“مرة واحد صعيدي”.. نكات الصعايدة بين الفكاهة والعنصرية

مرة واحد صعيدي

مرة واحد صعيدي

مواطن من الفيوم: السينما هي سبب ربط النكتة بالصعيدي

مواطنة من قنا: لا أجد مشكلة في نكت الصعايدة “كل مصر عارفة إننا أذكى ناس”

 

الفيوم: ولاء كيلاني

 

“سمعت آخر نكتة، مرة واحد صعيدي”، وغيرها من الجمل التي تستخدم كبداية لإلقاء نكات تتعلق بالمجتمع والمواطن الصعيدي، فالمصريون دونوا أول نكتة في التاريخ فهي سلاحهم الأهم لمواجهة الظلم أو العنف والتطرف، وتتطور يوميا بأشكال وطرق ونكهات مختلفة، ولكن تبقى النكات الخاصة بالمجتمع الصعيدي هي الأكثر انتشارا وإثارة للجدل، فالبعض يراها فكاهة ومرح والآخر يصفها بالجهل والعنصرية.

 

واحد صعيدي

ويقول محمد محمود، من الفيوم، أستاذ تاريخ وحاصل على ماجستير في التاريخ، إنه خصص جزءً كبيرا من رسالته عن السخرية وعلاقتها بالمصريين، وإنه وجد آلاف القصص والمواقف في التاريخ المصري عن هذا الموضوع، وإن النكتة كانت من مظاهر البذخ عند الحكام والتجار في العصور الماضية عن طريق الإتيان بأشخاص في مجلسهم يهرجون ويضحكون بتصرفاتهم وأحاديثهم، ثم تطور الأمر على مر العصور وأصبح معظم أبناء المناطق المتوسطة والفقيرة هم من يطلقون النكات فأصبح أغلبها سياسية ومرتبطة بالواقع الحالي.

 

وأكد أستاذ التاريخ أن حالة “اللامبالاة” هي التي تجعل البعض يلجأ إلى ملئ منطقة السعادة المفقودة في حالة الضحك التي تأخذ صورة السخرية من ظالميه وأعدائه فيسخر منهم ويُضحك الآخرين عليهم منتقما منهم بلسانه بعد أن عجز عن الثأر منهم بيده، وأن سلاحه في هذا الوقت يكون النكتة، حسب وصفه.

 

ويأسف محمود لعدم عناية الأدباء بتدوين النكات وترفعهم عن ذلك استصغارا لشأنها، فيقول: “أعتقد أن تاريخ الفكاهة هو تاريخ الأدب لأنها وجدت معه من بداية نشأته وترقيه أو انحطاطه، مفيش إلا قليل جدا من الأدباء اللي سجلوا النكات والتعبيرات الساخرة للمصريين وده غريب لإن المعروف إن مستوى الذوق في أي أمة بيتعرف من خلال دراسة الفنون والأزياء والنكات”.

 

وعن ارتباط النكتة بالصعايدة، يشرح الأستاذ بالتاريخ، أن لصق النكت ببعض المناطق ليس له أصلا تاريخيا، وأن البداية يمكن أن تكون مع السينما المصرية وسخريتها من الصعايدة خاصة في محافظات الصعيد، فعلى الرغم من وجود أعمال عرضت الشخصية بصدق وواقعية إلا أن الغالبية تناولت الشخصية الصعيدية بشكل كوميدي سواء من خلال إبراز ملابسه و”العمة” التي يرتديها بطريقة ساخرة، أو من خلال طريقة الكلام أو التعامل معه كشخصية ساذجة يسهل لأهل المدينة خداعها، حسب تأكيده.

 

وعن سمات الشخصية الصعيدية في السينما المصرية، يقول الحاصل على ماجستير في التاريخ، إن السذاجة لم تكن وحدها عنوان الصعيدي في السينما، وإن هناك أعمال أخرى أظهرته كشخص منحرف أحيانا وتاجر مخدرات ومقاوم للسلطات في أحيان أخرى بشكل يراه الكثير من النقاد مخالفا للحقيقية، ويتابع: “معرفش ايه سر إصرارهم على تقديم شخصية الصعيدي بالصورة دي من سنين. النكت ارتبطت بالأشخاص العفويين اللي على طبيعتهم ودي هي صفات أبناء الصعيد”.

 

وتقول شيماء أحمد، معلمة تاريخ، إنها درست التاريخ الشعبي المصري، وركزت من خلال دراستها العليا على الأدب الشعبي المصري وما يتضمنه من النكات والسخرية لما رأته من تأثيرهم الواضح في حياة المصريين. وتشير إلى إنها من خلال دراستها وجدت أن استمرار المصريين في إلقاء العديد من النكات على الصعايدة يرجع لكثرة تكرارهم لأخطاء بسيطة والإقبال على الخطأ بمنتهى الثقة كما صورتها السينما.

 

ولم تسلم شخصية الرجل الصعيدي في السينما المصرية على مدار تاريخها من السخرية والتلاعب بملامحها بداية عندما جسدها إسماعيل ياسين في فيلم العتبة الخضراء حيث أقبل على شراء خط المترو وقسم العتبة، وبعدها محمد هنيدي في صعيدي في الجامعة الأمريكية. وأهل الصعيد أنفسهم ربما لم يعرفوا معنى “مطاريد الجبل” إلا بعد انتشار هذه المعلومة في الأفلام. وجعلت أفلام أخرى الصعيد رمزا للمجهول والعنف والمخدرات وكان آخرها فيلم الجزيرة لأحمد السقا ومحمود ياسين.

 

وتضيف شيماء أن اللهجة الصعيدية تجعل بعض الناس يضحكون من شدة فكاهتها إن استخدمت للفكاهة، واذا استخدمت للتعبير البلاغي فلن تعجز عن توصيل الأحاسيس والعلوم والمعارف، وإذا استخدمت في العنف والشدة ستكون معبرة وصحيحة من الناحية اللغوية حالها حال كل اللهجات العربية التي لم يدخل عليها أية مصطلحات أجنبية، حسب تأكيدها.

 

ويقول شريف، مهندس كمبيوتر، من سوهاج ويعيش في الفيوم: “أنا شايف ان الناس بتقول نكت على الصعايدة بسبب الصفات اللي بينسبوها لهم وبتكون مادة مناسبة للسخرية مع إني بشوفها العكس، يعني كون كلمته واحدة ومش ممكن يرجع فيها دي أكيد ميزة مش عيب، ده غير كتير من مفكرين مصر وقادتها من الصعيد زي طه حسين، العقاد، ويوسف وهبي. ولازم كتاب الأفلام الصعيدية يكونوا من الصعيد عشان يقدموا الشخصية في شكل مناسب ومقنع للمشاهد”.

 

ويقول حسام محمد، 22 سنة، إنه جرب في إحدى المرات كتابة كلمة “الصعيدي” على محرك البحث “جوجل” فوجد أغلب مواد البحث نكاتا عليهم، وإنه عندما قرأ بعضها وجدها كلها تختصر في شي واحد هو الغباء، فهو يرى هذه النكات نوعا من العنصرية، ويضيف: “وآخر نكت قرأتها هي: فيه صعيدي نط من فوق سور المدرسة ليه؟ عشان عايز يدرس بره، وواحد بلديتنا حب يعمل إرهابي خطف ابنه محدش سأل عليه راح قتله، والناس في القاهرة لو لقيت اتنين قاعدين مع بعض وواحد منهم مش فاهم حاجة التاني هيقوله: أنت صعيدي ولا ايه، وست المتجوزة تلاقيها بتقول لصاحبتها “لا أصل جوزي صعيدي” كدليل على إنه معقد ومعندوش تفاهم”.

 

ويؤكد محمد، أن الصعيد تعتبر موطن للثقافات المتعددة وتحمل بين طياتها العديد من الفلسفات والثقافات، وأنها وسيلة خصبة وموطن هام لخروج العلوم والآداب، وأن أبناء الصعيد أنفسهم يستطيعون إطلاق النكات بدلا من أن تطلق عليهم، حسب وصفه.

 

وتقول مروة، 40 عاما، محامية، إن الشعب المصري يطلق النكات بنكهات كثيرة منها على أهل بورسعيد مثل كلمة “أبو العربي” وتدل على الكذب والتهويل، وكذلك أهل المنوفية لاشتهارهم بالبخل، وإن كل النكات تركز على صفات معينة داخل أهل المحافظة وتقوم بتهويلها ونسج الحكايات عنها.

 

“غوبار باشا”

والصحافة المصرية كان للفكاهة موضع خاص بها حيث ظهرت مجلة “أبو نظارة”، التي أصدرها يعقوب صنوع سنة 1878، وكانت أول مجلة هزلية كاريكاتورية في الشرق، ومجلة “التنكيت والتبكيت”، التي أصدرها عبد الله النديم وكانت تهاجم المستعمرين والفاسدين بسخرية وتهكم، وكانت المقالات المنشورة حافلة بالسخرية والنقد الكاريكاتيري. وابتكر “أبو نظارة” في مجلته شخصية “شيخ البلد” وكان يرمز بها إلى الخديوي إسماعيل، وشخصية “أبو الغلب” التي ترمز للفلاح المصري، كما أطلق على رياض باشا إسم “الوزير المشخلع”، وعلى نوبار باشا إسم “غوبار باشا”.

 

وفي مطلع القرن 20، أصبح أغلب الصحف العادية يزخر بالمقالات الساخرة والأزجال الفاكهية والشعر “الحلمنتيشي”، ومن تلك المجلات: “اللطائف المصورة، سركيس، كل شيء، روز اليوسف، وآخر ساعة”، وأدى هذا الازدهار في الصحافة الفكاهية إلى ظهور كوكبة من عمالقة الكتاب الساخرين منهم فكرى أباظة، المازني، بيرم التونسي، كامل الشناوي، أحمد رجب، أنيس منصور وغيرهم”.

 

والنكتة في تعريفها الأصلي هي عمل درامي مستقل بذاته، له تركيبة أدبية مضغوطة ومكثفة، وهي إفراز ساخر لأزمات الدول والثقافات. ومرت النكتة بتدرج منذ إن كانت مظهرا من مظاهر البذخ وتقال في بلاط الحكام والعظماء في عصور ماضية، إلى أن أصبحت متنفسا لأشخاص يعيشون في ظروف اقتصادية وسياسية سيئة، وفي العصر الحديث يتبادل الشباب النكت بشكل كبير في حياتهم حيث أصبحت هي الشيء الوحيد الذي يرسم الابتسامة في بعض البلدان التي تعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية.

 

ويشير العلم إلى أن الضحك له مميزات من الناحية الطبية فهو يفيد الجسم والعقل، يحقق السعادة والسلام النفسي، يقلل من الضغوط، يحد من ارتفاع ضغط الدم، ويقوي جهاز المناعة ووسائل الدفاع الطبيعية الموجودة في الجسم.

 

فن الفكاهة

وبرع المصريون في فن الفكاهة براعة شديدة منذ العصر الفرعوني وحتى الآن لتمتعهم بالذكاء وسرعة البديهة، واتخذوا من الفكاهة والسخرية والنكت اللاذعة منفذا للتخلص من همومهم. وقديما قال الجاحظ: “اذا أردت أن تقتل خصمك فاجعله أضحوكة لك وللآخرين”.

 

وابن خلدون، رائد علم الاجتماع، قال: “أهل مصر كأنهم فرغوا من الحساب”، أي لا يبالون بالعواقب وهو ما سجله أيضا المؤرخ المقريزي عندما قال إن عدم الإمعان في حساب العواقب يتبعه الفرح والمرح”، وهو ما يفعله المصريون بامتياز.

 

ولم يقتصر الوجود البارز للنكات على التاريخ الفرعوني، بل امتد إلى الوقت الحالي، فعقب وصول المتظاهرين إلى ميدان التحرير مساء 28 يناير2011 فيما يعرف بـ “جمعة الغضب” أثناء ثورة 25 يناير، ارتفعت في الميدان في اليوم التالي لافتات ساخرة كتب عليها “لو كان عفريت كان انصرف”، و”تنبيه.. ممنوع حرق مبارك في مصر.. أحسن يطلع عفريته”، و”مبارك يريد تغيير الشعب”.

 

وبعد انتخابات مجلس الشعب التي حقق فيها الإخوان تقدما على القوى السياسية الأخرى، اقترح ساخرون على مواقع التواصل الاجتماعي تغيير أسماء أفلام مصرية، منها تغيير فيلم “سلام يا صاحبي” إلى “سلام يا صاحبي ورحمة الله وبركاته”، و”ليلة القبض على فاطمة” إلى “ليلة القبض على الأخت فاطمة”، وفيلم “الباحثات عن الحرية” إلى “الباحثات عن الحرية والعدالة”، في إشارة إلى الحزب الذي أسسته جماعة الأخوان.

You must be logged in to post a comment Login