“ممشى الفساد” بالفيوم كلف الدولة أكثر من 11 مليون جنيه ليصبح ممراً للمواشي

**المقاول يقاضي المحافظة وهيئة تنشيط السياحة لاستكمال مستحقاته والجلسة الأولى الشهر القادم

 

الفيوم: سعاد مصطفي وولاء كيلاني

أكثر من 11 مليون جنيه ذهبوا هباءً لإنشاء ممشى سياحي، أصبح الآن ممراً للمواشي صباحاً ومرتعاً لمدمني المخدرات في المساء، كما أحاط به العديد من الأبراج المخالفة ليصبح أشبه بـ”غابة من الأسمنت”، وما بين أقوال المقاول وادعاءات هيئة تنشيط السياحة وتصريحات مجلس المدينة، قامت المندرة بالتحقيق في ما آل إليه المشروع، الذي ينظره القضاء الشهر القادم.

 

بدأت الحكاية في سبتمبر 2009عندما تعاقد مجلس مدينة الفيوم مع بلال السيد، مقاول، لتنفيذ مشروع الممشى السياحي بطريق سواقي الهدير. تسلم المقاول خمسة ملايين جنيه كمبلغ مبدئي، وبعدما أنهى الأعمال المتفق عليها، كان قد أنفق حوالي مليون و470 ألف جنيه بالزيادة من ماله الخاص في تنفيذ المشروع. تسلم مجلس المدينة الممشى بشكل مبدئي في مايو 2010، وتضمن محضر الاستلام أن “الممشى يظل في حراسة المقاول لحين تسليمه إلي هيئة تنشيط السياحة”، وحدد المجلس مستحقات المقاول إلا أنه لم يقم بصرف المبالغ المستحقة له حتى الآن، كما لم يقم باستلام الممشى بشكل نهائي ولا استلمته هيئة تنشيط السياحة، مما جعل المقاول يلجأ للقضاء، بعد أن وصل الممشى لحالة يرثي لها.

 

يروي بلال أن مناقصة عامة أعلنتها المحافظة لإنشاء الممشى، وفي النهاية “رسيت عليه” من ضمن مقاولين وشركات كثيرة، مضيفا أنه استلم العمل بعد ستة أشهر حسب الشروط وبنى الممشي، منفذا كل الشروط التي نصت عليها بنود المناقصة، لكنهم لم يوفوا بالاتفاق ولم يردوا إليه مستحقاته، مدعين أنه لم يتم تنفيذ ممشى سياحي من الأساس، لأن الأهالي قاموا بالبناء على أرض الممشى بدون تراخيص بعد الثورة، وبالتالي “لم يعد هناك ممشي”، بينما يعقب المقاول “طب وأنا ذنبي إيه؟”.

 

ادعاء المحافظة بعدم الاستفادة من الممشي، وكأنه لم يكن، ليس في محله؛ فكيف يُتوقع من مقاول فرد وليس شركة، اختارته في مناقصة عامة لتنفيذ المشروع، أن يتولي حراسة الممشي عدة شهور حتى تتسلمه هيئة تنشيط السياحة، بحسب محضر استلام مجلس المدينة؟ بل كيف يتم محاسبته على تعديات البناء التي جرت في أرض الممشي بعد الثورة أي بعد يناير 2011؟ وهل كان متوقعا منه حراسة الممشي لأكثر من ثمانية أشهر كاملة بمفرده ومنع من لم تستطع الأجهزة التنفيذية منعه من البناء بالمخالفة؟

 

يشير بلال إلي أن بنود المناقصة كانت تنص على إعطائه مبلغا للعمل على الممشى في البداية وهو ما قد حدث بالفعل. ويؤكد أنه كان من المفترض أن يحصل على باقي أمواله من المحافظة بعد التسليم، وهو ما تم في الموعد المحدد من قبل لجنة فنية للتأكد من الشروط الموضوعة.

 

وبرغم تأكد اللجنة الفنية من جميع الأمور الخاصة بالتنفيذ، إلا أنه لم يحصل على أمواله المتبقية وهى مليون و470 ألف جنيه، والتي جمعها بعد أن اضطر إلي بيع سيارته و”بيته خرب” على أمل الحصول علي أمواله كاملة عند الانتهاء من التنفيذ، كما هو موضح في بنود العقد، مما اضطره للقضاء للحصول على حقه، لكن القضية لم يبت فيها حتى الآن.

 

ويوضح المحامي محمد لطفي مدكور، وكيل المقاول، إن القضية الآن في مجلس الدولة، فيما تسلمت هيئة تنشيط السياحة بالمحافظة تاريخ الجلسة الابتدائية المقرر لها شهر فبراير القادم، لتكون أول جلسة في سريان القضية. وبرر مدكور سبب تأخر صدور تاريخ أول جلسة بالإضرابات والتوقفات التي شهدها القضاة والمحامين.

 

يقول مدكور: “أوراقنا سليمة 100%”، موضحا أن موكله التزم ببنود التعاقد ولكنهم لم يلتزموا به، وأنه قام بعمل كل البنود المتفق عليها في المناقصة بداية من إزالة الصخور من الممشى وتجميل وتشجير الطرقات وتنظيفها وإنارة الشوارع وزرع الأشجار وحتى تصميم أماكن للجلوس، وتم تنفيذها جميعا، كما استلم مجلس المدينة ووقع على عقود التسليم.

 

وأعرب عن رفضه لهذا الأسلوب من جانب هيئة حكومية مثل محافظة الفيوم وهيئة تنشيط السياحة، واثقا أنه سيحصل على قرار تنفيذ حكم لأنه “ماشى صح”. واعتبر أن الأزمة ستكون في حالة حصوله على أمر تنفيذي لأنه لا ينفذ، قائلا “معايا عشرات من قرارات التنفيذ في قضايا أخرى ولكن مع الأسف لا تنفذ فأين قيمة القضاء إن لم تنفذ أحكامه”.

 

في المقابل، قال عبد الدايم عبد الحليم عمار، رئيس مجلس المدينة، إن المكان كان أفضل قبل إقامة الممشى، حيث كان به خضرة ومياه وسواقي، أما الآن أصبح “خرابة”، علي حد قوله، فيما رفض شعبان صوفي، سكرتير عام مجلس المدينة، التعليق علي الموضوع قائلاً “القضية في النيابة العامة وكل الأوراق التي لدينا سُلمت للنيابة”.

 

وأقر حمدي صوفي، مدير عام إدارة التخطيط والمتابعة، بأن المقاول قام بدوره علي أكمل وجه ولكن الظروف التي مرت بها البلاد أدت إلي حدوث تعديات علي الأرض حول الممشى وشيدت أبراج بالمناطق المحيطة به، موضحا أنه كان من المخطط بناء فندق بالقرب من الممشى وتأجير أكشاك ليصبح موقعا سياحيا متكاملا، كما كان من المفترض أن يُفتتح الممشى خلال عيد الفيوم القومي في منتصف مارس 2011، معقباً “ولكن الثورة قامت فانتهي كل ذلك”.

 

يشهد حمدي بأن الممشى تكلف حوالي سبع ملايين جنيه، واستلم المقاول خمسة منها من هيئة تنشيط السياحة لتنفيذ بنود العقد، وقام ببيع بيته ودفع من أمواله الخاصة، لإنهاء المشروع، لذلك قام برفع قضية حتى يسترد باقي مستحقاته المادية.

 

وبالنسبة لهيئة تنشيط السياحة بالمحافظة وموقفهم من القضية، قال محمد طنطاوي، مدير عام الهيئة الإقليمية لتنشيط السياحة، إن فكرة إنشاء ممشى يطل علي سواقي الهدير نالت استحسان الدكتور جلال مصطفي سعيد، محافظ الفيوم آنذاك، وأجريت الدراسات وقامت وزارة السياحة بدعم المشروع بـ خمسة ملايين جنيه، مؤكداً أن دور هيئة تنشيط السياحة كان ينحسر في التنسيق بين وزارة السياحة ومجلس المدينة المسئول عن التنفيذ، مستكملا “كان من المتوقع أن نستلم الممشى جاهزاً أواخر عام 2010، ولكن حدثت خلافات مالية، وتحول الأمر للنيابة العامة وحثي الآن لم تبت فيه”.

 

ويرجع طنطاوي الحالة التي وصل إليها الممشى، من كسر أعمدة الإنارة وتلف بلاط الأرضيات وقيام البعض بالبناء المخالف علي الأراضي الزراعية بجوار الممشى، إلي الانفلات الأمني بعد الثورة، وأنهي حديثه قائلا “نحن في انتظار قرار النيابة لاستلام الممشى”.

 

لكن تقريرا لجهة رقابية بالفيوم، نشرته جريدة الأهرام في نهاية عام 2011 دون أن تسمها، أوضح أن الممشي تم دون دراسة متأنية فلم يتم التفكير في إيجاد طريق بديل لسكان المنطقة الذين تقع منازلهم علي المشي مباشرة وأصحاب الأراضي الزراعية المتاخمة للممشي الذين يتطلب وجودهم لزراعة أراضيهم بالاضافة الي الدواب والأغنام والماشية وآلات وماكينات الزراعة.

 

وعقد اجتماع بعد غلق الممشي أمام السكان والمارة وأصحاب الأراضي والبهائم بأربعة أشهر في السابع من أكتوبر عام 2010 للتفكير في إنشاء طريق بديل للمشي، خاصة البهائم التي ظلت تسير على الممشي، ووقع الاختيار على طريق يمر في أراض زراعية (ملكية خاصة) مما يستوجب نزع ملكية هذه الأراضي، وسددت هيئة تنشيط السياحة 4 ملايين جنيه لمديرية السياحة بالفيوم تحت حساب نزع ملكية أراضى الطريق البديل بالمستند 153، ورغم هذا لم تتسلم هيئة تنشيط السياحة الممشي من المقاول، وظل الممشي مشروعا سياحيا لم يكتمل كلف الدولة ما يزيد عن 11 مليون جنيه.

You must be logged in to post a comment Login