مكرم عبيد.. الدبلوماسي الأبيض صاحب الكتاب الأسود


المندرة: مها صلاح الدين

إذا افترضنا أن الشجاعة تقدر بالمواقف الإيجابية، فسنطلق عليه أشجع الشجعان، ولأن الصفات الإنسانية أصبحت أكثر تقليدية، ولأنه جمع بين الدبلوماسية وسلاطة اللسان، لقبوه بــ “أشهر خطيب في التاريخ السياسي المصري الحديث”، ولأن أكتوبر هو شهر العظماء، استقطب القناوي القبطي “مكرم عبيد”، ليتحلى بذكرى ميلاده، في الخامس والعشرون منه، كل عام.

 

“إننى كما أقرأ الإنجيل أقرأ القرآن وأستشهد بآياته بل وأتعظ بعظاته لأننى أؤمن بالواحد الديان سبحانه فى كمال علمه وصفاته”

 

ولد الفتى المثقف، سليل عائلة عبيد القبطية، أكبر عائلات قنا، عام 1889، فيتورد في بيئة سمحة، بعيدة عن الطائفية، وينتقي أقرب أصدقاءه من المسلمين، مثل سامي بك نور، ابن محمد بك نور، الذي تتلمذ على يده في المحاماه، حينما تدرب في مكتبه، كما كان من أقرب رفاقه، الزعيم مصطفى باشا النحاس، ولم يغادر عبيد في سنوات دراسته أولى، حيث التحق بالمدرسة الأمريكية في أسيوط، ومن ثم غادر مصر ليدرس الحقوق بجامعة أوكسفورد بإنجلترا، ليعود بعد ذلك ويشغل منصب سكرتير تحرير جريدة الوقائع المصرية عام 1912.

 

ولما يتسم به من لباقة ودبلوماسية، أُختير سكرتير للمستشار الإنجليزي بمصر، وقد حاول عبيد، استغلال منصبه لدعم القضية المصرية أمام الرأي العام الدولي ضد الاحتلال الإنجليزي، مما جعله يستبعد عن منصبه، ويعين أستاذًا بكلية الحقوق عامين كاملين.

إن لم يتخذ أى منا من ذكراه عبرة فيجاهد فى سبيل وطنه كان هو الحى الميت وحق لى أن أقول: أيها الميت الحى. أنت سعد!

أيها الحى الميت. أنت عبد!

فإذا لم يتح لك أيها الوطنى أن تكون فى خلودك سعد.

 

هكاذا جاءت خطبته في ذكرى الزعيم الراحل سعد زغلول، والذي كان يعتبره معلمه السياسي، وقد اتبعه في ثورة 1919، ودافع عنه أمام كل العالم حينما نفي خارج البلاد، مما أودى به إلى النفي أيضًا، ومن ثم بدأ معه مشواره السياسي في حزب الوفد، كسكرتيرًا للحزب، بعدما تولى رئاسة الحزب مصطفى باشا النحاس، صديق عمره، الذي نشبت بينهما العداوة من بعد المحبة.

 

إن الذي ينتصر على غيره قوي، لكن الذي ينتصر على نفسه أقوى

 

إيمانًا منه بذلك المبدأ، الذي تفوه به شعارًا، بدأ في محاربة حزب الوفد، وهو الكيان الذي ينتمي إليه، حينما رصد له العديد من التجاوزات، والخطايا، لحكومة مصطفى باشا النحاس، والذي عين بها، وزيرًا للنقل والمالية، وجمع ذلك في “الكتاب الأسود”، كاستجواب في مجلس النواب، الذي كان عضوًا به أنذاك، فتم رفضه، وفصله، ومن ثم صدر أمر باعتقاله.

 

إن البوليس آداة اتهام مأموريته كشف الجريمه بل تصل به الحده فى بعض الأحيان الى أن يكتشف الجريمة إذا لم يكشفها وأن يوجدها إذا لم يجدها

 

كان اعتقاله هو القضية الوحيدة التي لم يترافع عن نفسه بها، بينما كرس حياته كمحامي للدفاع عن المعتقلين السياسيين في عصره، وما زالت مرافعاته تدرس في كلية الحقوق حتى الآن، حتى كانت تجمع بين الدبلوماسية والصرامة والطرافة، ليقول في واحدة منها لممثل النيابة، إتلهي، وحينما يتهمه المدعي بالإهانة، فيقول: إنه كان يقصد، إتلو هي، أي إقرأ علينا تلك العريضة، ويرجع ذلك التنوع في شخصيته إلى عشقه للفنون، والموسيقى بالأخص، حتى قيل عنه أنه كان يغني حتى في أفكاره، مما جعله أقرب للجميع من بسطاء وأرستقراطيين، فكان رائد فكرة النقابات العمالية في مصر، وكان أكثر الأقباط إيمانًا بالوحدة الوطنية، خاصة، بعدما حفر في ذهنه مقولة القس سرجيوس: إذا كان الحال يدعو لتضحية المليون قبطى في سبيل حرية سائر المصريين. فإن التضحية واجبة، ذلك بعدما حاول الإنجليز استقطاب أقباط مصر من أجل إحباط ثورة 1919.

 

كان لى الحظ أن يزورنى فضيلة الشيخ حسن البنا – رحمه الله – فى منزلى ودار حديث طويل تبادلنا فيه المشاعر الشخصية والوطنية، وكنت آراه فى حديثة أبعد ما يكون عن الشكليات، مما جعلنى أعتقد أنه رجل قل مثيله بيننا فى التعمق تفكيرًا والتنزه ضميرًا

 

كان مكرم باشا عبيد، هو السياسي الوحيد الذي حضر جنازة الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والجدير بالذكر أنهما تبادلا الزيارات عدة مرات قبل وفاته، في حضور الكتلة الوفدية التي أسسها عبيد في أعقاب انفصاله عن حزب الوفد، وكان يراه إنسانًا مسالمًا ومتزنًا على عكس ما صور البعض، ولكن جماعة الإخوان المسلمين الآن اتهموه بالعلمانية، واستقبلوا ابنته بألمانيا، بالسباب والإهانة.

 

إن‏ ‏عايدة‏ ‏زوجتي‏ ‏هي‏ ‏مثال‏ ‏الوفاء‏ ‏والتضحية‏ ‏والبطولة‏ ‏الصادقة‏، ‏فهي‏ ‏كل‏ ‏عائلتي‏ ‏ودنياي‏ ‏الصغيرة‏، ‏ولكني‏ ‏أعترف‏ ‏بأني‏ ‏لم‏ ‏أشعر‏ ‏بهذا‏ ‏الإحساس‏ ‏وكل‏ ‏ما‏ ‏ينطوي‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏معان ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏اعتقالي‏ ‏الذي‏ ‏أبعدني‏ ‏عن‏ ‏دنيا‏ ‏المجتمع‏

 

صنف عبيد زوجًا مشاكسًا، لكثرة مشكلاته السياسية واعتقاله، ولم يصمد معه في تلك المشكلات سوى زوجته عايدة، والتي نعتها رفاقه بأنها الملاك التي لا ترى في نفسها ملاك، فكانت له خير معين في فترات أزماته واعتقاله ومرضه، كما اعتبر عبيد كلبه زيتون هو خله الوفي، الذي لم يتركه أيضًا أثناء تلك الفترات، وقد أفاض عليه حزنًا، حينما علم أنه اختفى ولم يتمكن اصطحابه معه بعدما غادر المعتقل. وظل متذكره حتى غادرت روحه الجسد في 5 يونيو عام 1961.

 

 


You must be logged in to post a comment Login