لويس عوض.. المفكر الموسوعي المنياوي

لويس عوض

لويس عوض

**أصدر رواية واحدة وديوان واحد ومسرحية واحدة.. وله أكثر من 50 مؤلفًا

**فُصل من الجامعة لرفضه “تدخل الجيش”.. واعتُقل لأنه “شيوعي”

 

المندرة: هدير حسن

صادم، وسابق لعصره، وأحد أعلام التنوير، قد يكون آخر الموسوعيين، فهو الأديب والشاعر والناقد والأستاذ، في يناير 2015 مرت ذكرى ميلاده المئوية، وفتحت معها حديثًا حول تجاهل المفكر لويس عوض، فهو من واجه هجومًا فكريًا وسياسيًا واسعين، لم يسمحا لجيل جديد أن يعي أهمية ما أحدثه لويس في الشعر والأدب.

 

أتى لويس بإصراره من بيئته الجنوبية، فقد ورث العناد من أهل الصعيد، حيث ولد في قرية شارونة بمركز مغاغة في المنيا، في 5 يناير 1915، ولا تمر سوى أسابيع على ولادته، حتى يرتحل مع أسرته إلى السودان، حيث يعمل والده في مدينة أم درمان، وبعدها بأربع سنوات، يعود مرة ثانية إلى المنيا، ليتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، وتظهر أولى علامات ميوله نحو الأدب، فقد كان ينشر قصصًا قصيرة بصحيفة “الإنذار” الإقليمية عام 1927.

 

حدد لويس هدفه بدقة، واتجه إلى دراسة اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وتخرج منها حاملًا بتقدير امتياز في 1937، مما أهله إلى الالتحاق ببعثة الدراسة في بريطانيا، التي حصل منها على درجة الماجستير من جامعة كامبريدج عام 1942، وبعد انتهاء البعثة، وفور عودته إلى مصر، ترأس لويس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، ليكون أول مصري يتولى شئون هذا القسم، ثم يتجه بعدها إلى المعهد العالي للفنون المسرحية ليدرس لطلابه مادة النقد الأدبي.

 

أصدر لويس ديوان شعري وحيد، ولكنه استطاع أن يحدث به ضجة كبرى في أوساط المثقفين والشعراء، فوجه من خلال ديوانه “بلوتولاند”، الذي أصدره عام 1947، رسالة قوية هدفها إحداث ثورة في الشعر التقليدي، ففي مقدمته كتب تحت عنوان “حطموا عمود الشعر” يطالب الشعراء بالاستفادة من تجارب الأمم الآخرى في الشعر المسرحي والشعر الحديث، وحوى الديوان قصائد شعرية مكتوبة باللهجة العامية كمَنْ يريد أن يثبت أهمية الأدب الشعبي، وضرورة التحرر من البلاغة والفصاحة وجهارة الصوت، وكان ديوانه، وقتها، صوت نشاز وسط مدارس شعرية عتيقة تحتفظ بأصالة اللغة وتركيباتها اللفظية القديمة، مما جعل البعض يعتبره سباقًا نحو الشعر الحر، الذي أسس له بدر السياب، وصلاح عبد الصبور.

 

كان لويس متذوق للفن بأشكاله كافة، فكان يحب الموسيقى الكلاسيكية، وأسس جماعة “جرامفون” في أثناء عمله كأستاذ بالجامعة للاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، وقبل أن يتعمق في كتاباته ودراساته الأكاديمية والنقدية، أصدر كتابًا حول دراسته بالخارج في 1942، وكان كتاب نثري بالعامية، ثم اتجه نحو دراسة الشعر، فأصدر ثلاثيته الأكاديمية “فن الشعر لهوموروس”، و”ديرومثيوس طليقًا”، و”في الأدب الإنجليزي”، كما أصدر عددًا من الكتب والدراسات، التي وصلت غلى أكثر من خمسين، ترجم 4 منها، وأهمهم: “ثقافتنا في مفترق الطرق”، و”أقنعة الناصرية السبعة”، و”تاريخ الفكر العربي الحديث”، الذي شمل تاريخ مصر من الحملة الفرنسية وحتى ثورة 1919، و”دراسات في النقد والأدب”، “الثورة الفرنسية”، كما له نص مسرحي “الراهب”، ورواية واحدة هي “العنقاء (تاريخ حسن مفتاح)”.

 

في أثناء ثورة يوليو، كان لويس يدرس بجامعة “برنستون” في أمريكا، حيث سافر إليها بدعوة من مؤسسة روكفلر” في 1951، وحصل هناك على الدكتوراة عن رسالة “ديرومثيوس في الأدبين الإنجليزي والفرنسي”، وعاد إلى مصر عام 1953، وظل يتعامل بتحفظ وتوجس مع الثورة الجديدة، خاصة إن قناعاته الفكرية ترفض تدخل الجيش في السياسة، وذلك هكذا حتى ثبُت له ما يخشاه، ففي مارس 1954، قامت إدارة الجامعة بفصل عدد من الأساتذة، ومن بينهم الدكتور لويس عوض، على خلفية رفضهم لتدخل الجيش في العملية السياسية مطالبين بسرعة عودته إلى ثكناته، فيما عُرف، وقتها، بـ “أزمة الديمقراطية”.

 

تولى عدة وظائف، فتم تعيينه بمكتب الأمم المتحدة، ولكنه استقال منه، وعلى الرغم من علمانيته الواضحة، إلا أنه في مارس 1959 تم اعتقاله بتهمة أنه شيوعي على صلة بجماعة عُرفت باسم “أنصار السلام”، ليظل في غياهب السجون مدة 16 شهرًا، يخرج منه إلى دار التحرير (جريدة الجمهورية)، ليكون مستشارًا ثقافيًا حتى عام 1961، ومنها إلى الأهرام، حيث تولى الصفحة الثقافية، وكان مستشارًا للمؤسسة، وظل بها حتى عام 1982، حين نشب خلاف بينه وبين إدارة الجريدة، التي رفضت نشر دراسته حول الأفغاني.

 

نال لويس عدد من الجوائز التقديرية، هي: وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى في عيد العلم 1966، وسام فارس في العلوم والثقافة من وزارة الثقافة الفرنسية عام 1986، وجائزة الدولة التقديرية في الأدب 1989، والتحق بحزب الوفد الجديد عندما أُعيد تأسيسه عام 1978، اعتقادًا منها أن الحزب سيكون إحياءً لأسس الديمقراطية والعلمانية، ولكن يبدو أن ما ظنه لم يتحقق، فاستقال منه عام 1984.

 

ويُحدث لويس الطامة الكبرى داخل العقو المتحجرة، التي لا تقبل بحرية التعبير والاختلاف، بكتابه “مقدمة في فقه اللغة العربية” الصادر عام 1980، ويتناول الكتاب الجذور التاريخية للغة العربية في صلتها ببقية اللغات، وفي علاقتها بالبيئات المختلفة التي انتشرت ضمنها، وأثرت فيها، وتأثرت بها، ولكن تمت مصادرة الكتاب فور صدوره، وتم منع تداوله، وأصدر مجمع البحوث الإسلامية بيانًا يهاجم فيه الكتاب ومؤلفه.

 

قبل أن يرحل لويس في 9 سبتمبر 1990، أصدر آخر مؤلفاته “أوراق العمر”، الذي تضمن سيرته الذاتية بصراحة مطلقة، أسماها “الصراحة المقرفة”، والتي رفضها كثيرون، وأوضح هو: “مش سهل إن الواحد يطلع أحشاءه بره”.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *