هنا “دلجا”.. ممنوع دخول الغرباء

**الجيش يعجز عن دخول القرية ونقطة الشرطة مهجورة بعد التعدي عليها

**”الجمعة” تشهد بناء منصتين لـ”الشرعية”.. وتقارير أمنية تشير لتواجد عاصم عبد الماجد بالمنيا

**جلسة صلح مزعومة بين أبناء القرية دون حضور الطرف المتضرر

 

المنيا: ريمون ذكي

في صباح الأربعاء الرابع عشر من أغسطس، كان القس الكاثوليكي أيوب يوسف في طريقه من مدينة المنيا لقرية “” بمركز ديرمواس محل عمله أو خدمته، كما يطلق الأقباط علي العمل الكهنوتي، عندما تلقى اتصالًا هاتفيًا من أحد أقباط القرية يطالبه بالعودة وعدم محاولة الدخول للقرية بدعوى اندلاع أعمال شغب واسعة ضمن تداعيات فض “اعتصامات الشرعية”.

 

أدت أعمال الشغل الواسعة لإحراق وتدمير أكثر من عشرين منزل يملكها أقباط، بعضهم هجرها لأنها لم تعد صالحة للسكن، واحتلال وحرق دير قبطي أثري يضم بين ثناياه ثلاث كنائس أحرقت جميعها كما تعرضت نقطة شرطة القرية للهجوم.

 

هنا دلجا.. القرية الكائنة بأبعد زاوية في النطاق الإداري لمحافظة المنيا في أقصى الجنوب الغربي بالظهير الصحراوي الغربي وتمثل الحد الفاصل بين محافظتي المنيا وأسيوط، قطعت مداخلها في غياب للأمن وأصبح من الصعب على أي غريب دخولها.

 

هذه القرية المنزوية في أبعد الأركان تعد أكبر قري المحافظة والأكثر إكتظاظًا بالسكان، حيث يقدر عدد ساكنيها بنحو 120 ألف نسمة وهو رقم يزيد عن عدد السكان في كل قري المحافظة وعدد من المدن أيضًا. ويشير آخر إحصاء رسمي أجري قبل سبعة أعوام وتحديدًا في عام 2006 إلي أن عدد السكان المقيمين فعليًا بالقرية نحو 64 ألف نسمة تقريبًا آنذاك مما يؤشر لتقارب بين تقديرات الأهالي والواقع.

 

تتسم دلجا بالنشاط التجاري والاقتصادي الذي يفوق قدرات أي قرية وربما يفوق التعاملات الاقتصادية لبعض المدن.

 

ويذكر الأهالي أسماء العشرات من أبناء القرية الذين شغلوا مناصب عليا في الحكومة والجهاز الإداري للدولة يتقدمهم العشرات من حملة الألقاب العسكرية بالجيش والشرطة وعشرات المستشارين ورؤساء النيابات العامة والإدارية وأساتذة الجامعات، وإليها ينتسب مساعدون سابقون لوزراء الداخلية هما اللواء محسن عبد الستار واللواء زكريا سيد عبد الستار.

 

بداية الأحداث

بدأت دائرة العنف في دلجا مع “خطاب العزل” الذي ألقاه الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، في الثالث من يوليو الماضي. وقبل أن ينتهي الخطاب، قامت الدنيا.

 

يروي القس أيوب يوسف، راعي كنيسة مارجرجس للأقباط الكاثوليك بدلجا، أنه فوجئ بتجمهر أكثر من 500 من المتشددين أمام مبني الخدمات الذي يقيم فيه، والمكون من طابقين فوق بدروم، أصدروا أصواتا هادرة قبل أن يكسروا الباب الخشبي للمبني وتبدأ عمليات نهب مكتبة هدايا بالكامل والمكتبة ومركز السمعيات والبصريات وسرقة 2 جهاز حاسب آلي وماكينة تصوير رقمية وطابعة ليزر وأورج كما نهبوا أربعة فصول لحضانة كنسية وأخذوا الأبواب والشبابيك الخشبية والمراوح ونهبوا قاعة القديس يوسف البتول التي انتهي تشطيبها قبل الاقتحام بشهر واحد وحتى لعب الأطفال والأسلاك الكهربائية.

 

ورغم تواجد خدمة أمنية تبلغ نحو ستة أفراد أمن بجانب شيخ الخفراء لكنهم انسحبوا أمام أمواج البشر.

 

وتابع يوسف: بعد أن تأكد المقتحمون أنهم أجهزوا علي كل ما في المكان سكبوا بنزينا علي مراتب أسفنجية و3 آلاف كتاب كانت بالمكتبة وأحرقوا المكان وأنا محبوس بالطابق الثاني العلوي من المبني وبدأت في الاختناق من سحب الدخان الكثيف فدلفت لسطح المبني أنتظر الموت، لكن أحد الجيران المسلمين، ويدعى أحمد توني سيف النصر، صاحب مقهى، دعاني للاحتماء بمنزله، وتمكنت من الوصول إليه عبر السطوح.

 

ولم تستجب قوات الدفاع المدني أو تصل للبلدة سيارة إطفاء واحدة لتستمر النيران في الاشتعال حتى الرابعة من صباح اليوم التالي.

 

وفي غياب الأمن، استمرت الاعتداءات علي نحو 20 بيتا مجاورا للكنيسة ملك لأقباط يقطنها حوالي 43 أسرة، كما دمرت ورشتي لحام ومتجر أدوات صحية ومكتبة هدايا ومحل ترزي و2 سوبر ماركت ومحل مجوهرات وأماكن أخري جميعها يملكها مسيحيون.

 

وكان رد مطرانية المنيا للأقباط الكاثوليك علي كل هذا العنف هو توجيه مباشر من المطران الأنبا بطرس فهيم للقس أيوب يوسف بإقامة إفطار محبة في شهر رمضان بالمكان المحروق لتكون رسالة محبة للأخر مفادها أن محبتنا أقوي من الكراهية والعنف والوقيعة. وتم الإعداد للإفطار إلا أنه ألغي بتوجيهات أمنية خوفا من وقوع أعمال عنف تستهدف المدعوين والمنظمين.

 

وعلي مقربة من مبني الخدمات المحروق لكنيسة مارجرجس الكاثوليكية، يوجد أقدم مبني كنيسي في محافظة المنيا وهو دير السيدة العذراء والأنبا إبرام الأثري.

 

يقول القس سلوانس لطفي، أحد رعاة الدير، أن الدير هو منطقة كنسية أثرية يعود تاريخها لنهايات القرن الرابع أو بدايات القرن الخامس الميلادي أي أن عمرها نحو 1600 سنة، وهو يقع بوسط قرية دلجا ويضم ثلاث كنائس الكنيسة الأهم هي كنيسة السيدة العذراء مريم وهي أثرية ينخفض مستواها عن سطح الأرض وكنيسة أخري كبيرة حديثة علي اسم مارجرجس والكنيسة الثالثة الأحدث علي اسم القديس الأنبا إبرام أسقف الفيوم والجيزة.

 

هذا الدير تعرض للهجوم في الثامنة من صباح الأربعاء الدامي.

 

أحد أقباط القرية، خشي من ذكر اسمه، قال إنه سمع نداءات خرجت بمكبرات الصوت بالقرية تطالب المسلمين بالخروج للجهاد ونصرة المسلمين بدعوى أن إخوانهم يقتلون برابعة والنهضة، فتجمع نحو ثلاثة آلاف من الغاضبين، بينهم ملثمين، أمام الدير من مختلف الأعمار حاملين مواسير حديدية ضخمة وكسروا الباب، لتستمر أعمال النهب ثلاثة أيام متتالية حتى مساء الجمعة، ويمتد العنف لنحو خمسة وعشرين منزلا مجاورا لأقباط.

 

وتجسدت المأساة الإنسانية الأكبر في قتل والتمثيل بجثة حلاق قبطي يدعي اسكندر طوس، 60 سنة، بدعوي أنه قاوم المسلمين عندما هاجموا بيته. وقال عدد من أقباط القرية أن طوس قتل بسلاح أبيض بعد أن تغلب عليه مهاجموه وآخرون قالوا أنه ذبح كالشاه.

 

وقال شهود عيان أنهم رأوا مهاجمي منازل الأقباط يقيدون ساقي طوس بحبل بعد أن لفظ أنفاسه ويسحلونه بواسطة جرار زراعي في شوارع القرية دون مغيث، لينتهي المطاف به فوق كومة من القمامة تتوسط مقابر القرية دون أن تتمكن أسرته من تغسيله أو دفنه ودون أن تتم الصلاة عليه. ولما وجد أعراب يقطنون بالقرب من القرية جثة القتيل في العراء حفروا حفرة لمواراة جثمانه لحفظ إنسانيته.

 

وقال عدد من خدام الدير أن السيارات الربع نقل والعربات الكارو لم تنقطع عن التردد علي الدير من باكر الأربعاء حتى مساء الجمعة تنقل الغنائم المنهوبة المتمثلة في كل محتويات كنائس الدير بدءًا من المقاعد وحتى بلاط ورخام الحوائط والأرضيات، ثم تلا ذلك الحفر في أرضية الكنيسة الأثرية التي دمرت تمامًا والبحث عن كنوز خيالية موجودة أسفلها.

 

الأدهى أن هؤلاء فرضوا إتاوات على منازل الأقباط بحجة الحماية وبدعوى أنهم لجان شعبية.

 

الجيش يستهدف دلجا

في العشرين من أغسطس، تحركت مدرعتان للجيش صوب القرية حسب رواية عدد من الأهالي، لكن العشرات هاجموهما بالحجارة والطوب لمنعهما من الدخول، لكن مع استمرار الاستغاثات، توجهت قوة مكبرة من الجيش والشرطة عصر الجمعة الثالث والعشرين من أغسطس تتصدرها أربعة مدرعات من الناحية الغربية عبر الطريق الصحراوي الغربي لفرض الأمن وإعادة الاستقرار، إلا أن المئات من الشباب بينهم مسلحين قطعوا الطريق أمام مدرعات الجيش وأشعلوا النيران بإطارات السيارات.

 

ورغم تحذيرات الجيش، رفض المتجمهرون التراجع وأطلق بعضهم طلقات في الهواء ورد الجيش بالمثل بإطلاق طلقات تحذيرية واستعانت القوات المسلحة بطائرة استطلاع، ولما رأي المتجمهرون الطائرة بادروا بالاختباء بمناطق قريبة من المقابر خوفا من تصويرهم.

 

واكتفت قوات الأمن بتمشيط الطريق الصحراوي الغربي وعاودت أدراجها، لتظل القرية حبيسة أهلها، يصعب على “الغريب” دخولها.

 

وفي تصريحات خاصة، أكد مصدر أمني أن أجهزة الأمن حددت عدد من المشتبه فيهم من مثيري الشغب إلا أن المهام المتزايدة أمام جهات الأمن بالمنيا تجعل القوات تفضل تنفيذ حملات الضبط وفرض الأمن بالمناطق تدريجيا، حسب قوله.

 

وأقر المصدر الأمني بتلقي الأمن لتقارير بمشاهدات من الأهالي في “دلجا” لقيادات تنظيمات مطلوبة أمنيًا مثل عاصم عبد الماجد، القيادي بالجماعة الإسلامية، والمطلوب ضبطه وإحضاره من قبل النيابة العامة في عدة قضايا، إلا أن المصدر رفض تأكيد أو نفي المعلومات مكتفيًا بالقول أن عبد الماجد متابع من قبل أجهزة البحث المختلفة.

 

وقال عدد من الأهالي أن أنصار الرئيس المعزول أقاموا منصة بالقرية ونظموا اعتصاما شبيهًا باعتصام ، معربين عن تشككهم في تواجد أغراب عن القرية بين المعتصمين بدليل جلبهم كميات من الخبز قدرت بأكثر من ألفي رغيف ولو كانوا من أهالي القرية لاكتفوا باشتراكات الخبز الموجودة.

 

وقال الحاج عبد الوهاب .أ ومحمد .ع، طلبا عدم ذكر أسماءهم، أن التردي الأمني تسلل للقرية بعد ثورة يناير وزيادة الضغوط والاتهامات علي جهاز الشرطة وتخليها عن الحزم في بعض الأمور نتيجة كثرة الاتهامات. ولفت عبد الوهاب أن بعض مثيري الشغب والمحرضين علي العنف كانوا يعانون من ضعف المستوي الاجتماعي لعائلاتهم وسط قرية معروفة بالاعتزاز بالعائلات الكبيرة، ليجدوا ضالتهم في أحضان تنظيمات وتيارات التشدد الديني.

 

أما محمد .ع فأشار إلي أن دلجا تتميز بكثرة وكبر العائلات بها لذا تنقسم القرية إلى عشر شياخات تضم الشياخة الواحدة عائلات كثيرة وكبيرة أيضاً مثل شياخة أبو المكارم، نسبة لعائلة أبو المكارم، وشياخة القاضي، نسبة لعائلة القاضي، وشياخة الشريف وشياخة العوام وشياخة عزور وشياخة الغيته وشياخة الفرا وشياخة الحرابوة وشياخة البطرخانة وشياخة أولاد عباس.

 

صلح متعثر

وفي الأربعاء الثامن والعشرين من أغسطس، عقد مؤتمر صلح دون حضور أي ممثل عن الأقباط بالقرية ولكن اجتمع فيه ممثلون عن رجال الدين الإسلامي والوعاظ من قرية دلجا وشيوخ وممثلي العائلات كـ”بداية إصلاح وبيان للناس”، على أن تتكرر الجلسة كما قال الدكتور حسن كحيل خلال المؤتمر.

 

وحضر مشايخ العائلات الذين أعلنوا عن تشكيل وفد لإعادة المطرودين من بيوتهم وتأمين من روعوا في الأحداث الأخيرة، وجمع تبرعات أيضا لإصلاح ما يمكن من المنازل، كما لفتوا إلى الاتفاق علي عقد جلسة صلح موسعة في ديرمواس بمجلس المدينة في حضور رئيسه ودعوة المحافظ والحكمدار لتعريف الرأي العام “أنهم لا يضطهدوا المسيحيين”.

 

وانتهت جلسة الصلح بتشكيل لجنة من عشرين عضوا تتولي المهام الإصلاحية لحين عقد مؤتمر عام مع المسيحيين والمسئولين في الدولة.

 

لكن القس أيوب يوسف، راعي كنيسة ماري جرجس للأقباط الكاثوليك، نفى أن يكون المؤتمر الذي عقد هو جلسة صلح بين المسلمين والأقباط بالقرية، موضحا أن الصلح يعني حضور جميع الأطراف وممثلين عن الكنائس والأقباط لم يكونوا حاضرين فكيف تم الصلح.

 

وعاود أنصار الرئيس المعزول إقامة منصات الاعتصام بالقرية والتي كانوا قد هدموها عقب تمشيط الجيش للمناطق القريبة من دلجا، وأقاموا الجمعة الماضية منصتين بدلا من واحدة أمام مسجد عباد الرحمن والثانية أمام نقطة الشرطة التي هجرت عقب التعدي علي الشرطة يوم فض “اعتصامات الشرعية”.

 

وقال ماجد .ع وهاني . ف، من أقباط دلجا، أن الأقباط بالقرية وكذلك القساوسة لا يرون في المؤتمر صلحًا حقيقيًا، مع استمرار المسيرات وأجواء التوتر بالقرية كما أن التخريب والعنف الذي وقع علي الكنائس ومنازل الأقباط لا يمكن التغاضي عنه بمجرد جلسة وصفاها بالدعائية.

 

وكشف كلاهما أن رجال الدين لم يتقبلوا الفكرة إلا أن أسقف ديرمواس الأنبا أغابيوس تقبل مساعي المسلمين كنوع من التهدئة حرصًا علي مبني دير العذراء والأنبا إبرام حتي لا يتعرض لمزيد من الخراب.

 

وللأسبوع الثالث علي التوالي، عجز الأقباط عن إقامة قداس الأحد بدير العذراء والأنبا إبرام بدلجا، ولأول مرة من عمر الدير أي من 1600 عام.

 

 

 

You must be logged in to post a comment Login