مشروع النيل يجمع خصوم المياه على أوتار الموسيقى

** إطلاق الألبوم الأول باسم “أسوان” بداية الشهر الجاري

 (نُشر الموضوع في 19 مارس 2013، وتم التحديث بعد صدور الألبوم الأول)

المندرة: حنان سليمان

سنوات كثيرة عاشها سكان حوض ولديهم صورة سلبية راسخة في أذهانهم عن بعضهم البعض، كنتيجة للصراع السياسي على والخلاف حول طريقة تقسيم نهر النيل فيما بينهم، وتعمقت هذه الصورة بشكل أكبر في ظل غياب أي علاقة ثقافية تربط هذه الدول وتجمعهم في أي إطار للتواصل، بالرغم من تشاركهم في ثاني أطول أنهار العالم، والذي يؤثر في حياة 400 مليون شخص، مما يحتم وجود علاقة حضارية جامعة.

 

دفع غياب هذه العلاقة الثقافية بين دول حوض النيل الإحدى عشر (جمهورية الكونغو الديمقراطية، بوروندي، رواندا، أوغندا، تنزانيا، كينيا، إثيوبيا، إريتريا، جنوب السودان، السودان وأخيرا مصر)، فنانين موسيقيين من مصر وإثيوبيا لتأسيس مشروع النيل، لجمع جيران النيل في إطار مبتكر يمكنهم من مواجهة التحديات الثقافية والبيئية بنهج موسيقى تعليمي وتنموي.

 

في أغسطس 2011، قرر مينا جرجس، مصري متخصص في علوم الموسيقى العرقية، وميكليت هاديرو، مطربة إثيوبية أمريكية، إطلاق حوار موسيقي بين الثقافات يستحضر النهر الإفريقي كرمز لنظام بيئي مشترك. يقول مينا: “نحن في حاجة إلى وعي ثقافي بجيران النيل خاصة أن مشكلة توزيع مياه النيل مستمرة منذ عدة سنوات دون أي حل سياسي، علينا أن ندرك أن الحل ثقافي بالأساس فالعلاقة الإفريقية غير واضحة بالنسبة لمصر وكأننا لسنا دولة إفريقية.. من هنا نبدأ التغيير”.

 

وفي أكتوبر 2013، صدر الألبوم الأول لمشروع النيل حاملا اسم ‘‘أسوان’’ يضم إحدى عشر أغنية بإحدى عشر لغة مختلفة تنتهي برائعة دينا الوديدي “يا جنوبي”، التي تعبر فيها عن حزنها للانفصال عن الجنوب رغم وصال النيل. ومن المقرر أن يجتمع فريق النيل في معسكرهم الجديد في أوغندا يناير القادم للإعداد للألبوم الثاني.

 

لسماع ألبوم أسوان:

 

 

لمشاهدة حفل مشروع النيل في أسوان

 

المزيكا أولا

جمع مؤسسا مشروع النيل، منتصف شهر يناير الماضي في أسوان، عشرين موسيقيا من مصر والسودان والنوبة (من كل من مصر والسودان) وجنوب السودان وإريتريا وأثيوبيا وأوغندا، جاءوا بأغانيهم الخاصة عن النيل والفقر والسلام والحب والحرب لينشروا فنهم بين جيران النيل. الأجمل أنهم سيشكلون فرقا فيما بينهم ليضعوا أغاني وموسيقى جديدة توحد حوض النيل موسيقيا وثقافيا، لتعزف “مقطوعات نيلية” بأساليب غنية وآلات متنوعة موجودة في شرق إفريقيا، وذلك في نهاية الشهر في حفلتين بأسوان والقاهرة، بينما تظل عقد السياسة تطل برأسها بين الحين والآخر.

 

لكن الأمر لم يتوقف عند الموسيقى، فأولى فعاليات مشروع النيل في أسوان ضمت أيضا ورشة عمل شارك فيها 35 مشاركا، من إحدى عشرة دولة، على مدار أربعة أيام، ليتناقشوا في موضوعات مختلفة تهم منطقة حوض النيل. تحاور المشاركون في قضايا سياحية وثقافية وتعليمية وبيئية ومائية وصحية وأخرى تتعلق بالزراعة والري والمواصلات. يؤمن مينا أن الاستدامة البيئية لن تتحقق إلا باتفاق جيران النيل، وهو ما ثبت فعليا أنه لن يتحقق سياسيا.

 

وبالرغم من عدم مشاركة صناع قرار إفريقيين في ورشة العمل، نظرا لأنهم ليسوا الجمهور المستهدف منها، فإن مشروع النيل حريص على تكوين شبكة من المستشارين له في مجالات مختلفة منها سياسية وأخرى تنموية وبيئية وموسيقية وتعليمية وفي الريادة الاجتماعية. ويتواصل مؤسسا المشروع مع مسئولين باتفاقية حوض النيل.

 

يعتمد مينا، في نموذج التغيير الذي وضعه، على الـ”مزيكا” كطريقة لحل الصراعات، ولمزيد من اذابة الجليد بين جيران النيل، أتيح للمشاركين فرصة التعبير عن أنفسهم ومشاعرهم وأفكارهم في حوار مفتوح عبر “الميكروفون المفتوح”، وهو مبادرة تعبيرية يعبر فيها الشخص بكل حرية وبدون أي قيود عن ما بداخله سواء بالحديث أو الرقص أو أي تعبيرات انسانية أخرى.

 

ريادة ثقافية

يعتبر مينا أن مشروع النيل أقرب لمفهوم الريادة الثقافية، وهو يحمل رؤية أكبر من كونه مجرد مشروع موسيقي، إذ أن هدفه هو تغيير موقف بعض الناس أي مفهومهم الافتراضي الذي يمثل درجة إعجابهم أو كرههم لشئ معين والذي قد يترجم في السلوك لاحقا، هو شكل جديد من أشكال ريادة الأعمال؛ ريادة ثقافية لا ترتبط بمنتج أو خدمة بل بالمنظور الذي يرى الناس بعضهم بعضا من خلاله، وكيف يتصرفون نتيجة ذلك، وكيف يرون سبل تغيير واقعهم.

 

يقول مينا: “نريد إلهام سكان حوض النيل وإشراكهم في مبادرات متنوعة على مدار خمس سنوات، دون أن تكون لدولة ما الكلمة العليا، فليس الهدف أن تنظم مصر هذا المشروع لتكسب به إفريقيا، لأن الانطباع السائد أن مصر دائما تحب الدور القيادي وأن تملي على الآخرين ما يجب عليهم فعله”.

 

بالنسبة لمينا، استمرارية المشروع ليست شرطا لنجاحه الذي يعتمد على تغيير المفاهيم وليس حتما تغيير السلوك، وبالتالي يكون من الصعب القياس الكمي لحجم تأثير المشروع.

 

ولد المشروع لدى مينا بعد حضوره حفلة موسيقية إثيوبية في سان فرانسيسكو، استنكر وقتها أن يسمع في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبعد مئات الآلاف من الأميال، موسيقى إثيوبية لم يسمعها في بلده مصر رغم القرب الجغرافي. ويرى الموسيقي المصري الشاب أن الموسيقى الجيدة تؤثر ايجابا على السياحة، ضاربا مثالا بالسالسا الكوبية، وأنه يمكن لدول حوض النيل تعظيم الاستفادة من دول الجوار الإفريقي في تنشيط السياحة لديها.

 

وحسب الخطة الخمسية الموضوعة، فإن المشروع ينظم العام القادم جولة نيلية باستخدام قارب مصنوع من زجاجات المياه المعاد تدويرها تبدأ من البحر المتوسط إلى أسوان في 35 يوما، وتتضمن حفلات موسيقية وعدد من ورش العمل يتم تنظيمها في محطات مختلفة للتعرف على النسيج البيئي والثقافي لنهر النيل. يصاحب ذلك أيضا إطلاق منصة حوار على الانترنت لتبادل الأفكار والقصص النيلية من خلال المحادثات الحية وكذلك التسجيلات القصيرة.

 

ومن ضمن البرامج المخططة، تنظيم مهرجان النيل في صيف 2016 للمشاركة ولأول مرة في المهرجان الذي يقيمه مركز سميسونيان للحياة الشعبية والتراث الثقافي Smithsonian Center for Folk Life and Cultural Heritage في العاصمة الأمريكية. يطمح مينا أيضا في وضع منهج تعليمي متعدد التخصصات عن النيل ليشمل أجزاء متعلقة بالثقافة والتاريخ والجغرافيا وغيرها للإسهام في تنشئة الأطفال ليشعروا بالتعاطف ومعرفة الغير Empathy منذ سن صغيرة، كما يلهموهم بأفكار يمكن تحويلها لمشروعات اجتماعية صغيرة.

 

أما عن مصادر تمويل هذا المشروع غير الربحي، فيوضح مينا أن الشغل الشاغل لمشروع النيل هو الإبقاء على رسالته، قائلا إن تنوع المجالات التي يرتبط بها المشروع بين تعليم وبيئة وتنمية وسياحة وغيرها يجعله جاذبا للعديد من الجهات المانحة باعتباره “الوصلة المفقودة” بين الثقافة والتنمية اذ غالبا ما تفتقد المشروعات التنموية البعد الثقافي.

 

 

You must be logged in to post a comment Login