل أحد شوارع الحي الذي تقطنه يتعرض لها الأهالي ويرفضون إكمال التصوير بشارعهم، لتعود شربات إلى منزلها ومعها شنايدر والمترجم، وهي في حالة غضب واستنكار من رفض جيرانها ذلك، أما أماني فتتعرض إذاعتها للتوقف، وتواجه ضغوطا أمنية تعلن على إثرها عن نيتها في الهجرة إلى دبي.

 

مي كانت تسير في طريقها نحو إكمال الأوراق الرسمية والإجراءات الحكومية لإشهار مؤسستها، التي أسمتها “كنوز”، وبدأت في جمع أهالي المنطقة لتتفق معهم على طريقة العمل والأدوار المنوطة بهم، ولكن بعد فترة بدأ اليأس يتسرب إلى نفسها حين وجدت أن تغيير العادات والتقاليد الموروثات داخل المجتمع النوبي أمر صعب، وخاصة حين أخبرها أحد الأهالي أن هدف مؤسستها ورغبتها في تغيير ثقافة المجتمع لن يتحقق إلا إذا استطاعت أن تُحيي القتيل”. وفي نهاية الفيلم، تستمر شربات في المشاركة بالتظاهرات ليرحل مرسي كما رحل منْ قبله، وترحل أماني إلى دبي، ولكنها تعود بمجرد عزل مرسي من منصبه، وتُعيد فتح إذاعتها من جديد، أما مي فتستمر في عملها بمؤسسة “كنوز”، وتتزوج في النوبة وتستقر بها.

 

هدف الفيلم كما أوضحته شنايدر: “أن يُظهر صورة مختلفة عن مصر ونسائها لأوروبا، وتوضيح صعوبة ما تعانيه السيدات، وأهمية ما يقومون به في ظل طبيعة المجتمع الشرقي”، بينما قال أحد الحضور عن الفيلم: “عميق عمق التغيير الذي أحدثته الثورة بالمصريين بعيدًا عن الهتافات والصراخ”.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *