“وطن آمن”.. مبادرة جديدة لمنع النزاعات قبل حدوثها

تقديم الكفن

تقديم الكفن

**الأحكام العرفية وسيلة لعلاج العنف المجتمعي وليس للوقاية منه

**أحد أبناء الفيوم: “القضاء العرفي” أسرع من المحاضر للحصول على الحقوق

 

سوهاج: شيماء دراز

الفيوم: ولاء كيلانى

انتشرت أشكال العنف المجتمعي بشكل كبير في الفترة الماضية، حيث أصبح اللجوء إلي العنف هو الحل الأمثل من وجهة نظر البعض للحصول على حقوقهم المهدرة دون اللجوء إلي القانون بسبب بطء عملية التقاضي وتكاليفها الباهظة، مما أدي إلي انتشار جرائم كالقتل والذي يؤدى بدوره للثأر الذي يعد أكبر مشكلات الصعيد، وكنتيجة لفكرة أن القضاء العرفي لا يمنع حدوث المشاكل ولكن يعمل على حلها، ظهرت مبادرة جديدة بكل من بقنا وسوهاج وبعض المناطق الشعبية في القاهرة تحت عنوان “وطن آمن” والتي تستهدف القضاء على العنف المجتمعي الذي يمارسه أفراد المجتمع ضد بعضهم البعض.

 

يقول طارق رمضان، منسق مبادرة “وطن آمن”، إنه بالرغم من بساطة النزاعات الناجمة عن خلافات العمل والجيرة والمصاهرة والمعاملات اليومية المعتادة بين أبناء المجتمع والأسرة الواحدة، إلا إنها أحيانًا تأخذ منحنى شديد الخطورة من التصاعد الذي ربما يؤدي إلي ارتكاب جرائم جنائية تصل إلي حد القتل مما ينجم عنه صراع قبلي أو طائفي يتسع إلي نطاق يهدد الأمن العام.

 

وأضاف رمضان: “وجدنا أن القصور الأمني ليس هو السبب الرئيسي لهذه النزاعات فأطراف النزاع أشخاص أسوياء وليسوا أصحاب سوابق إجرامية ولجوئهم للعنف يأتي علي سبيل التورط فيه نتيجة غياب الوسيلة القضائية التي يمكن أن تتدخل وتفض النزاع بشكل سريع، ولكن هذا لا يحدث فاللجوء لإجراءات التقاضي ليس خيارًا عمليًا بسبب بطء التقاضي وتكلفة الإجراءات والتي يمكن أن تتعدي قيمة المتنازع عليه، لذلك فأغلب نزاعات وخلافات المجتمعات الفقيرة والمهشمة لا ترقي لأن تنظر أمام القضاء العادي”.

 

ويرى منسق مبادرة وطن أمن أن أغلب المجتمعات الفقيرة هي خارج الحماية القضائية وفي حالة انفصال عن منظومة القضاء التقليدي ومفارقة له في حل نزاعاتها، لذا كان البحث عن حلول وآليات قضائية بديلة تتناسب مع طبيعة النزاعات ومع ظروف هذه المجتمعات وقدرات المتنازعين ضروريا.

 

وعن البدائل التي يمكن اللجوء إليها لتجنب تلك الصراعات، ذكر رمضان التحكيم، الوساطة، التوفيق، الصلح، والتفاوض، وذلك عن طريق تشكيل لجان من وسطاء ومحكمين متطوعين يعملون بشكل منظم ودائم، وعلي مستوي جيد من التدريب، يمتلكون من الخبرة والمكانة الاجتماعية ما يجعلهم مقصد للأطراف المتنازعة في حل نزاعاتهم في إطار القانون وسيادة الدولة وبشكل سلمي كخيار حضاري بديلا للعنف وموازي للقضاء التقليدي ولا يتعارض أيضا مع القانون.

 

القضاء العرفي في القانون

وعرفت محكمة النقض المصرية التحكيم في أحد أحكامها بأنه: “طريق استثنائي لفض الخصومات قوامه الخروج عن طرق التقاضي العادية وما تكفله من ضمانات، ومن ثم فهو مقصور على ما تنصرف إرادة المحكمين إلى عرضه على هيئة التحكيم”، كما عرفته المحكمة الدستورية العليا المصرية في حكمها الصادر بتاريخ 17/12/1994 بأنه: “عرض لنزاع معين بين طرفين على محكم من الأغيار(من لديهم القدرة على مساعدة الغير) يعين باختيارهما، أو بتفويض منهما، على ضوء شروط يحددانها، ليفصل هذا المحكم في ذلك النزاع بقرار يكون نائيًا عن شبهة الممالأة ، مجردًا من التحامل، وقاطعًا لداء الخصومة في جوانبها، التي أحال الطرفان إليه، بعد أن يدلي كل منهما بوجهة نظره تفصيلًا من خلال ضمانات التقاضي الرئيسية”، وذلك لتحديد التحكيم ووضع سلطة محددة للمحكمين”.

 

ووضعت الدولة القانون رقم 27 لسنة 1994 للتحكيم، والذي نص في مادته رقم 10 على: “اتفاق التحكيم هو اتفاق الطرفين على الالتجاء لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية”.

 

وتستند مبادرة “وطن آمن” أيضًا إلى منظمات المجتمع المدني، والتي بلغت أكثر من 34000 ألف جمعية أهلية، حيث تدعم هذه المؤسسات فكرة التحكيم والوساطة بحل المنازعات. وقد بدأت المبادرة حملتها بإعداد محكمين من خلال الجمعيات الأهلية مع وضع ضوابط للاختيار، وكذلك أعدت برنامجا تدريبيا للمتطوعين ومادة تدريبية لهم من أجل رفع مستوى ثقافة التحكيم والحلول القانونية والمجتمعية للخلافات، وأيضًا تدريب بمهارات الاتصال والتواصل.

 

ومن أبرز ما يصادف لجان التحكيم نزاعات الأسواق والتجمعات الاستهلاكية، وغالبًا ما تحل من لجنة تحكيم مكونة من أعضاء المجالس الشعبية المحلية المنتخبة وكبار أرباب المهن وكبار الموظفين المتقاعدين، وأيضًا نزاعات الأراضي الزراعية والتي يُشكل مجلس تحكيمها من أعضاء مجلس إدارة الجمعية الزراعية وكبار المزارعين المشهود لهم بالقبول الاجتماعي في محيط العمل، هذا بالإضافة للنزاعات الأسرية ومشاكل الجوار ويختص بها لجنة من رجال الدعوة وعُمد ومشايخ وكبار القيادات الطبيعة بالمجتمع.

 

“مواعيد” الصعيد

أما المتعارف عليه الآن فهو الأحكام العرفية، وهي الشكل المتداول بكثرة لحل النزاعات عقب وقوعها منعًا لتطورها إلي ما يهدد أمن المجتمع، وينتشر ما يعرف بـ”القضاء العرفي” في العديد من المحافظات مثل الفيوم سيناء ومرسى مطروح، وتعرف أيضًا بالأحكام غير القانونية، لأنها أحكام لا تتبع دستورًا وإنما تتبع العادات والتقاليد والعرف السائد بالمجتمع، ولا يطبقها القضاء وإنما مجموعة من حكماء وكبار العائلات بقرى ومحافظات الصعيد وغيرها من المحافظات التي تتبع هذا النظام، وغالبًا ما يلتزم بها لأن مخالفتها تعنى مخالفة المجتمع.

 

يقول الحاج محمد مصطفى، من مركز إطسا بالفيوم، العضو بجلسات القضاء العرفي بالعديد من قرى المركز، إن القضاء العرفي منتشر في المحافظات التي يسكن بها البدو، مثل سيناء ومرسى مطروح، ومنتشر أيضًا في الفيوم، فيما يعرف “بالميعاد” بين أوساط الناس، فهو عبارة عن جلسة صلح وتفاهم بشكل ودي إن حدث مشاجرة أو خلاف بين شخصين أو بين عائلتين، فيلجأوا إلى هذه الجلسة، بناءً علي طلب الطرف الذي يزعم إنه المظلوم.

 

يضيف الحاج محمد، إنهم يجلسون في منزل أي من الطرفين، أو في منزل العمدة، وقبل الجلسة يجعل أحد أعضاء الجلسة الطرفين يوقعوا شيكا قابل للدفع، وذلك كضمان أن أي من الطرفين بعد انتهاء الجلسة وأخذ الحكم لن يعترض أو يرفض تنفيذ القرار، وبالفعل يوقع الطرفان، وتبدأ الجلسة، وهي تكون أشبة بجلسة المحكمة بالفعل، فيحكى كل طرف من وجهة نظرة سبب المشكلة، وكل منهم إن كانت معه مستندات أو شهود كدليل يوضحها، وفى النهاية يأتي الحُكم بمنتهى الحيادية ويؤخذ برأي الحكام في الجلسة حسب الأغلبية، وينفذ على الطرفين، كما ارتضوا من البداية.

 

يقول فتحي، 45 عاما من مركز إبشواي، إنه في قريته يفضل “المواعيد” دائمًا عن محاضر الحكومة، إن تعدى أي فرد عليه أو على أحد من أسرته، سواء من القرية أو من قرى أخرى، لأن أهم ميزة فيها إنها سريعة للغاية، حيث يُصدر حكم وينفذ في وقتها، أما العيب الوحيد في إدارة المواعيد، أن هناك بعض الحكام قد يضلون، أو يقبلون رشاوى، أو يأتون على المظلوم لأغراض شخصية، خاتمًا حديثه: “إن أتينا على الظالم ربما ينفجر غضبًا ولا نستطيع أن نتحكم فيه، ولذلك لا بد من الالتزام بالعدل وإعطاء كل ذي حق حقه”.

 

وبذلك تبقي الأحكام العرفية، غير القانونية، وسيلة جيدة لحل النزاعات بعد حدوثها، ولكنها ليست وسيلة وقائية، تنتظر حدوث خلافات ربما تتحول إلي فتنة طائفية كما يحدث الآن في كثير من الأحيان، ثم تبحث عن حل ربما لن تجده فالوقاية خير من العلاج.

 

 

 

You must be logged in to post a comment Login