‘‘هرموبولس الجديدة’’ مجمع الأديان والتراث على أرض المنيا

المنيا: رشا علي

عندما يجتمع التراث الفرعوني، القبطي، والإسلامي، والريفي، يعرف أهل المنيا، أنهم بالقرب من قرية ‘‘هرموبولس’’، في منطقة تونة الجبل، بمركز ملوي، على مسافة 350 كم من الغردقة، و350 كم من القاهرة، و350 كم من الأقصر، أي أنها في قلب مصر. وسُميت ‘‘هرموبولس’’، وهو الاسم الذي أطلقه اليونانيون على هذا الموقع، نسبة إلى ‘‘هرمس’’، المرادف الإغريقي لـ ‘‘جحوتي’’ رسول العلم والحكمة عند الفراعنة، وتمتد المدينة القديمة من الأشمونين إلى تونة الجبل، ولا تبعد أيضًا عن مدينة ‘‘إخناتون’’ أو تل العمارنة حاليا.

 

هرموبولس الجديدة، هي قرية تراثية تنموية، أنشئت تحت رعاية مؤسسة الدكتورة ميرفت عبد الناصر للإبداع و التنمية الثقافية، وافتتحت في ديسمبر 2011، بتكلفة 8 مليون و500 ألف جنيه، وتؤكد فلسفتها على التفاعل المستمر بين الثقافات والقيم التي تجمع بين أفراد الأسرة الإنسانية الواحدة، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والعقائدية، ومن هنا تم إختيار المكان وتسميتها بهذا الاسم، ويمكنك التعرف على المزيد من المعلومات عن القرية من خلال موقعها الإلكتروني، من هنا.

 

عندما توجهت ‘‘المندرة’’ إلى قرية هرموبولس الجديدة، لاحظنا طول المسافة، وقلة المواصلات، حيث استغرقت الرحلة ما يزيد عن ثلاث ساعات من المنيا، ولابد أن تنتقل إلى القرية بسيارة خاصة، فلا يوجد أي مواصلة تدخل للمنطقة أقرب من تلك التي ينتهي خط سيرها عند تونة الجبل، خاصة أن هذه القرية بالظهير الصحراوي لمدينة ملوي، ولا يعرفها عدد كبير من السائقين باسمها ‘‘هرموبولس’’، حيث يطلقون عليها ‘‘المحمية’’؛ لأنها تقع وسط الصحراء.

 

وعندما تدخل بالسيارة إلى القرية، تشعر بوجودك دخل مدينة فرعونية، جمعت جميع الحضارات والأديان، فالمبنى على طراز معماري قديم، وهي قريبة من مقابر ‘‘مدينة الأموات’’ أو تونة الجبل، وكأن هذه القرية بُنيت بهذا المكان لتبث الحياة في مدينة الأموات، بخلاف أبراج الحمام والفرن البلدي، حيث الريف المصري الأصيل، والمشربية ذات التراث الإسلامي، وحمّام السباحة الذي يعنى التطور الذي لم يغفله المكان.

 

يضم المكان قاعة استقبال، تشعر بداخلها أنك بحضرة مصر، بعبق تاريخها، حيث تمزج بين المبنى والتحف الفرعونية، والشباك والأساس ذي التراث الإسلامي والمصري الحديث.

 

وكان للعلم والثقافة والتداخل والهرمونية بين جميع الأديان، النصيب الأكبر داخل المدينة، فيضم المكان ثلاث مكتبات؛ مكتبة كبري صُممت على شكل قاعات الكنسية وأماكن وضع الكتب على شكل سراديب تونة الجبل، وهي مكتبة عامة، ومكتبة أكثر تخصصًا، ومكتبة متخصصة بتاريخ المكان.

 

ويَضُم المكان 16 ‘‘شاليهًا’’ مخصصين لـ 52 شخصًا، وفي الغرف، تشعر كأنك تشاهد حضارة الإنسان المصري القديم ومصر الحديثة، ففي الخارج ترى حضارة مصر منذ 150 عامًا، أما بالداخل، أنت في حضرة مصر الفرعونية وطرازها المعماري، بينما ‘‘المرايا’’ على التراث الإسلامي.

 

بالصعود لأعلى، عبر سلالم تشبه سلالم السراديب، ترى الوجه الآخر للقرية، حيث المنظر الرائع والطبيعة الصحراوية الخلابة، المُمزوجة بالخضرة، التي تحتضن الرمال.

 

الدكتورة ميرفت عبد الناصر، مُؤسسة مدينة هرموبولس، درست الطب وبعدها توجهت إلى انجلترا، وعملت هناك كطبيبة، طوال 30 عامًا، اهتمت خلالها بالآثار المصرية ودراستها، ويُذكر أن عبد الناصر من مواليد قرية ‘‘دورة’’، بمدينة ملوي، ولذا قررت اختيار هذا المكان لبناء مدينة هرموبولس الجديدة.

 

وعللت الدكتورة اختيارها لهذا المكان، من أجل إحياء المدينة الأثرية القديمة بتونة الجبل، وتسليط الضوء على التراث بهذه المنقطة الفريدة من نوعها، واستغلالها من أجل تنمية المكان، الذي تتعايش فيه جميع الأديان.

 

استمر العمل في القرية لمدة عشر سنوات، حتى تم افتتاحها عام 2011، وتم اختيار وتجهيز المكان بحيث يعبر عن مصر وحضارتها، بعيدًا عن التكلف والتطوير المصطنع، فجميع السائحين الذين يأتون، يريدون رؤية مصر وحضارتها وماضيها الرائع على طبيعتهم.

 

تسمية المكان بـ‘‘قرية سياحية’’، أمر لا ترضى عنه مؤسسة القرية، التي قالت إن ‘‘هذا ليس الهدف الحقيقي للقرية، فهي قرية تراثية تنموية، هدفها تنمية المواهب، وجذب السياحة الريفية، وتعريف المصريين بتاريخ هذا المكان العريق، وتوطيد الصلة بينهم وبين وحضارتهم’’.

 

تشمل أنشطة القرية، الاحتفالات الخاصة بالمحافظة والجمعيات الأهلية، والتدريبات الخاصة بالمؤسسات، وجمعيها حاليًا بالمجان، وأيضًا ورش عمل، وعروض فنية، من أجل التعريف بالقرية، التي تعاني من غياب السائحين بسبب الظروف الأمنية التي تشهدها البلاد.

 

تتعاون القرية حاليًا مع صالون ملوي الثقافي؛ لعرض جميع مناسبات الصالون في القرية، وبالفعل احتفل الصالون بذكرى ميلاد عميد الأدب العربي طه حسين هناك.

 

المشكلة الرئيسية التي تعاني منها القرية، كما ذكرتها الدكتور ميرفت، هي المواصلات وصعوبتها ومعاناة زوار القرية، الذين يُحرمون من زيارة الطبيعة الجميلة والاستمتاع بمناظرها الساحرة، حيث يضطر زائر القرية إلى الدخول وسط القرى المجاورة للوصول إلى هذا المكان، بسبب ‘‘المدق’’ غير الممهد، الذي يوصل للقرية، حيث يكون من الصعب السير فيه، وهو ما يرفع أجرة السيارة التي يمكن أن تقلك إلى المكان، ويجعل الأمر أصعب على الزائر، مؤكدة أن الحل يكمن في القضاء على ‘‘المدق’’؛ لتسهيل المواصلات وربط المناطق الأثرية بالقرية بشكل أسرع، وزيادة الإقبال على السياحة في المنيا، وهو ما تحاول المؤسسة الوصول إليه، من خلال محاولات مستمرة مع محافظ المنيا، اللواء صلاح الدين زيادة، لتصليح المدق.

 

وتمثلت باقي المشكلات في غياب التواجد الأمني، فالمنقطة في الظهير الصحراوي، ولا ينتشر بها السكان، بل ينتشر بها من ينقبون عن الآثار، وكذلك اختزال مسمي القرية بأنها سياحية. وأكدت الدكتورة ميرفت على أن هناك حجوزات لزيارة القرية، كمظهر من مظاهر السياحة الداخلية، من قبل مجموعات محلية مهتمة بالسياحة، تأتي من القاهرة، وأن الحجوزات ممتدة حتى آخر العام.

 

You must be logged in to post a comment Login