مينا دانيال .. حاضر في حضرة الغياب

المندرة: مها صلاح الدين

“بالإنجيل بالقرآن .. فليسقط حكم الطغيان” .. “الشعب يريد إسقاط المشير”

 

المكان: شارع طلعت حرب

 

الزمان: مساء الأحد الأسود 9 أكتوبر 2011

 

برفقة رفيقتي الكفاح الصحفيتين الشابتين في حالة من التسكع الهائم، الذي لا يتكرر كثيرًا، وإذا بطلقات نارية على مرمى قريب من مسمعنا، ما الذي يجري؟! .. من أي تأتي تلك الأصوات .. يا الله .. ما هذا الهلع ؟!! .. الكارون والفارون يتوافدون ليختبئون في محطة “مترو السادات”، وأقباط في قمة الغضب، أغلبهم يحملون مسئولية ما يجري للمسلمين، بعبارات غاضبة تحمل لعنات لا توشِ إلا بالقهر، والمعتدل منهم يكفي بنظرة “لماذا؟” وعبارة “حسبي الله ونعم الوكيل” .

 

وفي عكس اتجاه المارة وسط تساؤلات بالقول أو بالأعين .. عودوا؟! .. إلى أين أنتم ذاهبون؟!!! .. ساقنا الفضول الصحفي في مهمة ليس لها من مكلف، لنشهد ماذا يجري في أرض الحدث .. وهناك تكرر الإسم كثيرًا .. مينا دانيال .. وللمرة الثالثة .. لتكون هي “التابتة” والأخيرة، الذي يتلقى فيها رصاصة حية في مسيرة الأقباط التي انطلقت من دوران شبران نحو مبنى ماسبيرو منددة بهدم كنيسة بأسوان ادعى من هدموها أنها غير مرخصة، واستقبلها رجال الدولة بتصدي الأمن المركزي والشرطة العسكرية، وشاركت بها مجنزرات وأسلحة القوات المسلحة بأمر من المشير حسين طنطاوي آنذاك، وقد راح ضحية تلك الأحداث 14 قبطيا، أبرزهم مينا دانيال، الذي بات رمزا لأحداث ماسبيرو، والذي ترجع أصوله إلى قرية صنبو بمحافظة أسيوط، وكان مؤسسًا لحركة شباب ماسبيرو، وعضوًا بالتحالف الشعبي الاشتراكي، وحركة شباب من أجل العدالة والحرية.

 

في محاولة لإنقاذ مينا والذي أصيب برصاصة حية مخترقة لصدره لتنفذ من ظهره، قام رفاقه بنقله للمستشفى القبطي، متمنين من الله ألا تحقق تلك الرصاصة غرضها كما كانت سابقتيها في أحداث جمعة الغضب، وموقعة الجمل التي أصابت ذراعه، والتي على الرغم من آلامها أصر مينا أن يصاحب رفاقه في اعتصام التحرير حتى تنحي مبارك في 11 فبراير 2011، إلا أن إرادة الله شاءت أن تكون تلك القذيفة سببًا ليلفظ أنفاسه الأخيرة عن عمرٍ يناهز الـ 20 عام.

 

وعلى الرغم من دراسته بكلية التجارة, كانت القضايا الإجتماعية هي أبرز اهتماماته، حيث انتمائه لأسرة فقيرة تقطن في منطقة زرائب عزبة النخل دفعه للتقاتل من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية، وكونه قبطيا جعله يكتب في مذكراته عن الأزمة الطائفية في مصر وكيفية حلها, خاصة أنه ولد في قرية صغيرة في أسيوط عام 1991 في أوج الأزمة الطائفية في , مما دفع أسرته لشد رحالها للقاهرة حين بلغ مينا عُمر سنتين خوفًا من تلك الأزمة, خاصة بعدما بلغ عدد أبنائها السبعة أطفال, والذين كان من المحتمل أن يروحوا ضحايا لتلك الصراعات.

 

ومن هنا، تعالت هتافات “يسقط يسقط حكم العسكر”، واجتمعت عليها جميع الأطياف ليوحدوا الصف ويواجهوا الفتنة الطائفية، التي كادت أن تتفشى في جميع النفوس في ذلك الأحد الأسود، لتؤكد أن المشكلة ليست إلا مشكلة سياسية مع الحاكم من الأساس. ويزداد فتيل الأزمة اشتعالًا حينما يحاسب على تلك الواقعة ثلاثة جنود فقط من قوات الجيش بتهمة القتل الخطأ بعقاب لا يتجاوز الحبس 3 سنوات لكل منهم، ويُتغاضى عن العقاب من أمرهم من القادة، فتتكون حركة مينا دانيال للمطالبة بالقصاص لأرواح شهداء الثورة، واستكمال مسيرة 25 يناير، التي تعد بالنسبة لهم لم تحقق مطالبها بعد.

 

“الأقباط يشعرون بأن مشاكلهم تتكرر كما هي باستمرار دون محاسبة المعتدين، ودون إعمال القانون عليهم أو وضع حلول جذرية لهذه المشاكل”

 

كان هو ما جاء في بيان المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية أثناء تشييع جنازة مينا دانيال ومن معه في واقعة مسبيرو، والتي انطلقت من الكاتدرائية المرقصية بالعباسية، في حضور 3 آلاف شخص من الأقباط والنشطاء السياسيين والأساقفة، وتبعت الجنازة مسيرة توجهت إلى ماسبيرو منددة بالواقعة، إلا أنها لم تسلم من الرشق بالحجارة وزجاجات المولوتوف بمنطقة رمسيس وغمرة، مما أجج المشاعر، والتفت جميع القوى السياسية حول القضية، التي لم يكن لها حل سوى الإنهاء السريع لحكم المجلس العسكري وإقامة انتخابات رئاسية مبكرة بين عناصر مدنية. وكان اسم مينا دانيال وخالد سعيد دائمًا وسيلة لجذب التعاطف من قبل القوى السياسية لعامة الشعب، حتى أنه في ذكرى نصر السادس من أكتوبر التي أحيتها مصر منذ بضعة أيام، رفع الإخوان المسلمون شعار “كلنا مينا دانيال” تذكيرًا بما أتى به حكم العسكر في وقت سابق.

 

وأصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بيانًا اليوم بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لمذبحة ماسبيرو, تطالب فيه بإحالة قيادات القوات المسلحة المتورطين بها للمحاكمة, مؤكدة ” أن المحكمة العسكرية لم تكن معنية بتطبيق العدالة، ولعبت دور الخصم والحكم في نفس الوقت، بينما جاء الحكم بسجن متظاهرين قبطيين متهمين بسرقة سلاح ناري في سياق إدانة المتظاهرين السلميين”.

 

“يا اللي عشقت مصر حتى، وإنت في حضن السما.. قول يا مينا لو قصيدة، هتكون انت الدوا”

 

انطلقت تلك الكلمات من القلب أثناء احتفال أصدقاء مينا دانيال بذكراه الثانية بنقابة الصحفيين، مؤكدين أنه لم ينل حقه حتى الآن ممن قتله، هو وكثير غيره من الشهداء، مستنكرين تواجد المشير طنطاوي في احتفالية أكتوبر الماضي، وهو المسئول الأول عن قتله، على حد قولهم.

 

You must be logged in to post a comment Login