معبد ‘‘دندرة’’ أسطورة الفراعنة المعمارية الأكثر حظًا

قنا: سعيد عطية

من ضمن مجموعة أثرية قديمة، تحوى معبد ‘‘حتحور’’، وكنيسة قبطية، وبحيرة مقدسة، وبقايا لمعبد إيزيس، وبقايا مباني رومانية، يظل معبد ‘‘دندرة’’ هو أفضلهم حالًا، حيث يعد من أفضل المعابد المحفوظة حفظا جيدا في مصر، ويُنظَم إليه عدد كبير من الفنادق بالأقصر رحلات نيلية.

 

يقع معبد دندرة على بعد 2.5 شرق مدينة قنا بقرية تحمل اسم المعبد، وكانت معروفة قديما بـ‘‘تنترة’’، وأطلق عليها اليونانيون ‘‘تنتيرس’’، وموقعها مليء بمقابر تعود إلى عصر الأسرات الأولى، حيث كانت عاصمة الإقليم السادس في مصر، وأشهر هذه المجموعة هو معبد حتحور، المحاط بسور عظيم من الطوب اللبن على مساحة 280 X 290م، بارتفاع 10 متر.

 

تاريخ المعبد يعود للعصر البطلمي، فقد بناه بطليموس الثالث، وظلت عمليات البناء متواصلة من تجديدات وغيرها حتى عصر الإمبراطور الروماني أغسطس، واستمر العمل من عام 54 إلى 20 ق .م، وبُني فوق معابد سابقه عليه، بعضها يعود تاريخه إلى الدولة القديمة، وأخرى شيدها تحتمس الثالث ورمسيس الثاني والثالث، وقد عثر على اسم بطليموس الثاني عشر في الجزء الخلفي من المعبد، وهو جزء بني في العصر البطلمي، وكان أكثر العمل في عهد كليوباترا السابعة، والتي حكمت مصر لمدة 21 عاما.

 

ويعرف معبد دندرة لدى علماء الآثار بمعبد الإلهة ‘‘حتحور’’ إلهة الحب والجمال والأمومة عند قدماء المصريين، وزوجة الإله ‘‘حورس’’ إله معبد إدفو؛ حيث تم بناء المعبد لعبادتها وقد اتخذ تمثال الإلهة حتحور شكل رأس بقرة جميلة أو تحمل قرون بقرة على الرأس.

 

واجهة المعبد، عرضها 35 مترا، وارتفاعها 12.5م، وبها 6 أعمدة ذات رؤوس حتحورية على شكل ‘‘شخشخيات موسيقية’’، وداخل المعبد، تجد دهليزا به ثمانية عشر عامودا على شكل شخشيخة، ويلاحظ تلاعب الضوء والظلال على الأعمدة في الدهليز، وعلى الجانب الأيسر من الجدار الأمامي نحتا يظهر الإمبراطور مرتديا تاج مصر الدنيا، وهو يغادر القصر لإتمام مراسم تتويجه بالمعبد، ويظهر الآلهة حورس وجحوتي، ثم تقوم عدة أرباب بتتويجه. هذه المناظر تتواصل على الجدار الأيمن من الدهليز، حيث يضع الملك خطة معبد دندرة ويكرسه لحتحور، كما توجد رسوم للإمبراطور وهو يرتدي تاج مصر العليا، ويقدم الهدايا إلى حتحور.

 

السقف مزين بمناظر فلكية، تشتمل على ربة السماء نوت وعلامات للبروج، ومن وراء الدهليز قاعة عواميد صغيرة بصفين من ثلاثة أعمدة تُسمى قاعة المناظر، وقواعد العواميد مصنوعة من الجرانيت بينما أساطينها أو منتصفها وتيجانها مصنوعة من الحجر الرملي. المناظر على الجدران، في النصف الأيمن من القاعة تُقرأ في عكس اتجاه عقارب الساعة من المدخل إلى الباب الخلفي، ومثل تلك التي في الدهليز تحكي قصة إرساء الأسس والبناء وتكريس المعبد لحتحور، أما المناظر في النصف الأيسر من القاعة، تُقرأ في اتجاه عقارب الساعة من المدخل، وتظهر الملك، وهو يقدم المعبد إلى حتحور وحورس.

 

حول قاعة العواميد تقع ستة غرف صغيرة، ومن ورائها حجرتين أماميتين تقف الواحدة منهما وراء الأخرى، إحداهما تسمى قاعة القرابين، وكانت تُغلق بباب هائل ذي ضلفتين من الخشب والمعدن، وعلى جانبي الغرفة الأمامية الأولى، سلالم تصعد بك إلى سقف المعبد، والغرفة الأمامية الثانية قاعة تسمي ‘‘التاسوع الإلهي’’، محاطة بسلسلة من الغرف الصغيرة التي كانت بها ثياب وزينة الإلهة.

 

الغرفة الأولى على اليسار، تسمى غرفة ‘‘الكتان’’، حيث يحفظ فيها القماش والكتان الذي كان يأتي من الوجه البحري، أما تلك التي على اليمين فهي ‘‘الكنز’’، وبالمشي إلى الكنز نتجه إلى فناء صغير في ظهره سلم يصعد إلى دار العبادة الطاهرة المعروفة بـ ‘‘واعبت’’، وكانت تُؤدى المراسم التي تضم حتحور والإله الشمسي في عيد ميلادها، وفى رأس السنة الجديدة، يقدم الكهنة القرابين في الفناء الصغير وهؤلاء يظهرون على جدرانها بتفاصيل رائعة.

 

المراسم كانت تتضمن مواكب آلهة من مصر العليا على اليسار ومصر الدنيا على اليمين، وفي الغرفة الأمامية الثانية تقع إحدى عشرة غرفة أخرى حول محيطها، وفي المركز يستقر الهيكل، حيث الكرسي العظيم الذي كانت تحفظ فيه مراكب حتحور وحورس و‘‘حر سوم توس’’، ابن حتحور وحورس، وإيزيس، وهذا هو الجزء الأقدس من المعبد، والمعروف بـ ‘‘قدس الأقداس’’، ولا يحق لأحد الوصول إليه سوى الملك والكاهن الأعظم، وفي أيام قليلة فقط من كل عام.

 

السلالم على الجانب الأيسر تأخذك مباشرة إلى السقف، أما تلك التي على اليمين فتأخذك بصورة حلزونية إلى أعلى، وهى نفس السلالم التي استخدمها الكهنة القدامى في عيد السنة الجديدة، وجدران السلالم مزينة بمناظر للمواكب الكهنوتية، صاعدين على السلالم حاملين تماثيل حتحور، للاحتفالات فوق السقف، أو نازلين بعد إتمام المراسم، وسقف المعبد مبنيّ على عدة مستويات، تعتمد على ارتفاع الغرفة الواقعة أسفله.

 

في السقف، فتحت مجموعة صُروف مُعدة لتوجيه مياه الأمطار إلى فتحات تصريف، وأسفل كل فتحة مباشرة عامود رأسي من النصوص السحرية ينساب عليه الماء، وتشكل مناظر رائعة لمجموعة دندرة.

 

وبالخروج من المعبد، نجد الأوجه الخارجية من جدران المعبد يظهر عليها الملك وهو يضع خطة المعبد ويضع أحجارة الأولى ويكرسه لحتحور، وعلى الجدار الخلفي تقف كليوباترا وابنها في منظرين أمام حتحور وأرباب أخرى، وخلف المعبد يوجد مبنى صغير لإيزيس، بُني من قطع أخذها الإمبراطور أغسطس من مباني سابقةً كانت في الموقع، وإلى الجوار بحيرة مقدسة بها أشجار.

 

وأمام معبد حتحور، يقع بيت ولادة روماني كبير يسار الباب الرئيسي في الجدار المحيط، وقد بُني في عهد أغسطس وزُيّن في عهد تراجان وهادريان، وكان مكرسا لـ ‘‘حر سوم توس’’، تصور المناظرُ بالداخل ميلاد حر سوم توس وتظهر صوراً للإله ‘‘بِس’’ الذي له شكل قزم ورأس أسد وله علاقة بالزواج والولادة، وبجانب بيت الولادة الروماني، نجد بقايا كنيسة قبطية ترجع إلى القرن الميلادي الخامس، ويُعتقد أنه كان هناك خمسون ألف راهب يأتون سنويا للاحتفال بعيد الفِصح هناك.

 

بين الكنيسة ومعبد حتحور يقع بيت ولادة آخر، بدأ البناء فيه في عهد ‘‘نيكتانيبو’’ الأول من الأسرة الثلاثين، وحظي بإضافات طوال العصر البطلمي، على جدرانه تصور المناظر ميلاد ‘‘حر سوم توس’’، وفي أماكن أخرى في سور معبد حتحور تقع بقايا مبانٍ رومانية أخرى من الطوب وآثار المدينة القديمة.

 

You must be logged in to post a comment Login