الآثار والخرافات وجمال مدن الصعيد يسحرون الرحالة الفرنسيين

الصعيد في لوحات المستشرقين

الصعيد في لوحات المستشرقين

**”ثعبان الشيخ هريدي”: يكره النساء خاصة المتزوجات ولا يؤذي الرجال

**أحد الرحالة: الكهنة يطعمون التماسيح بالنبيذ في الفيوم

 

المندرة: هدير حسن

بلاد يحتار في أمرها الزائر، ومعتقدات لها خصوصيتها، وموروثات شعبية متأصلة أذهلت الغريب عنها، أصولها قد ترجع لعصور الحضارة الفرعونية، وبعضها أتى من امتزاج الثقافية المسيحية بالإسلامية، ولأن الصعيد يملك سر العالم وروحه، فقد كان شغف الرحالة والمستشرقين الأورببيين بحياة أهله ومعتقداتهم كبير.

 

خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، في أثناء فترة ما قبل الحملة الفرنسية على مصر، وما بعدها، كان للرحالة الفرنسيين زيارات متعددة لمصر، ولجنوبها بالأخص، حيث الأديرة والكنائس المسيحية، التي تروي قصص القديسين، مما جعل البعض يظن أن توجههم إلى الصعيد بهدف ديني.

 

ولكن هؤلاء الرحالة كانت لهم انطباعات وحكايات عن بلاد الجنوب ذكرها بعضهم في كتبه، وعبر عنها آخرون في لوحاتهم، حيث تتبع الدكتور سيد علي إسماعيل، أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة المنيا، هذه الكتب واللوحات، ورصدها في دراسة بعنوان “الصعيد في لوحات المستشرقين”، التي ركزت بشكل أساسي على الموروثات الشعبية لدى أهل صعيد مصر، التي لاحظها الرحالة الفرنسيون، كما قدمت الدكتورة إلهام محمد ذهني، في كتابها “مصر في كتابات الرحالة الفرنسيين في القرن الثامن عشر” أبرز ما كتبه الرحالة في وصف مدن الجنوب.

 

الفيوم.. حديقة مصر

الرحالة جرانجيه وصف الفيوم بأنها حديقة مصر بسبب كثرة أشجارها، في حين رأى القنصل الفرنسي ميليه أنها أجمل واخصب أراضي مصر لاشتهارها بإنتاج الحبوب والتين والعنب، وكان الرحالة سافاري قد سُحر بالفيوم، وظل يصف في وفرة أراضيها الزراعية، حيث تنمو الخضروات تلقائيًا دون زراعة، مثل الشمام والخيار والتين، وقال عن هوائها “أينما سرنا في الفيوم نشم الهواء المعطر برائحة أزهار البرتقال، فهواء الفيوم معطر مثل هواء فرنسا في الربيع”.

 

وفي الفيوم رأى الرحالة سافاري بحيرة خصصها الكهنة لتربية التماسيح، وكانوا يطعمونهم بالخبز واللحم والنبيذ، وأشار سافاري إلى أن المصريين قدسوا التماسيح، حسبما يقول، وصوروا هذه التماسيح على جدران المعابد، اعتقاداً منهم أن ذلك سيحميهم منها، ويخفف من حدة شراستها، كما ذكر بعض الرحالة في القرن التاسع عشر أن أهالي قرية (فيدمين)، إحدى قرى الفيوم، كانوا يزعمون “أن لديهم شجرة زيتون يقدر عمرها بعشرة قرون، ويعتقدون أنها أم أشجار الزيتون”.

 

وكان لهذه المعتقدات صدى بلوحات الفنانين المستشرقين، فقد عبر الرسام الفرنسي جان ليون جيروم، الذي زار مصر عام 1854، عن مدينة الفيوم بلوحة تحمل الاسم ذاته، وكانت اللوحة عبارة عن شجرة ضخمة يتجه إليها الناس، ويتجمعون أسفلها، بالإضافة إلى عدة بحيرات، في إشارة إلى معتقد أهل الفيوم عن شجرة الزيتون، وبحيرة التماسيح.

 

مباني بني سويف ومساجدها كانت مثار إعجاب الرحالة لوكا، وقال إنها “مبنية بطريقة جيدة”، ولكنه رأى أنها تفتقر إلى الأرز والسكر بسبب مناخها الجاف، الذي لا يساعد على زراعة هذه النوعية من المحاصيل، بينما وصفها الرحالة سيكار بأنها “ميناء”.

 

ضريح يُبعد التماسيح

أولى الرحالة اهتمامًا كبيرًا بمدينة “البهنسا” (تعرف على المدينة)، خاصة لأنه بها كنيسة وبئر زعم الرهبان أن المسيح شرب منه، وساد اعتقاد أن من يشرب من هذا البئر تكتب له النجاة في سفره، كما قال رجال الدين للرحالة أن مياه البئر تدل على ما سيكون عليه ارتفاع فيضان النيل، فكان حاكم المدينة يقيم حفلًا سنويًا عند البئر احتفالًا بهذه المناسبة، حيث يتم معرفة ارتفاع المياه فيه.

 

وكانت المنيا جميلة في عيون الرحالة الفرنسيين، فرأوا أن شوارعها مستقيمة، ومأهولة بالسكان، ويصنع بها أجود الأواني الفخارية، فوصفها الرحالة سافاري بالميناء الكبير، لازدهار التجارة فيها، وكانت تشتهر بزراعة القمح والفول والذرة، وكانت ملّوي أجمل مدن المنيا بالنسبة للرحالة، كما كانت تخرج منها قوافل متجهة إلى الحج.

 

ومن أغرب ما أعتقد أهل المنيا، حسب رواية الرحالة، ضريح لأحد الأولياء على ضفاف النيل بالمنيا، يمنع وجوده عبور التماسيح للنيل، أو الاقتراب من المدينة، وتأكيدًا على هذه الرواية، كان الأمير رودلف، أحد أمراء النمسا، قد حكى رواية مشابهة، في أثتاء زيارته لمصر في أواخر القرن التاسع عشر، عندما مرت باخرته بأبو تيج، وأوقفها الربّان، واقترب قارب من الباخرة يطلب ضريبة المرور أمام ضريح أحد الأولياء، حتى لا تتعرض السفينة للضرر في رحلتها، حسبما يروي الرحالة. وظهر هذا الضريح، بنفس الوصف الذي رواه الرحالة، في لوحة للرسام الألماني كارل فريدريك تحت عنوان “ضريح الشيخ عبابدي في المنيا”.

 

“هريدي”.. ثعبان

وتناقل كثير من الرحالة قصة الشيخ هريدي، الذي تحول إلى ثعبان، ورغم اختلاف مكان رؤية أو متابعة كل منهم لهذه القصة، إلا أن أغلبهم ذكرها، فمن قائل إنه شاهد هذا الشيخ في أخميم، ومن قال إنه في قنا، وآخر زعم أنه في طهطا لوجود قرية بها تحمل اسم الشيخ هريدي، ومن يؤكد أنه في أسيوط نظرًا لوجود مغارة بهذا الاسم، وتتلخص قصة ثعبان الشيخ هريدي، كما رواها الرحالة جرانجيه، في أنه كان في الأصل شيخ صالح، ثم توفي، وبعد وفاته تحول إلى ثعبان لا يموت، وكان، حسب ما تناقله الاهالي في الصعيد، لا يؤذي الرجال ولا يعضهم، ولكنه يكره النساء، وخاصة المتزوجات، ويؤذي من تحاول أن تقترب منه ومن مغارته.

 

واضطر الرحالة لوكا أن يدعي أنه طبيب ليستطيع دخول منفلوط، حيث كان يعتقد أهلها أنه ساحر جاء ليسرق كنوزهم وآثارهم، حسبما يؤكد، ورأى المدينة محاطة بالجبال، وداخل كهوفها أُقيمت الأديرة المسيحية، وبها عدد كبير من الأقباط، وفي أسيوط كثُرت الآثار والمقابر الفرعونية، وكانت المدينة مأهولة بالسكان وحدائقها مليئة بالفاكهة والخضروات.

 

“أرض اخميم لونها أحمر، حيث دفن فيها ألف شهيد مسيحي”، تلك أحد الخرافات التي سمعها الرحالة لوكا عن أخميم، التي وصفها الرحالة جرانجيه بالمدينة الوحيدة المنظمة بعد القاهرة، وقال: “شوارعها متسعة، وتمتاز بالهدوء والأمن”، ولاحظ الرحالة مدى نفوذ العرب في جرجا، وقدرتهم على مهاجمة القوافل، إذا لم يحسن الحاكم علاقته بهم، كما كان انتشار الأديرة في كهوفها مميز، حيث يوجد 16 كهفًا محفورة في الصخور والكهوف متصلة بعضها ببعض بواسطة سلسلة من الممرات.

 

رأى الرحالة جرانجيه أن دندرة أجمل مدن مصر العليا، وتشتهر بمزارع الفواكه من بلح وعنب وليمون وبرتقال، هذا بخلاف آثارها الفرعونية، التي أبهرت الرحالة. وكان للآثار الفرعونية إبهارها الخاص في الأقصر، التي استطاعت أن تسحر الرحالة، وقال أحدهم: “لا أصدق أن هذا الشعب الجاهل أنتج مثل هذه الأعمال”، وكان أهل الأقصر يعتقدون أن تمثالي ممنون (أجاممنون) الضخمين يملكان صفة مقدسة تجعل الأرض من حولهما خصبة، حسبما يروي أحد الرحالة، وظهر هذا الاعتقاد جليًا على لوحات المستشرقين العديدة لهذين التمثالين، حيث من النادر أن تجد لوحة لهما من دون مياه الفيضان من حولهما.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *