معهد الجنوب للأورام.. علاج بطعم الموت يغلق أبوابه في يونيو

مريضة أثناء الكشف عليها

مريضة أثناء الكشف عليها

**مريضة لـ‘‘المندرة’’: الدولة بتدفع كويس للمريض والمستشفى هي اللي بتعوقنا

 

أسيوط: رشا هاشم

صورة قاتمة جسدتها ملامح جسد نحيل ينهشه المرض يومًا تلو الآخر، يبدل لونه ويُسقِط شعره.. أناس افترشوا أسرتهم، بين معاناة الألم والأوجاع وانتظار العلاج أو الموت في أي لحظة، يرتبط مصيرهم برقم في تسلسل الأدوار بالمستشفيات الحكومية لتلقي العلاج إن كانوا فقراء، قد يحالفهم الحظ ويصلوا للدور قبل أن يصل لهم الموت، أو أن تقتل فيهم الأدوية الكيماوية الحياة قبل خروج الروح، إن كانوا قادرين على العلاج، فالسرطان لا يُفرق بين غني وفقير، لكن الفرق.. أن المأساة تكون أكبر عند الفقراء.

 

جملة ‘‘ملكُملش علاج عندنا’’، كانت الأكثر ترددًا على آذان المرضى بمعهد جنوب مصر للأورام، وفقا لما أكده عدد من المرضى لـ‘‘المندرة’’، وقالت إحداهن ‘‘الدولة بتدفع كويس والمستشفي هي اللي بتعوقنا’’، لذلك حاولنا نقل الصورة من داخل المعهد، بمناسبة اليوم الذي يحتفل فيه العالم بمكافحة السرطان، في حين أن مستشفياتنا تشجعه على البقاء في أجساد المرضى.

 

إحصائيات مركز المعلومات بمعهد جنوب مصر للأورام، أشارت إلى أن عدد المرضي الذين دخلوا معهد الأورام عام 2012، بلغ عددهم 3369، وهي أكثر من العدد الذي دخل المعهد عام 2011، وفقا للإحصائيات، وهو 3298، لكن الأهم أنه ليس كل من يدخل إلى المستشفى يتلقى العلاج كاملًا، فمنهم من يُعالَج على نفقة الدولة ويُكمل رحلة العلاج، ومنهم من تُعجّزه التكاليف عن محاولة الاستشفاء.

 

‘‘الست فوزية’’ من مدينة أسيوط، تقول ‘‘أختي عندها ورم حميد بقالها سنتين في رحلة عذاب، رايحين جايين على المعهد، وحالتها بتتأخر مش بتخف، ولما تقرب تتحسن، فترة العلاج على نفقة الدولة تكون قربت تخلص، وعقبال ما نجددها، تكون حالتها اتأخرت، لأن التجديد بياخد شهر أو أكتر من مكتب لمكتب ومن موظف للتاني’’.

 

وتستطرد ‘‘لما احتاجت أختي لنقل الدم، لولا إنه كان فيه حد من قرايبنا من نفس الفصيلة، كنا تسولنا عشان نشتريلها دم وننقذ حياتها، ورغم إن ورمها حميد، إلا إن رحلة العلاج مُرهقة خاصة مع الروتين اللي بيخلي أختي تتعب أكتر من الأول، فما بالنا باللي ورمهم خبيث’’.

 

وعلي حد قول فوزية، المستشفى تقوم بإلغاء العلاج الاستثنائي للمريض فجأة أثناء مرحلة العلاج، كما أن عُطل جهاز ‘‘المعجل الخطي’’ المتكرر، وهو الجهاز الذي يستخدم في الكشف عن الأورام السرطانية، يتسبب في تأخر الحالة، غير أن المرضى يتحملون تكاليف الأشعة المقطعية، التي تتراوح بين 250 إلى 900 جنيه.

 

حالة ‘‘صفية’’ كانت متأخرة جدًا، حيث شخصها الأطباء في البداية على أنها قولون ثم مرارة، إلى أن اكتشفت أنه ورم خبيث، وكان وقع الخبر عليها كالصاعقة، فزوجها ‘‘يعمل باليومية’’، وبالكاد يحصل على قوت يومه والطعام والشراب للأطفال، وبالكاد أيضًا استطاعت صفية أن تحصل على قرار بالعلاج على نفقة الدولة، لكنه محدد بوقت، واقتربت مدته على الانتهاء دون أن تشفى المرأة تمامًا، ليعود المرض ويتمكن منها من جديد.

 

أما حالة أحلام نادي، التي تتردد على المستشفي منذ ثلاث سنوات، فكانت ورمًا حميدًا بالثدي، وبعد استئصاله تجدد بالآخر، وتم استئصاله أيضا، لكنها الآن تشكو بظهرها، وتقول ‘‘مش قادرة أقف على رجلي’’، لأن الخلايا السرطانية تجددت بمرور الوقت، وحتى تعرف مكانها بالضبط، تتكبد أحلام ثمن الأشعة التي تصل إلى 900 جنيه في كل مرة من مرات زيارتها للمعهد.

 

وعلى الجانب الآخر، يقول أحد العاملين بالمعهد، إن إجمالي المترددين على المستشفى نحو 3000 مريض سنويا، منهم 150 طفل تقريبا، مؤكدا أن أبرز مشكلات المعهد هي تعطل جهاز المعجل الخطي منذ سنوات، فهو يعمل منذ عام 1998، وفقا للهاشمي، في حين أن عمره الافتراضي عشر سنوات فقط، أي انتهت صلاحيته في 2008، وأن الأوقات التي يتعطل فيها أكثر من أوقات عمله، وهو ما يؤخر حالة المرضى.

 

الدكتور جمال عميرة، رئيس قسم جراحة الأورام بالمعهد، وسكرتير جمعية جراحي الأورام المصرية، يوضح أن حالة المريض لن تتدهور من أسبوع إلي أسبوعين في حال توقف العلاج لحين صدور القرار بالعلاج على نفقة الدولة، وذلك في بعض الحالات مثل أورام الثدي، وأورام الغدة الدرقية بطيئة الانتشار.

 

أما الحالات الحرجة المحتاجة للجراحة، فيؤكد عميرة أنها تُستثنى من الانتظار، مثل حالات الانسداد والنزيف بالورم.

 

وصرح الدكتور محمد أبو المجد الهاشمي، رئيس مجلس جمعية أصدقاء مرضى السرطان بأسيوط، لـ‘‘المندرة’’، بأن الجمعية، التي تم إشهارها منذ أقل من سنة، ومقرها داخل معهد جنوب مصر للأورام، ليست جهة لعلاج المرضى وإنما لمساعدتهم على تحمل نفقات العلاج من تحاليل وأدوية وأشعة.

 

وأضاف أبو المجد أن ‘‘مريض السرطان لن يستطع أحد تحمل نفقات علاجه، والمعهد لن يقدر على تقديم خدمة مجانية كاملة، فهناك تحاليل ورسوم وأشعة وغيرها، فتقوم الجمعية بتيسير تلك النفقات عن طريق التبرعات’’، لافتًا إلى أن هناك زيادة في حجم المقبلين على الجمعية، حيث يبلغ عدد الحالات من 2000 إلى 2500 حالة سنويا.

 

يُذكر أن معهد جنوب مصر للأورام، ثاني أكبر معهد على مستوى الجمهورية في الأورام، ويعالج أقدم حالات المرضى من جميع أنحاء الجمهورية، وأنه سيتوقف تماما عن العمل في يونيو القادم، ويرجع ذلك إلى توقف جهاز المعجل الخطي، لأن تكلفة شراء الجهاز تقدر بـ 12 إلى 20 مليون جنيه، في حين أن المعهد يتبع وزارة التعليم العالي وليست الصحة، وميزانيته فيها محدودة.

 

You must be logged in to post a comment Login