نوح الحمام العاشق وتراث الصعيد

نوح الحمام العاشق وتراث الصعيد

نوح الحمام العاشق وتراث الصعيد

قنا: رغدة مصطفى

 

**المقالات المنشورة تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر عن رأي بوابة المندرة.

 

‘‘نوح الحمام والقمري على الغصون.. أورث لقلبى المضنى آه كل الشجون.. مسكين قليب العاشق آه ياما يقاسي.. العشق ده ماهوش هين كله شجون وفنون يالالي.. من له حبيب يسعى له آه والليل طال’’.

 

‘‘الغواية’’، يحيا البشر بحذرِ منها وباشتهاءِ لها، ويخلط الناصبون من أنفسهم حُكامًا على البشر، بجهالة أو عن سوء نية، بين غواية الشيطان ونداء الحرية والعشق باسم الدين تارةً، وأخرى باسم الوطن، والأشد حزمًا باسم الأعراف والتقاليد، ليَحُولَ بين روحك وانطلاقها حرةً، كقضاةِ مزيفين يُصدرون أحكامًا على القلب والعقل، واصِمِينَكَ بالساقط ببئر الغواية متى قررت التحرر، ويأتي الحمام رسول سلام الروح مع الكون وخالقه، ليُسقط كل إدعاءاتهم متمسكًا بالعشق والحرية سبيله فى الحياة وغايته.

 

‘‘ياحمام بتنوّح ليه؟ فكرت عليا الحبايب.. يا حمام ضاع منك ايه؟ دوبتنى كده فوق ما أنا دايب.. ده أنا يا حمام زيك نايح.. والحزن ده له لون وروايح.. سهم الهوا دايما صايب’

 

من تراثنا الصعيدى المغزول بالوجع والجمال يتغنى العشاق بها مع الحمام، يناجى المشتاق وليفه ويشكوه الفراق، ويغنى المظلوم وجعه علَّ اللحن يجذب الحمام ليواسيه، فيتبادلان الشكوى والمواساة، الحمام بهدير صوته النواح والصعيدي بشعره والناي.

 

‘‘سمع بكايا الحجر نهنه وقال مالك؟ فتفت قلبى وأنا ببكى على حالك.. فيه حاجه غالية عليك يا شاب ضايعالك؟ أنا قلت ضاع الأمان منى ومش آمن.. وياحمام بتنوح ليه؟ فكرت عليا الحبايب’’

 

إذا ما أردت يومًا أن تبصر الصعيد روحًا لا رؤيا العين، وأن تلمس تناقضاته المدهشة، فعليك بتفقد تراثه الغنائي والقصصي كدليل، ليُخبرك عن المُخبأ فى النفوس والقلوب، وما وراء الصور من عبس الوجوه، وخشونة اللكنة وغلظة المعاملة لدى أهله ظاهريًا، فى طيات حكاياه ينطق الحجر، الشجر والطير، بحسه الشجي يُترجم لغاتهم، وينقل أحاديثه معهم، لتستمتع بعزف جميع مكونات المجتمع الصعيدى فى شدة صراعه ونعومة تناغمه.

 

‘‘الحمام هو اللي علم الناس العشق.. والشعر كله عنه’’، تشهد له آيات عبد الحكيم إحدى مربيات ‘‘الحمام البلدى’’ بمركز الوقف بقنا، كانت بين نقيضين تحيا، وهى تتلقن عادات مجتمعها الصعيدي المحافظ ملتزمةً بها، وبدهشة خالطتها المتعة تراقب عادات الحمام المحيط بها، وتحفظ تفاصيل طقوسه فى الزواج والأكل.

 

مزيج من حبوب القمح والذرة وعلف التسمين وجبته، لم يكن يقبل تناولها دون تغييرها يوميًا، فما أن تتغير رائحتها حتى يأنفها، ‘‘الحمام يخلص أكله وناخد البواقى للفراخ بعده’’ تضيف آيات، فلا اهتمام لدى بقية طيور المنزل بمدى نظافة أكلها ورائحته كما يحرص الحمام على هذا.

 

‘‘قفص خشبي’’ عش الزوجية يَعِدَه الأهل لزوج الحمام الجديد، لا يُسمح بتواجد غيرهما كعزول، لينعما بالخصوصية، ينفردان ببعضهما لثلاث ليالى أو أربع دون تدخل، فلا رغبة قد تتولد لدى الحمام للمعاشرة دون أن يتعرف على وليفه منفردًا، وقد تفشل محاولة جمعهما حين لا يعجب إحداهما بالآخر، فيضرب بمنقاره شريكه فى القفص معلنًا رفضه إياه، وعدم قدرته على معاشرته دون حب.

 

‘‘طلعت فوق السطوح أنده علي طيري.. لقيت طيري بيشرب من آنا غيري.. زعقت من عزم ما بي وقلت ياطيري.. قال لي زمانك مضي دور علي غيري’‘

 

تجلب غيرة الحمام على وليفه المشاكسات الحادة، فما أن يقترب ذَكَر الحمام لأنثى غيره هامسًا بأذنها حتى يصارعه ذَكَرها، ‘‘الحمام بيتغوي بالسمع.. ما يستحملش الدكر حد يهمس ف ودان وليفته’’ تفسر آيات ثورة غضب الحمام وجنونه الرافض همس غريمه الخبيث لوليفته، فالغزل مفتاح قلب أنثاه.

 

‘‘من فوق شواشي الدرة قمرية بتغني.. فرحانة يا هل ترى ولا بتتمني؟.. ولا دي حنية في القلب مطويه؟.. احكي يا قمرية.. الفجر شقشق وأنا طلة من خصاصي أسمع غناوي الهنا وأتاريكي بتصاصي’‘

 

وَصْمُها بـ’‘الشاردة’’ والموت فى سبيل عشقها كان مصير أنثى الحمام بأحد بيوت الوقف، تذكر آيات كيف عاقبت إحدى أقاربها أنثى الحمام التى رفضت شريكًا لها، تنقره كلما اقترب منها ليُعاشرها ‘‘مش قابلة دكر الحمام بتاعنا.. وتنط لدكر حمام بيت النصارى’’ ، إذ كانت تهرب لوليفها فى إحدى البيوت المسيحية المجاورة لهم، ومع تكرار الأمر استشاطت مربيتها غضبًا، وتعمدت ضربها إلى أن فارقت الحياة.

 

لم يسلم الحمام البلدى من إستبداد البشر لإجباره على قبول المتاح، يعمدون كسر إرادته باستخدام أداة تمرده فى قمعه، فإن رفض يومًا طعامه أو معاشرة شريكِ بمهاجمته بمنقاره، التقطت المربية عودًا خشبيًا صغيرًا لتحشره أفقيًا بمنقاره، فمتى اشتد عصيانه وقام بنقر طعامه أو شريكه أستشعر ألمًا إلى أن تخفت ضرباته ويهدأ غضبه مع شدة الوجع ليستكين.

 

العشق والحرية هما ما يغريان الحمام للتمادى فى تمرده للموت أحيانًا، يصفه أهل الصعيد ب’‘الغواي’’ الضائع بضلاله لهذا، ‘‘الحمام لو شاف له سكه للحرية ما يسيبهاش.. أوقات فى حمام بلدى بيهج مع الحمام الجبلى للأبراج عشان الحرية أو لو شافله وليف بره.. أصل الحمام غواي’’ تؤكد آيات.

 

‘‘ياطيرة طيري ياحمامة روحي على بر السلامة.. روحي على ديرة أحبابى يااللي اشتاقوا بغيابي.. وهاتيلي من أيدهم علامة.. أنا على نارى تاهت أفكاري دوبني البعد حرام والله.. الفرقة صعبة ياحمامة وبتزيد الآلام’‘

 

كالأحلام الهاربة تبدو أسراب الحمام الجبلي المهاجرة، لا تملك أن تقبض عليها بيديك، وهى تحلق بعيدًا عن أبراجها، إذ لا تقبل التعايش مع البشر أو اتخاذ منازلهم موطنًا لها، كما لا تلتزم بقوانينهم، تغريها الحرية أكثر من البقاء آمنةً متوفرُ غذائها، ترحل تاركةً الأرواح تواقةً لتحليق معها، يخفق قلب الحالمين والعشاق حنينًا برؤيتها تبتعد أكثر فأكثر ويضطرب وجعًا، بلا إرادة تُعلَق معها الأمنيات والدعوات علها تتحقق بعودتها، عوضًا عن إجبار الجسد المثقل بالقيود على التحليق لحلمه.

You must be logged in to post a comment Login