كمال الملاخ.. فرعوني من أسيوط اكتشف “مراكب الشمس”

كمال الملاخ

كمال الملاخ

**أسس مهرجان القاهرة السينمائي وتولى رئاسته 7 سنوات

**عمل ناقدًا فنيًا ورسامًا وصحفيًا وألف 32 كتابًا

 

المندرة: هدير حسن

“أنا أحب التفاؤل، وبسمة الحياة، والورد، وقطرة الندى، ولمعة النجوم، وأحب كل ما هو متصل بالجمال والتفاؤل” بكلمات أديب، ودقة صحفي، ورؤية فنان لخص كمال الملاخ شخصيته في كلمات مقتضبة، فهو من مخر عُباب التاريخ والصحافة والفن التشكيلي، صاحب القلم المتميز والجمل القصيرة الموجزة الشارحة.

 

“من غير عنوان” كانت صفحة كمال وليم يونان الملاخ بالأهرام، التي ابتكرها وحررها لتكون منبره للحديث حول شغفه بالفن والتاريخ والآثار، مشواره الغني بالعلامات البارزة والمضيئة المبدعة، كان لا بدّ ان يبدأ من الصعيد، فهو ابن أسيوط، التي ولد بها في 26 أكتوبر 1918، وانتقل منها إلى المحلة الكبرى، حيث تلقى تعليمه الأساسي، وأخيرًا كانت القاهرة، وتحديدًا مدرسة السعيدية، حيث أنهى دراسة الثانوية، ووقتها، كان يساهم بمجلة المدرسة برسومات كاريكاتيرية، وبدأ شغفه بالرسم يبرز، فأقام أول معرض يضم لوحاته بالمدرسة، وافتتح المعرض، حينها، الكاتب الصحفي أحمد الصاوي محمد (تعرف عليه هنا).

 

أمّا معرضه الثاني، فكان في أثناء التحاقه بكلية الفنون الجميلة بقسم العمارة، حيث اشترك، وقتها، مع اثنين من الفنانين الكبار، وهما كامل التلمساني، والشاعر جان موسكايتللي، في معرض قرر الملاخ أن يدعي عميد الدب العربي طه حسين إليه، واستطاع أن يقنعه بالحضور، ويرافقه ليطلعه على شرح كل لوحات وصور المعرض، الأمر الذي يعد بمثابة جرأة وإقدام فنان، قرر أن يترك لدى الجميع انطباعًا لا ينسى بأول أعماله الفنية.

 

ولطه حسين (تعرف عليه هنا) في حياة الملاخ، دور آخر، فبعد تخرج الملاخ من الفنون الجميلة عام 1943، التقي بالعميد مرة ثانية، حين كان طه حسين مستشارًا فنيًا لوزارة المعارف، واستطاع أن يقنعه بدراسة الآثار، التي كانت طريقه نحو “مراكب الشمس”، ودار بينهما حوار قال له طه حسين فيه: سمعت بموهبتك من توفيق الحكيم، ولكن عليك أن تنميها بدراسة الآثار، فرد عليه الملاخ: وأنا مالي والآثار، وقد عقدت العزم على أن أكون مع الأيام أستاذًا للعمارة والفن، فأجابه العميد: وهل الاثار إلا عمارة وفن، بل وأكثر؟ وبالفعل، درس الملاخ الآثار بجامعة القاهرة استجابة للنصيحة.

 

بدأ حياته العملية كمهندس معماري، ثم كضباط احتياط بسلاح المهندسين، ثم معيدًا بكلية الفنون الجميلة قسم عمارة، وأستاذًا بمعهد السينما والجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبعد حصوله على ماجتسير الآثار المصرية عام 1948، عمل مهندسًا ومديرًا للأعمال بمناطق الآثار، وشارك في ترميم أبو الهول والأهرام، إلى جانب اتجاهه إلى الصحافة، رسامًا ثم ناقدًا فنيًا بـ “الأهرام” عام 1950.

 

مراكب الشمس

مراكب الملك خوفو، المعروفة بـ “مراكب الشمس”، كان الملاخ مكتشفها، وقت عمله كمدير أعمال بالآثار ورئيس لقسم الهندسة بهيئة الاثار الصرية، وهو الاكتشاف الذي حاول كثيرون أن ينكروه عليه، ولكن الدوي الذي أحدثه، وأبرز صورة الملاخ على غلاف مجلة “التايم” تخليدًا لاكتشافه الأثري الأعظم، وكان ذلك في 25 مايو 1954، أخرس ألسنة الجميع، فـ “مراكب الشمس”، التي تُعرض الآن بالمتحف الملحق بمنطقة الأهرامات في الجيزة، كان الملاخ قد أشرف على ترتيب وترقيم وتركيب قطعها الخشبية القديمة، لتظهر كما هي الآن، وعكف على تجميعها من الحفرتين اللتين وُجدت بهما بجوار الهرم الأكبر.

 

مراكب الشمس

مراكب الشمس

 

وإلى جانب اكتشافه الأثري الضخم، الذي كلفه خصم 10 أيام من عمله بمصلحة الآثار، لأنه أعلن عنه دون إذن مسبق، ساهم الملاخ في ترميم آثار جزيرة فيلة بأسوان، فقد كان ممثل مصر في هيئة اليونسكو لإنقاذ آثار فيلة، وعمل على ترميم قلعة برج العرب، كما كان الملاخ يعمل بالصحافة والأدب، ويهتم بالفن والسينما، ففي الأهرام، عمل رئيسًا للقسم الفني، ثم نائب لرئيس التحرير، كما كان أستاذًا زائرًا في كلية الاثار جامعة القاهرة، وعمل ناقدًا فنيًا لفترة بأخبار اليوم.

 

وأسس جمعية نقاد وكتاب السينما، وأسس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1976، وظل رئيسًا له لسبع سنوات، كما أسس مهرجانات سينمائية وفنية آخرى، مثل: مهرجان الإسكندرية، ومهرجان مجاويشي السينمائي بالبحر الأحمر، ومهرجان أسوان السينمائي، ولكنهم لم يستمروا بعد رحيله، وله ما يقرب من 17 فيلمًا تسجيليًا وثقافيًا، من بينها تصفيف الشعر عند الفراعنة”، وله كتب ومؤلفات عدة، قُدرت بحوالي 32 كتابًا، ومنها: “على هامش التاريخ”، “صقر الحرية”، “حكايات صيف” (أول أعماله)، “العصفور يغرد كثيرًا ويكتب أحيانًا”، “50 سنة في الفن”، “حول الفن الحديث”، هذا إلى جانب أبحاثه ودراساته حول الفن والآثار والتاريخ، التي نُشرت بالدوريات العالمية والعربية.

 

ونشاطاته المتعددة تنضح بالمزيد، فمساهمته بالمجالين الفني والأثري، أهلته للحصول على عدد من الجوائز والأوسمة، منها: جائزة الدولة التشجيعية، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون 1983، وسام الأرز اللبناني من درجة كوماندور، وسام الاستحقاق الفرنسي، ونال وسامًا رفيعًا من الدولة لاكتشافه “مراكب الشمس”.

 

صادق الملاخ أنيس منصور، في أثناء عمله بجريدة الأهرام، وقال عن هذه الصداقة: “ربما كنا واحدًا انقسم إلى اثنين، وتجمعنا في واحد”، ونعاه أنيس عند وفاته قائلًا: “لقد عاش الملاخ فرعونا، ومات ككل الذين دسوا رؤوسهم في المقابر الفرعونية.. حمى ورعشة وعرق وطفح جلدي يكوي كالنار ووحده- فجأة- يرحمه الله، فقد كان كمال الملاخ صديقًا ودودًا وبارًا بأهله، فريدًا بين الصحفيين والأثرين”، وكانت وفاة الملاخ، كما وصفها أنيس، في 24 أكتوبر 1998.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *