وراء النشيد الوطني.. شاعر صعيدي

 

**اكتشف عبد الوهاب وأم كلثوم وأعتقل قرابة الـ 20 مرة وهو أول رقيب مصري على المصنفات

 

المندرة: منة الله محسن_ محمد النجار
نسمع النشيد الوطني كل يوم تقريبا، ونعرف أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب من أختاره لمصر عقب معاهدة السلام مع إسرائيل، عام 1979، لكن لا نعرف من صاحب هذه الكلمات، ربما لأننا نتذكر المغني ولا نتذكر الكاتب، وصاحب كلمات النشيد الوطني شخصية غير عادية، يتوقف عندها التاريخ طويلاً، لأنه شارك في ثلاث ثورات، في 1919، و1952، و25 يناير، حيث كان حاضراً بكلمات النشيد الوطني في 25 يناير، وبجسده وكلماته في 19، و52، وارتبط بالزعيم مصطفى كامل، وقدم للفن المصري والعربي موسيقار الأجيال، محمد عبد الوهاب، وكوكب الشرق أم كلثوم، إنه الشيخ محمد يونس القاضي.

 

حياته
وتوافق ذكرى مولده في الشهر الماضي، حيث ولد في الأول من يوليو عام ١٨٨٨ في حي الدرب الأحمر بالقاهرة، ورحلت أسرته المكونة من ٩ أطفال وأم وأب يعمل في القضاء ويحب الأدب، والزجل، إلى مركز أبو قرقاص بالمنيا، والتحق بمدرسة الشيخ محمود عمرو، وكان والده يقيم ندوة أدبية كل يوم جمعة بعد الظهر يحضرها وجهاء المحافظة، يتبادلون فيها الشعر والزجل، وكان يمتلك مكتبة تضم آلاف الكتب، وكان “يونس” يجلس في الندوة ويسجلها كسكرتير، ومن هنا بدأت هوايته للشعر والأدب.

 

عندما أتم 12 عاماً عادت الأسرة إلى مسقط رأس الوالد، قرية النخيلة، بمركز أبو تيج، محافظة أسيوط، حيث استكمل تعليمه، ليسافر بعدها إلى القاهرة ويلتحق بالأزهر، وحاول منذ أيامه الأولى الوصول إلى الصحافة، وذهب للقاء الزعيم “مصطفى كامل” في الحزب الوطني وقدم له أول مقالاته التي نشرها كامل في جريدة “المؤيد”، ليتولى يونس بعدها تبسيط خطب كامل في العديد من الصحف، كما شارك في تأسيس ١٤ جمعية لتعليم فنون الخطابة، ونشط سياسيا في الأزهر، وشارك في ثورته الأولى عامي 1908 و 1909.

 

وخلال الفترة بين عامي 1905 و1942، كتب آلاف الأزجال الصحفية، وما يزيد على ألفى دور وطقطوقة وموشح، سجل أغلبها على أسطوانات بأصوات كبار مطربي ذلك العصر، مثل: منيرة المهدية، وزكى مراد، وعبد اللطيف البنا، إلى جانب أعماله المسرحية التي تعدت ٥٨ مسرحية غنائية اجتماعية وفكاهية، ذات محتوى سياسي، كانت تؤدي في الكثير من الأحيان إلى خروج الجمهور في مظاهرة ضد الإنجليز بعد العرض، ووصل الأمر إلى أن أوقف الإنجليز عرض مسرحيته “كلها يومين”، تلحين “سيد درويش” وبطولة “منيرة المهدية”، ١٧ مرة، لأنها تحمل عبارات عنيفة ضد بريطانيا.

 

ونشر يونس كتابا بعنوان “تسالي رمضان” جمع فيه أزجاله التي أعجبت صاحب مجلة “السيف” وطلب منه أن يكون “زجال” المجلة، وانضم لأسرة “اللطائف” زجالا وشاعرا ثم رئيسا لقسم الأدب والفن بها، وكان أحد رموز الفكاهة في مصر مع عبد العزيز البشري وفكري أباظة، كما أصدر مجلة “الفنان” عام 1926.

 

قضى يونس حياته في النضال ودعم الشعب بالكتابة، والهتاف، ودعم الفن باكتشاف المواهب التي أثرت على الفنّ العربي عموماً، والمصري بصفة خاصة، وقد تم اعتقاله 20 مرة تقريباً بسبب كتاباته التي كان ينشدها الشعب خلال ثورة 1919، والحركات الاحتجاجية التي مرت بها البلاد، حتى أنه ذات مرة قال له نجيب باشا، وكيل الشرطة آنذاك، بعد أن امسك الجبة والقفطان الذي يرتديه القاضي:” بدل ما تقول الكلام الفارغ ده دور ازاي تصنع جبة في بلدك الأول”. ويعلق القاضي علي هذا الحادث قائلا : ” هذا الكلام ظل في راسي إلى أن بدأت أنادى في الروايات والمسرحيات التي اكتبها بإنشاء المصانع ومنها أغنية “اهو ده اللي صار.. ما لكش حق تلوم علىّ”.

 

وفي عام 1943، عمل رقيباً على المصنفات الفنية كـخدمة لصديق، في وزارة الداخلية حتى عام ١٩٥٣، وكان أول رقيب مصري على المصنفات، ومن طرائفه أنه مع الأغاني الهابطة التي قام بتأليفها، وكان قبوله هذا العمل بداية النهاية بالنسبة له، فقد توقف عن الكتابة والظهور الفني حتى وفاته في الأول من يونيو عام 1969.

 

علاقته بأهل الفن
تجلت عبقرية القاضي في الأغنيات الوطنية عند التقائه بالشيخ سيد درويش عام 1917، ومن طرائف اللقاء أن القاضي بادر درويش بعد أن دله احدهم عليه بعد رحلة عناء :”أنا كنت فاكر الشيخ سيد ضرير وعجوز مهكع، وأجابه سيد على الفور وحياة النبي أنا كنت فاكرك أعمى واقرع ونزهى”، وامتدت صداقتهما بعد هذا اللقاء وأثمرت باقة من الأغاني المهمة منها العاطفي والوطني.

 

لم تقتصر علاقة القاضي بأهل الفن على سيد درويش فقط، فهو من قدم لنا موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وأكتشف كوكب الشرق أم كلثوم، يقول القاضي في أحد حواراته الصحفية عن عبد الوهاب، “عرفت عبد الوهاب قبل أن أقدمه إلى الشيخ سيد درويش ببضع سنوات، وكان يعمل في محل الترزي أحمد يوسف وكان شقيقه محمد يوسف فناناً قديراً، فلفت أنظارنا إلى الصبي الصغير الذي يرتدى الجاكيته فوق الجلباب، وكنت وقتئذ أعد رواية لفوزي الجازولي، وهو على صلة بالشيخ حسن عبد الوهاب شقيق محمد، وطلبنا منه أن يأتي لنا بشقيقه ليغنى بين فصول الرواية يقصد المسرحية، وجاء عبد الوهاب وغنى بثلاثة قروش صاغ في الليلة، ولكن كان هناك أجرا ادفعه أنا لعبد الوهاب سواء غنى أو لم يغن، وكان يرفض الغناء إلا إذا تناول طبق العاشورة، وحين توفى الشيخ سلامة حجازي عام 1916، فتح المجال أمام عبد الوهاب، وأتيحت له الفرصة، وغنى مكان سيد درويش في رواية الباروكة، ورحب به سيد وحياه قائلا: “ولد عال ولازم يكون حاجة كبيرة في المستقبل”.

 

سعد زغلول
في 8مارس عام 1919، نفى الزعيم سعد زغلول، وزملاءه إلى جزيرة مالطة بالبحر الأبيض المتوسط، في هذا الوقت كان الشيخ يونس القاضي يشغل رئيس تحرير جريدة “مصر السعدية” الناطقة بلسان القبط والمسلمين في حزب الوفد وكان بذلك داخـل الدائرة السياسية، وبذكائه وطريقته كتب مسرحيات تشعل الشعور الوطني حتى لا تضيع القضية وأصحابها. وقد حكى الشيخ يونس لأسرته خاصة الأستاذ عبد الرازق فرغلي، نجل شقيقه، والمسئول عن الكتابة له ومرافقته وقت مرضه، أنه ألف في هذه الفترة مئات الأغاني سواء أدوار أو طقاطيق كما كتب أزجال صحفية عديدة، وكانت أهم أغاني هذه المرحلة وأكثرها انتشاراً أغاني، يا بلح زغلول، أهو دا اللي صار وأدى اللي كان، شال الحمام حط الحمام، وغيرها. كما كان في مسرحياته يحاول وضع اسم سعد والقضية وزغلول في النصوص سواء التي تغنى أو الممثلة للتذكير بشكل مستمر بالقضية المصرية. كانت السلطـات الإنجليزية قد أصدرت قرار بجلد من يكتب أو يذكر اسم هؤلاء الزعماء المناضلين كما تم إصدار قرار بالحبس لكل من يثبت عليه ذلك، وتحدى يونس القرار وكتب:

 

يا بلح زغلول يا بلح زغلول يا بلح زغلول

يا زرع بلدي يا بخت سعدي

عليك أنادى قصدي مرادي

الله أكبر يا جابر أجبر

ماعنتش أبكى مين بس ينكر

يا روح بلادك تعاصون بلادك

سعد وقال لي وراجع لوطني

 

توت عنخ أمون
والأغنية التي هزت مصر التي غنتها منيرة المهدية للشيخ يونس القاضي فور اكتشاف المقبرة الشهيرة للملك الشاب “توت عنخ آمون” وهو ضمن ملوك الأسرة 18، بالدولة الحديثة الفرعونية وتقع مقبرته في البر الغربي بوادي الملوك بالأقصر، وقد كانت أهم مقبرة وقت اكتشافها، نظراً لأنها وجدت كما تركها الفراعنة كاملة دون أن يدخلها أحد منذ وقت وفاة الملك. وأبدع الشيخ يونس القاضي هذه الأغنية التي اشتهرت وذاعت حتى صار اسم توت عنخ آمون داخل كل منزل لأن انتشار كلمات يونس وصوت منيرة كان في أوج أوقاته حين ذاك، و لحنها الأستاذ محمد القصبجي.

 

ما يجيش زى إن لف الكون
ميجيش زى إن لف الكون
أسأل التاريخ ينبيك أنت تغر الناس حتاويك
ظهرت غرايب فى الآثار
ووصفي كم حير أفكار
وعمر قلبي إن كان يرتاح
واعمل سياسة السلم سلاح بأيه
تزيد أنت علىّ ومصر أم المدنية
دنا أبويا توت عنخ آمون عن مجدنا وبعدين أمشيك
وأنا أبويا توت عنخ آمون تخلى جميع الناس تحتار
وأنا أبويا توت عنخ آمون إلا إن رجع مجدي اللي راح
وأنا أبويا توت عنخ آمون
وبلادي مهد الحرية وأنا أبويا توت عنخ آمون

 

النشيد الوطني
و لم يسلم القاضي من منغصات الحياة سواء من أهل الفن أو التجاهل الإعلامي، وكما يروى عنه حسين عثمان، في حكاياته وذكريات من الذاكرة بمجلة الكواكب، عام 1979 أن الكثيرين يظنون أن سيد درويش هو مؤلف نشيد بلادي بلادي، وقد روى لي القاضي أنا وبعض الزملاء عن استيائه من ادعاء البعض ملكيته للنشيد حتى أنني ذكرته بحكايته لي انه كان قد سجل هذا النشيد مع عشرة أناشيد أخرى في المحكمة المختلطة عام 1923، قبل أن تكون هناك جمعية للمؤلفين والملحنين، وغنت هذا النشيد الست تودد، على اسطوانة مسجلة لشركة ميشيان تحت رقم 923، وكذلك محمد بهجت، لنفس الشركة تحت رقم 942، واختاره الموسيقار عبد الوهاب عام 1978، عقب توقيع معاهدة السلام ليكون النشيد الوطني للبلاد.

 

نشيد بلادى بلادى
بلادي بــلادي بلادي لــك حبـي وفــؤادي
مصـر يا أم البلاد أنت غايتي والمراد
وعلى كل العبــاد كم لنيلك من أيـادي
بلادي بــلادي بلادي لــك حبـي وفــؤادي
مصر أنت أغلى درة فــوق جبين الدهـر حرة
يا بلادي عيشي حرة واسلـمي رغـم الأعــادي
بلادي بــلادي بلادي لــك حبـي وفــؤادي
مصر يا أرض النعيم سدت بالمـجد القديم
مقصدي دفع الغريم وعلى الله اعتمادي
بلادي بــلادي بلادي لــك حبـي وفــؤادي
مصر أولادك كــرام أوفياء يرعـوا الزمـام
نحن حرب وسلام وفداكي يا بلادي
بلادي بــلادي بلادي لــك حبـي وفــؤادي

 

ويذكر أن نشيد “بلادي بلادي” كتبه القاضي لترجمة مشاعر الشعب المصري بعد نفى سعد زغلول ورفاقه.

You must be logged in to post a comment Login