هوس التنقيب عن الآثار يعود للصعيد

**آثار بني سويف معرضة للنهب ومشعوذو الآثار يعتمدون على الجن

**حلم الثراء يدفع شباب أسوان إلي الهلاك

 

بني سويف: حمدي علي

أسوان: يسرا علي

ظاهرة حصدت الكثير من الأرواح، الذين سقطوا ما بين قتلى خلال عمليات الحفر والتنقيب، وما بين ضحايا محاولات فك ما يسمى ‘‘الرصد الفرعوني’’، الذي يعتقد المشعوذون قيامه بحراسة أحد الكنوز الأثرية، عن طريق تقديم القرابين والدماء بشرية، بعدما تصاعدت وتيرة هوس التنقيب عن الآثار بمحافظات ، وخاصة بني سويف وأسوان، في أعقاب ثورة 25 يناير، استغلالا للغياب الأمني، وهو ما أحدث رواجا منقطع النظير في أوساط المشعوذين الذين يمارسون أعمال النصب وإقناع الناس وإرشادهم للأماكن التي توجد بها الآثار سواء داخل البيوت أو المزارع أو في المناطق القريبة من المناطق الأثرية.

 

ينشط هؤلاء المشعوذون في المراكز والقرى القريبة من المناطق الأثرية؛ بحثا عن الآثار، والذين يطلبون أحيانا قرابين آدمية لـ ‘‘حارس الكنز’’، ويبثون بين الأهالي أكاذيبهم بأن هناك جني يرفض اقتراب أحد من كنزه الذي يحرسه منذ آلاف السنين، وهو ما يدفع المواطنين الباحثين عن الثراء السريع واللاهثين وراء أوهام المشعوذين والدجالين، إلى أن ينفقوا مئات الآلاف من الجنيهات، أملًا في العثور على الكنوز الفرعونية التي لا توجد إلا في خيالهم، وخيال من يستغلون هوسهم بهذه الكنوز، ويتفنون في ابتزازهم.

 

أسرار المهنة

‘‘المندرة’’ نجحت في الوصول لأحد مشايخ تلك المهنة في بني سويف، الذي رفض ذكر اسمه، لنتعرف منه على أسرار عمله حول أعمال التنقيب، وقال إن هناك ثلاث مدارس تعمل في مجال الكشف عن الكنوز الأثرية، هي المصرية، والمغربية، والإفريقية، وإن أقوى تلك المدارس هي المدرسة المصرية، التي يتمركز شيوخها في الصعيد، والقاهرة، تليها المدرسة الإفريقية، ثم المدرسة المغربية في المرتبة الثالثة.

 

يعتمد شيوخ المدرسة المصرية على الخبرة بجغرافية المكان والمعلومات التاريخية بجانب الروحانيات، فيما يعتمد شيوخ المدرسة الإفريقية على السحر الأسود، بينما المدرسة المغربية يعتمد شيوخها على الروحانيات، وشيوخ المدارس الثلاثة يستعينون بخُدّام من الجان والعالم السفلي، وهؤلاء الخُدّام نوعان؛ نوع علوي، ويكون على طهارة، ونوع سفلي يكون على نجاسة، وفقا لشيخ بني سويف.

 

لكل نوع من الخدام طريقته في العمل، ولكل منهم طريقة يُسخَّر بها للعمل من قبل الشيخ، ويعتقد الشيوخ أن الخادم الذي يكون على نجاسة، يكون أكثر خطورة على من يعملون في الحفر والتنقيب، كما أنه يطلب أشياءَ مُحرّمة وصعبة من شيخه مقابل أن يرشد عن مكان الكنز، ودور الخادم هو فك الرصد، وصرف أي حراس على الكنز.

 

الجن المُضلل

وأشار الشيخ إلى أن بعض خُدّام الجان يضُللّون، والبعض الآخر يبحث ويدل على مكان الكنز بحق، وقال إن هناك شيوخا يخدعون من يستعينون بهم في عمليات الحفر والتنقيب عن الآثار، وإن أكثر الشيوخ كذبا وتضليلا هم الأفارقة الذين يتفننون في ابتزاز الباحثين عن الكنوز، خاصة وأن من أكثر من يقومون بالتنقيب هم أصحاب المال وكبار المزارعين والتجار، فيما نفي بعض الأثريين بالمحافظة وجود ما يسمى بـ‘‘الرصد’’ أو حتى لعنة الفراعنة، مؤكدين أنها مجرد خرافات يتلاعب من خلالها المشعوذون بالمهووسين بالتنقيب عن الآثار.

 

وتحتوي بني سويف علي العديد من المناطق الأثرية المنتشرة في مختلف أنحاء المحافظة، والتي تجعل منها متحفا تاريخيا لكل العصور، يشمل العديد من كنوز مصر، حيث يوجد بها هرم ‘‘ميدوم’’ ثاني أقدم هرم مدرج في العالم، والذي بناه الملك ‘‘حونى’’، آخر ملوك الأسرة الثالثة، وأتم بنائه ابنه الملك ‘‘سنفرو’’ أول ملوك الأسرة الرابعة، وهو والد الملك خوفو، باني الهرم الأكبر بالجيزة.

 

وتتنوع الآثار الفرعونية في مراكز وقري المحافظة مثل (أبو صير بمركز الواسطي، ومدينة أهناسيا، وجبانة سدمنت الجبل بمركز إهناسيا، ودشاشة بمركز سمسطا، والحيبة بمركز الفشن، وأبو صير الملق بمركز الواسطي، والمضل بمركز ببا)، كما تتوزع في أرجاء المحافظة الآثار القبطية من كنائس وأديرة، ومنها (دير الأنبابولا، ودير القديس أنطونيوس في مركز ناصر، وكنيسة السيدة العذراء بقرية بياض العرب شرق النيل، ودير ماري جرجس بسدمنت الجبل).

 

انتهاك الآثار

مصدر مسئول بآثار بني سويف، رفض ذكر اسمه، صرح بأن المناطق الأثرية ببني سويف قد تعرضت لانتهاكات وتعديات بأشكال مختلفة، ومن أكثر المناطق ضررا وتأثرا هي مناطق أبو صير، والحيبة، وإهناسيا المدينة، والتي تعرضت إلى أعمال حفر وتنقيب لا مثيل لها، إضافة إلى البناء علي الأراضي الخاصة بالمناطق الأثرية وخاصة في إهناسيا المدينة، مضيفا أن القوات المسلحة قامت بعقد مؤتمر في مايو 2011 لتأمين وإزالة التعديات علي المناطق الأثرية في 9 محافظات، كان من بينها بني سويف، إلا أنها وجدت صعوبة في إزالة تلك التعديات، في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.

 

ولفت المصدر إلى أن هناك بعثة إسبانية كانت قد جاءت إلي إهناسيا في فبراير الماضي، لدراسة بعض المناطق الأثرية هناك، إلا أنها أبدت حزنها الشديد لما حدث بتلك المناطق، من أعمال حفر وتنقيب وانتهاكات لا مثيل لها، موضحا أن مديرية الآثار ببني سويف قد طالبت مرارا وتكرارا بزيادة التعزيزات الأمنية حول المناطق الأثرية لكن دون جدوى، وما زالت تلك المناطق تتعرض لعمليات انتهاكات وتعديات حتى وقتنا هذا.

 

الجريمة الناقصة

محافظة أسوان، شهدت واقعة بدأت بالبحث عن الآثار، وانتهت بجريمة ارتكبها أحد طرفي العملية في شريكه، حيث بدأت الواقعة في أحد شوارع أسوان الأثرية، التي يسعى أهلها إلي تحقيق الربح السريع من خلال التنقيب عن الآثار، بمنزل في شارع محمد نور قاسم، المواجه لمسجد الطابية وسط مدينة أسوان، الذي تسكنه عائلة (عبد الله ح)، والذي بدأ ينقب فيه، بالاشتراك مع آخرين، عن الآثار، إلي أن وصلت معلومات إلي مباحث الآثار والسياحة تفيد بارتكاب الجريمة، فقاموا بمداهمة المنزل، وتم العثور علي حفرة مربعة اتساعها متر ونصف، وسرداب طوله أربعة أمتار، وضبط (عبد الحميد س. ع)، أحد شركاء الأول، الذي تمكن من الهرب.

 

أخلت نيابة أسوان سبيل المتهم عبد الحميد، بعد القبض عليه بمنزل المتهم الأول أثناء تنقيبه عن الآثار، لعدم إيجاد أي قطع أثرية معه، وبدافع الانتقام، قرر خطف شريكه الذي هرب، ولم تتمكن الشرطة من القبض عليه، وظل يبحث عنه في جميع الأماكن التي يتردد عليها ولم يجده، لحين فوجئ ضباط قسم ثان ببلاغ أحد الخفراء حول وجود ثلاث أشخاص يعتدون بالضرب على شخص مكبل بمنطقة الصداقة الجديدة، في منتصف الليل، وعلي الفور توجه ضباط القسم إلي موقع البلاغ واكتشفوا أن المعتدي عليه هو المتهم الهارب صاحب المنزل المنقب فيه عن الآثار، والآخرين هم عبد الحميد، الذي أخلت النيابة سبيله، وأشقائه الذين كانوا يعتدون على الأول ويدفنون رأسه في الرمال، كنوع من الانتقام، لأنه ورطهم في قضية آثار.

 

التقت ‘‘المندرة’’ بالطرفين، للتعرف على الأسباب التي دفعتهم لارتكاب تلك الجريمة، وقال (عبد الله . ح )، المتهم الذي تم الاعتداء عليه، إنه توجه إلى منزل عبد الحميد في منطقة العناني بمدينة أسوان لأنه سرق السيارة الخاصة به، والتقى بشقيق علاء الذي كان معه بالمنزل في ذلك الوقت، فطلبوا منه دفع مبلغ 10 آلاف جنيه، مقابل إعادة السيارة، لأن الأول يحتاجهم لدفع أتعاب المحاماة في قضية سابقة اتهم فيها، فحاول أن يقنعهم باسترداد السيارة لبيعها ودفع المبلغ المطلوب، فاعترضوا لأنهم علموا أن رخصتها منتهية منذ فترة ولن تصلح للبيع، بعد أن فتشوه وأخرجوا محفظته واستولوا على رخصة السيارة والقيادة وجواز السفر، تحت تهديد السلاح الأبيض ‘‘مطواة قرن غزال’’.

 

أضاف أنه كان ذاهبا إليهم للتفاوض معهم ولكنهم قيدوه بالحبال، وربطوا فمه بـ‘‘كوفية’’ وذهبوا به إلى منطقة الصداقة، والتي تعد إحدى المناطق الجديدة بأسوان، مشيرا إلى أنهم هددوه بالقتل في حالة عدم دفع المبلغ مع الاعتداء عليه بالضرب ودفن رأسه في الرمال، في الوقت الذي ظهر فيه خفير إحدى العمارات السكنية تحت الإنشاء، وهو الذي أنقذه وأبلغ الشرطة.

 

إذا تخاصم اللصان

الطرف الثاني، عبد الحميد، روى أنه يعمل ميكانيكي سيارات، وذات مرة حضر له شخص يُدعى (أحمد.ع)، صديق عبد الله، ليطلب منه المساعدة في إصلاح سيارته المعطلة بجوار أحد المنازل بشارع محمد نور قاسم، وعندما كشف على السيارة لتحديد العطل أخبره بأنها تستلزم صيانة تستغرق بعض وقت، وطلب له ‘‘واحد شاي’’ لحين البدء في صيانة السيارة، وجلس أمام المنزل، وأثناء ذلك فوجئ بمباحث السياحة والآثار تداهم المنزل لأنهم ينقبون عن الآثار، وتم القبض عليه وعُرض على النيابة العامة التي أمرت بحبسه يومين على ذمة التحقيقات.

 

بعد خروجه من النيابة، أوضح أنه ظل يبحث عن ‘‘عبد الله’’ في كل مكان ولم يجده، وأثناء مروره مع شقيقه في منطقة الصداقة، رأوه جالسا في إحدى السيارات مع شخص آخر، فذهبوا إليه وحاول الهروب منهم مرة أخرى لذلك قيدوه بالحبال وطلبوا من أحد الخفراء الاتصال بالشرطة لأنه هارب ويبحثون عنه، وانتهى الأمر بالطرفين في قسم ثان أسوان.

 

الطرفان تبادلا الاتهامات، وهو أمر طبيعي فكل طرف يحاول تبرئة نفسه واتهام الآخر، لكن الحقيقة أن الطرفين اتفقا على التنقيب عن الآثار، وعندما هرب منهم طرف حاولوا الانتقام منه بتعذيبه والاعتداء عليه، ومن قضية آثار إلى تهمة الشروع في قتل، انتهت بتصالح الطرفين داخل ديوان قسم ثان، ليُخلى سبيلهم على ذمة القضية، وتبقى قضية التنقيب عن الآثار بلا نهاية في الصعيد.

One Response to هوس التنقيب عن الآثار يعود للصعيد

  1. Ahmed Afndyna 8:56 مساءً, 18 فبراير, 2014 at 8:56 مساءً

    اجمد حاجه في الدنيا

You must be logged in to post a comment Login