واحة ميدوم ببني سويف تواجه خطر الاستبعاد من الأماكن السياحية

** الواحة غارقة في المياه الجوفية والقمامة والتعديات السكانية.. والمحافظة تعرضها للاستثمار السياحي

 

بني سويف: محمد حسين

لم تعد المنطقة وشكلها العام يوحي بأنها واحة للسياحة كما كانت، تحتاج لمن ينقذها من المياه الجوفية التي أغرقتها، وأكوام القمامة التي تراكمت بها، إنها واحة ميدوم السياحية التابعة لقرية هرم ميدوم بمركز الواسطي ببني سويف، والتي تبعد حوالي 45 كيلو متر من منطقة سقارة الأثرية، و40 كيلو متر من الفيوم بطرق مرصوفة، وتم ربطها بطريق القاهرة أسيوط بطول 2,3 كيلو متر، ويعتبر عام 1996 مولد واحة ميدوم، حين بدأ انشاء الملاعب والمنشآت.

 

تعانى واحة ميدوم الآن من الإهمال، الذي خيم عليها فأصبحت كالأرض القاحلة التي لا ينبت فيها نبات، ولا يسكن فيها إنسان، بعد أن أغرقتها المياه، حيث تحول لون الرمل الأصفر إلى اللون الأسود، وانتشرت البرك المائية والمستنقعات وحتى أكوام القمامة.

 

أُنشئت الواحة السياحية لتكون مكانا للتنزه والاستمتاع مرتبطا بهرم ميدوم، حيث أقيمت بها ألعاب للأطفال، واستراحات للزوار وملعب ثلاثي، والذي يعانى من زيادة نسبة المياه الجوفية التي أغرقته ولم يعد أحد يستخدمه للعب، بل أصبح مكان للقمامة، وحتى استراحات الزوار التي كانت مليئة بأشجار الزينة الخضراء تدهور حالها، وأصبحت لا يرى فيها الآن إلا مياه قد تشبعت بها، ولا يوجد أثر للزرع أو الزهور التي كانت تجمل الواحة.

 

اعتاد الكثير من الأهالي على صحبة أبنائهم وزوجاتهم في المناسبات العامة لقضاء اليوم بالواحة، إلا أنهم عندما ذهبوا إليها في يوم شم النسيم هذا العام، وجدوا الوضع قد تدهور كثيرا، فلم يجد الأهالي مكانا نظيفا يجلسون فيه، فالقمامة تنتشر في معظم الأماكن، والأرض غارقة بالمياه الجوفية، ومعظم الألعاب معطلة لا تعمل، إلى جانب صنابير المياه المكسرة.

 

يقول أشرف مصطفي، مدرس من سكان منطقة ميدوم، إن المياه الجوفية بدأت تتسرب بعد ظهور الكثير من التعديات الزراعية والبناء بمنطقة هرم ميدوم الأثرية، وخاصة من الناحية الغربية للهرم بعد الكيلو الأول، مشيراً إلى أن هذه التعديات الصارخة ظهرت علي استحياء مع مطلع السنوات العشر الأخيرة، ولكنها أخذت في التزايد بصورة كبيرة مؤخرا، وخاصة بعد الثورة، حيث تم استغلال تدهور الحالة الأمنية للبلاد.

 

ويضيف أن هذه التعديات تجسدت في السماح لبعض الشركات العاملة في استصلاح الأراضي الصحراوية، باستصلاح أجزاء لا بأس بها من أراضي المنطقة الأثرية بغرض الزراعة، بالرغم من أنها تعتبر منطقة أثرية ولا يجوز التعدي عليها سواء بالبناء أو الزراعة أو غيرهما، إلا أن هذه الشركات استندت في تجاوزاتها إلي القرار الوزاري، الذي صدر منذ سنوات، والذي يجيز السماح بعملية الاستصلاح الزراعي في الكيلو الثاني من موقع الأثر، بحسب قوله.

 

وحفرت شركات استصلاح الأراضي بالمنطقة في بداية الأمر، أكثر من 11 بئرا للمياه بالمنطقة، علي أعماق تتراوح بين 6 إلي 8 أمتار، ويبلغ قطر البئر الواحد منها نحو 25 مترا، وذلك بغرض تخزين المياه بكميات كبيرة داخل هذه الآبار، لاستغلالها بعد ذلك في عمليات الاستصلاح الزراعي المنتشرة بالمنطقة، دون النظر لما تمثله هذه الآبار من خطورة بالغة، وتهديد مستقبلي واضح للمنطقة الأثرية بصفة عامة، والمبني الأثري للهرم بصفة خاصة، لأنها تؤدى إلى تشبع الأراضي حولها بالمياه مما يؤثر على جدران المنطقة الأثرية.

 

يعتبر عباس محمد، مهندس زراعي بالمنطقة، أن الكارثة الحقيقية هي اعتراف بعض المسئولين بما تقوم به الشركات، مشيراً إلى أن عمليات حفر الآبار تزايدت بالمنطقة بصورة كبيرة، وملفتة للنظر خلال السنوات القليلة الأخيرة، وخاصة عقب ثورة 25 من يناير، وأن عدد الآبار التي حفرت أخيراً بالمنطقة بلغت نحو 80 بئرا.

 

أجريت العديد من الدراسات والأبحاث حول هرم ميدوم وواحته، ونادت بضرورة ترميمه وتطويره وتحويله إلي مزار سياحي عالمي، وحماية المنطقة من جميع مظاهر العبث والإهمال، لكن رغم ذلك، فإن تطوير وزارة الآثار لمنطقة ميدوم لم يحدث حتى الآن. ومنذ استلام كامل دياب، عمله كرئيس لمجلس مدينة الواسطي، في مارس الماضي، لم يزر واحة ميدوم، معللا ذلك بكثرة المشاكل التي تعرض عليه من المواطنين، مشيراً إلى أن هناك خطة لزيارة الواحة ورؤيتها على الطبيعة قريبا، لمعرفة ما تحتاجه من إمكانيات سواء مادية أو بشرية لتطويرها، والاهتمام بها باعتبارها من الأماكن السياحية في بني سويف.

 

السبب الرئيسي في تشبع منطقة واحة ميدوم بالمياه الجوفية، من وجهة نظر أحمد محمد دسوقي، نائب رئيس مجلس مدينة الواسطى، هو عمليات حفر آبار مياه الري بشكل مستمر ومتواصل بالقرب من منطقة حرم الهرم في الكيلو الثاني، وهو ما أصبح يشكل خطرا إضافيا لاحتمالات تزايد منسوب المياه، مؤكداً أن منطقة الزراعات التي حول الواحة تتسرب منها المياه أيضا، نتيجة لانخفاض أرض الواحة عن الأراضي الزراعية المجاورة.

 

ويحذر محمود سلامة، مفتش آثار بشرطة آثار بني سويف، من كارثة تكمن في استبعاد منطقة ميدوم من الأماكن السياحية بمصر، رغم أنها تحتوي علي آثار نادرة، ومتعلقات أسر فرعونية كاملة، بسبب منازل المواطنين التي تم بناؤها علي أنقاض منازل ملوك الفراعنة، في غياب للرقابة، وكذلك الأراضي التي تم زراعتها حول منطقة واحة ميدوم بما فيها الهرم.

 

وفي محاولة منه لإنقاذ الواحة، خاطب علاء زارع عبد الحليم، كبير مفتشي آثار ميدوم، العديد من الجهات سواء التابعة للمحافظة أو المحليات أكثر من مرة، بخصوص التصرف في زيادة نسبة المياه الجوفية بالواحة ومنطقة الهرم، ولكن دون جدوى، مشيراً إلى أن هناك مشاكل أثرية لابد من وضع حل جذري لها مثل ترك التوابيت الأثرية في محيط الهرم، مما يعرضها للتخريب من قبل أيادي الزائرين أو العوامل الجوية، وأن المياه الجوفية بدأت تتفاعل مع جدران الهرم مما يشكل خطرا داهما عليه‏.

 

وعلى هذا الوضع، طرحت إدارة تنشيط ببني سويف، منطقة واحة هرم ميدوم للاستثمار بمساحة عشرة أفدنة، كاستثمار سياحي، وحددت كراسة شروط من جهة مكتب تنشيط ، ومنها أن تكون الواحة قرية سياحية، تشمل بزارات، وملاهي وألعاب للأطفال، وقاعة للمؤتمرات، وأيضا قاعة لكبار الزوار، وتمت مراجعة كراسة الشروط من قبل هيئة التنمية السياحية في مصر، والمستشار القانوني، ومكتب التنمية السياحية بديوان عام المحافظة.

 

وأوضحت إخلاص أحمد خليل، مدير مكتب التنشيط السياحي ببني سويف، أنه تم عقد اجتماع منذ زمن طويل مع معهد بحوث النيل، لمعرفة سبب المياه الجوفية، وكشف أن نسبة المياه متزايدة بدرجة كبيرة في منطقة الهرم والواحة، وتحتاج لتكاليف باهظة لاستخراجها من الأرض، ومنذ ذلك الحين لم يتحرك أحد من مسئولي منطقة ميدوم، لأن هذا ليس اختصاص مكتب السياحة، على حد قولها

 

You must be logged in to post a comment Login