مدارس مصر تعلم الأمية

 

طلاب

طلاب

 

المصدر: إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)

حاملاً حقيبة مليئة بالكتب والكراسات، يذهب محمود عبد العاطي إلى مدرسته يومياً لينضم إلى زملائه في طابور الصباح، يصيح معهم بتحية العلم في مشهد يكرره تلاميذ الصف الثالث الإعدادي صباح كل يوم دراسي لثماني سنوات مضت.

 

على الرغم من عدم رسوب محمود طوال مشواره التعليمي، إلا أنه لا يجيد القراءة والكتابة وهو على أبواب المرحلة الثانوية، حاله حال الآلاف من زملائه في الصف الثالث الإعدادي بمحافظة الفيوم.

 

وبعد ستة أشهر من التقصي والعمل الميداني على عينة من طلبة المدارس، تبين خلالها أن واحداً من كل ستة طلاب بالمرحلة الإعدادية لا يجيدون القراءة والكتابة، وهو ما انطبق أيضا على طلاب المرحلة الابتدائية، وهو ما يتماشى مع تقرير «التنافسية العالمية» الصادر في سبتمبر 2013. تراجع ترتيب مصر إلى الـ 148، على عكس تقييم الحكومات المتعاقبة.

 

وكشف التقصي الميداني عن إعلان وزارة التربية والتعليم نجاح التلاميذ تلقائياً بصرف النظر عن قياس تحصيلهم العلمي أو اجتيازهم للامتحانات المقررة.

 

يفاقم ذلك شح ميزانية الوزارة وإنفاق غالبيتها على معاشات المعلمين “على خط الفقر”، فضلاً عن ضعف إعداد وتأهيل معلميها، واكتظاظ الصفوف الدراسية وضعف المناهج والرقابة عليها، ما ينتج عنه طلبة أميون، حسبما تم توثيقه ومعاينته من خلال هذا التحقيق.

 

عبد العزيز إبراهيم موجه عام اللغة العربية في إدارة طامية التعليمية، يرى أن “من لا يقرأ ولا يكتب لا يستطيع التواصل مع معلمه أو يفهم شرحه للدرس”.

 

على مقعد مكسور يجلس عبد المعطى بين زميلين داخل فصله الدراسي الذي يضم 51 تلميذاً، بدا عليه التهرب من طلب المعلم له بالوقوف على السبورة لكتابة الهتاف الذي يردّده منذ ثماني سنوات “تحيا جمهورية مصر العربية”.

 

ظل عبد العزيز واقفاً والطبشورة بيده لأكثر من سبع دقائق، أخذ يرسم خطوطاً متعرجة غير مفهومة ولم يتمكن من كتابة أية أحرف من النشيد، الأمر تكرر مع تلميذ آخر، إذ فشل هذا التلميذ في الكتابة حتى حين حاول قراءتها من لوحة كبيرة وضعها المعلم أمامه.

 

محمود ينتمي إلى أسرة من ثمانية أفراد يتقاضى معيلها 1400 جنيها شهريا من وظيفته في مصلحة حكومية، هي مصدر رزقه الوحيد، والده يؤمن بأن تعليم نجله “صنعة” خلال سنوات دراسته أمر له جدوى مادية أفضل له من التفرغ للدراسة. فيما اشتكى الوالد من زيادة عبء أسرتهمنذ حصول نجله الأكبر على بكالوريوس خدمة اجتماعية عام 2011، جلس بعدها نجله بالمنزل بسبب أنه لم يتعلم صنعة في صغره تؤهله للعمل حال الفشل في الحصول على وظيفة بالمؤهل الحاصل عليه. يشاطره الرأي عادل رمضان عبد الحميد رئيس مجلس أمناء مدرسة فرقص للتعليم الأساسي، إذ يرى أن ولى الأمر لم يعد يهتم بتعليم أولاده لعدم جدوى التعليم اقتصادياً على الأسرة التي تزداد أعباؤها بنيل أبنائهم مؤهلات لا تتواءم مع سوق العمل، وهذا يؤثر سلباً على اهتمام سائر الأبناء في مراحل التعليم المختلفة.

 

19% لا يُجيدون القراءة والكتابة

وأظهرت دراسة ميدانية أجراها معد التحقيق على 17 مدرسة منها تسع بالمرحلة الابتدائية وثماني في المرحلة الإعدادية في الفيوم كنموذج لبقية مدارس الجمهورية أن 19 % من تلاميذ المرحلة الابتدائية يعانون الأمية الأبجدية أي عدم القدرة على القراءة والكتابة، ولا يجيدها 49 % منهم و12 % لديهم القدرة لكن بشكل غير صحيح بالكامل. كما يعانى 17 % من تلاميذ المرحلة الإعدادية من أمية أبجدية ولا يجيدها 51 % منهم، فيما 9 % من العينة قادرون على القراءة والكتابة، لكن دون إجادة تامة.

 

داخل أحد فصول الصف الثالث الابتدائي بإحدى هذه المدارس طلبنا من ثلاثة تلاميذ كتابة الهتاف “تحيا جمهورية مصر العربية”، ظل ينظر كل منهم للآخر أمام السبورة ليرى كيف تكتب، حتى يرسم حروفها فلم يتمكن أحدهم من كتابة الحرف الأول منها، ورسموها خطوطاً ومنحنيات غير مفهومة، الأمر تكرر مع خمسة تلاميذ بنفس الصف في مدرسة أخرى فشلوا أيضاً. وفى الصف الخامس الابتدائي بمدرسة أخرى لم يتمكنأربعة تلاميذ من كتابة ذات الهتاف، فوضعوها نقاطاً غير متساوية على السبورة.

 

وفى مدرسة أخرى، عجز تسعة تلاميذ بالصف الرابع الابتدائي عن كتابة أحد حروفها، وظلّت أيديهم ترسم خطوطا على “السبورة”.

 

ورغم توثيق هذه المشاهد بالصوت والصورة قال وكيل وزارة التربية والتعليم في الفيوم محمود أبو الغيط “أتحدّى وجود تلميذ بصفوف الابتدائي، لا يجيد القراءة والكتابة”. ويقول: “زرت مدارس كثيرة واختبرت تلاميذ بالصف الأول الابتدائي كتبوا عبارة أنا تلميذ بالصف الأول الابتدائي”، وأضاف أي تلميذ قادر على كتابة أي عبارة ويجيد كتابة وقراءة الهتاف “تحيا جمهورية مصر العربية” بتشكيل حروفها.

 

يؤكد الدكتور محمود أبو النصر وزير التربية والتعليم أن مشروع القرائية الذي طبقته الوزارة قبل ثلاث سنوات في المرحلة الابتدائية، بهدف تحسين مهارات القراءة والكتابة لتلاميذ الصفوف الأولى قد حقق أهدافه. ويقول: “إن عدد التلاميذ بالصفوف الأول والثاني والثالث الابتدائي البالغ عدد هم 4،2 مليون على مستوى الجمهورية الذين استفادوا من هذا المشروع يقرأون ويكتبون»، وعند مواجهة معد التحقيق له بما وثقه حول عدم قدرة بعض التلاميذ بتلك الصفوف على القراءة والكتابة، غَضِب الوزير وأنهى الحديث.

 

الإنفاق “متدنٍ للغاية”

ويؤكد الدكتور أحمد جمال الدين وزير التربية والتعليم الأسبق أن الإنفاق على التعليم متدن للغاية، وبالتالي، يضيف د. جمال الدين: “لا نبنى عدداً كافياً من المدارس لاستيعاب التلاميذ، فترتفع الكثافات داخل الفصول الدراسية من 50 إلى 70 طالبا، وتصل في محافظات مثل الجيزة إلى 140 تلميذا فى الفصل الواحد، فلا يستطيع المعلم متابعة كل هؤلاء التلاميذ”.

 

وتتراوح كثافة الفصول في المرحلتين الابتدائية والإعدادية بين 40 و60 تلميذا، وفق الإحصائيات الرسمية لمديرية التربية والتعليم في الفيوم، بما يزيد عن المتوسط الذي اعتبرته الوزارة معياراً في الوقت الحالي من 5 إلى 10 تلاميذ في الفصل الواحد، بينما يبلغ متوسط كثافة الفصل في المدارس الخاصة الابتدائية بالفيوم 23 للإعدادي و29 للابتدائي، وفق كتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية.

 

ويتساءل مدرس لغة عربية للصف السادس كيف لمعلم أن يسيطر على هذا العدد من التلاميذ داخل الفصل؟ ويؤكد أن زمن الحصة المقرر بـ 45 دقيقة لا يمهله للتواصل معهم. وحتى يحقق ذلك يعطى كل تلميذ أقل من دقيقة بثوان لا تكفى لسؤاله عن فهمه للدرس ولا يتبقّى شيء للشرح.

 

ويرجع أبو الغيط وكيل وزارة التربية والتعليم بالفيوم ارتفاع كثافة التلاميذ في الفصول الدراسية إلى ارتفاع الكثافة السكانية مع قلة الموارد المالية، فلا يتم إنشاء عدد كاف من المدارس بينما تلتزم الوزارة بقبول كل طفل يبلغ السادسة في الصف الأول، ولفت أبو الغيط إلى أن رفع موازنة التعليمفي الدستور الجديد إلى 4 % من إجمالي الناتج المحلى سيسهم في حل هذه المشكلة، فيما تبلغ ميزانية التربية والتعليم 62.7 مليار جنيه، 9 مليارات دولار، للعام الحالي 2013/ 2014 وفق أرقام الموازنة العامة للدولة.

 

يرى الدكتور كمال مغيث الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية أن زيادة ميزانية التعليم لا تفي ببناء عدد من المدارس يستوعب الزيادة السكانية كل عام، مؤكداً أن التعليم قبل الجامعي يحتاج إلى بناء 1000 مدرسة سنوياً بتكلفة تقترب من 5،5 مليار جنيه، وذلك لمدة عشر سنوات قادمة للوصول لحد الأمان من حيث كثافة الفصول.

 

ويؤكد أن المخصص المالي المرصود لتدريب المعلمين البالغ 10 ملايين جنيه سنوياً لا يكفى لتطوير المعلم، وتأهيله حتى نصل به للمستوى المطلوب مهنياً.

 

مصدر في وزارة التعليم أكد أن أجور المعلمين ورواتبهم ستلتهم الزيادة الجديدة في موازنة العام الدراسي 2014 /2015، إذ إنها ترتفع سنويا بنسبة 10 % وتستحوذ على 85 % من الميزانية. وهكذا فإن الزيادة المرتقبة طبقا لنص الدستور تقدر بحوالي 13 مليار جنيها، مليار و857 مليون دولار، هي ذات القيمة التي زيدت العام الحالي عن سابقه وبلغت 12.6 مليار جنيها.

 

ويبلغ عدد المعلمين في مدارس الفيوم 18215 منهم 11739 بالمرحلة الابتدائية يعملون في 542 مدرسة تضم 7740 فصلا دراسيا ينتظم فيهم 338071 تلميذ وتلميذة. وهناك 6476 معلما في الإعدادية يعملون في 286 مدرسة تضم 3336 فصلاً دراسيا، يدرس بها 144918 تلميذا وتلميذة. وتتراوح رواتب المعلمين بين 650 و3400 جنيه، ويضطر المعلم إلى ممارسة أعمال إضافية، ما يؤثر على أدائه داخل الفصل.

 

وهو ما أقر به إسلام عبدا لجبار مدرس رياضيات ابتدائي، إذ يقول إنه يرهق من عمله الإضافي على سيارة بالأجر، ما يؤثر على أدائه داخل الفصل الدراسي، ويطبق على نفسه المثل القائل “إيه إللي رماك على المر قالوا إللي أمر منه”. يدور يوم عبدا لجبار كالساقية بين عمله الحكومي والإضافي يختطف منه ست ساعات بدل أن يريح جسده من عناء البحث عن لقمة العيش لأفراد أسرته المؤلفة من تسعة أفراد.

 

يصل راتب هذا المدرس إلى 1890 جنيها، وهو يقع تحت خط الفقر بفارق 414 جنيها، وفق تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

 

في مقهى يعمل محروس محمد حسين مدرس فصل ابتدائي، على البوفيه صانع مشروبات بعد انتهاء يومه الدراسي، ويواصل عمله الإضافي الممتد حتى الثانية منتصف الليل، ويختطف ست ساعات للنوم حتى يتمكن من الوقوف بين تلاميذه فى طابور الصباح. راتب حسين لا يتجاوز 1620 جنيها لا تفي باحتياجات أسرته المكونة من ستة أفراد.

 

عشوائية التخطيط وحشو المناهج

جمعة رمضان مدرس ابتدائي اضطر للعمل الإضافي في مجال الخرسانات المسلحة بسبب عدم كفاية راتبه “1400 جنيها”على توفير احتياجات أسرته المكونة من خمسة أفراد.

 

معلمون آخرون يعملون في السمسرة، المواشي والأراضي والعقارات ومن يقود سيارة أو توك توك دفعتهم أجورهم الهزيلة إلى امتهان أعمال إضافية لا تليق بمكانة المعلم الذي أصبح بين أمرين في غاية الخطورة: أن تكون له المهابة وبين ما يحدث له من مهانة بحسب الدكتور محمد سكران أستاذ أصول التربية في جامعة الفيوم.

 

يبلغ عدد المعلمين الحاصلين على مؤهلات عليا في المرحلة الابتدائية بالفيوم 4448 بينما يبلغ عدد الحاصلين على مؤهلات متوسطة وفوق متوسطة 6722، وفى المرحلة الإعدادية يبلغ عدد الحاصلين على مؤهلات عليا 6010 بينما يبلغ عدد الحاصلين على مؤهلات متوسطة وفوق متوسطة 311، وفق سجلات وزارة التربية والتعليم.

 

نظرياً، تتوافق مؤهلاتهم مع شروط تشغيل المعلمين والقانون، إلا أن برامج التأهيل غير كافية وقاصرة، بحسب عميد كلية التربية جامعة الفيوم الأسبق د. يوسف سيد.

 

ويرى سيد، أستاذ ورئيس قسم أصول التربية، أن إعداد الطالب بكليات التربية لا يتم بالصورة المطلوبة، مرجعاً ذلك إلى أن معظم أعضاء هيئة التدريس الذين يدرسون العلوم التخصصية “لا يلتفتون إلى أنهم يشاركون

في إعداد معلم ويأتي طرحهم للمقررات وكأنهم يعدون أخصائي في الفيزياء أو الكيمياء أو ما شابه ذلك”، فيما تساءل كيف يتأتى لكلية أن تُعد معلما من خلال قبول هذه الأعداد الضخمة؟.

 

بينما أكد سيد، أن عدد المسجلين في الكلية هذا العام من حملة المؤهلات غير التربوية، مثل خريجي كليات الآداب من العاملين في التربية والتعليم وغيرهم ممن يرغبون في الحصول على دبلوم التأهيل التربوي للعمل في مهنة التدريس، تجاوز 4000 طالب وطالبة في حين أن الطاقة الاستيعابية لا تقبل أكثر من 500 طالب حتى يتاح لهم التدرب باحتراف. يضاف إلى هذا العدد قرابة 3000 طالب وطالبة يدرسون في صفوف الكلية. وهكذا لا يتيح للطالب التدرب في معامل التدريس المصغر بدرجة تجعله يُجيد فنيات التعليم. ولا يتاح له التدرب أيضا في معامل علم النفس لاسيما القياس النفسي وتقويم شخصية الطلاب في المدارس.

 

وكشف بحث علمي أعده الدكتور عبد الرحمن كامل، أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية في كلية التربية، جامعة الفيوم في 2006 أن إعداد معلمين متخصصين في اللغة العربية يغلب عليه الطابع الشكلي، وسط شعور خريجي تلك المؤسسات بالفجوة بين إعدادهم الأكاديمي الهش وما يواجهونه في حياتهم العملية من مواقف.

 

وتبلغ ميزانية تدريب المعلمين خلال العام الدراسي الحالي 10 ملايين جنيه للإنفاق على تدريب 350 ألف معلم ومعلمة، بحسب مصدر مسئول داخل الأكاديمية.

 

ويشير المصدر إلى أن 150 ألفاً منهم تلقوا تدريباً منذ بداية العام الدراسي من 14 سبتمبر وحتى 9 يناير الماضي على أن يتم تدريب سائر المستهدفين البالغ عددهم 200 ألف معلم ومعلمة خلال الفصل الدراسي الثاني من العام الحالي.

 

في استبيان سأل من خلاله معد التحقيق معلمين حول مدى نجاح الدورات التدريبية في تحقيق أهدافها، أجاب 35 من 130 معلما استطلعت آراؤهم أنها “تساعد” فيما رأى 57 معلما بنسبة أقل من 25 %، فيما رأى 38 أنها تساعدهم بنسبة أقل من 50 %.

 

ورغم أهمية الدورات التدريبية في الجانب التطبيقي للمعلم، حسب تأكيد الدكتور محمد سكران فإنها لا تتم بالصورة المطلوبة التي تحقق الهدف منها في تطوير المعلم مهنيا.

 

ويؤكد معلمون أن محتواها مجرد محاضرة شكلية يشارك فيها مئات المعلمين تبدأ وتنتهي دون إفادة مرجوة منها.

 

محمد عبد الباقي حجازي مدير مرحلة بالتعليم الابتدائي أكد أن الرقابة على العملية التعليمية شبه منعدمة وتسير بنظام “تستيف الأوراق وكله تمام”.

 

وتظهر مقاطع صوت وصورة تمكن معد التحقيق من رصدها داخل لجان امتحانات الشهادة الإعدادية النهائية وجود خلل في الرقابة، أدّى غيابها إلى انتشار الغش بين التلاميذ بطريقة جمعية، بل ذهب المراقب إلى حل الأسئلة للتلاميذ سامحا لهم بنقل الإجابات فيما بينهم.

 

كما تظهر مقاطع أخرى داخل لجان تصحيح أوراق إجابات تلاميذ الشهادة الإعدادية ثبات قلم المصحح على درجة معينة دون النظر إلى الإجابة، إذ يقوم بتقدير الدرجة في مدة لا تتجاوز ثلاث ثوان لكل سؤال بما لا يمهله للنظر إلى الإجابة.

 

حالات الغش الجماعي..

ورغم رصد حالات غش وتجاوزات في التصحيح، ينفى أبو الغيط وجود غش بين التلاميذ. ويقول: “يتم تشكيل غرفة عمليات لمتابعة سير الامتحانات ولم تتلق أي شكوى بوجود غش جماعي، كما أن لجان المتابعة المنوط بها مراقبة لجان الامتحانات لم ترصد أية حالة غش على مستوى مدارس المحافظة”.

 

الخطط تتغير بتغير الوزراء، فلا توجد خطة ثابتة تسير عليها وزارة التربية والتعليم، بل ترجع لهوى الوزير، حسبما يرى الدكتور محمد سكران. ويقول لكل وزير قرارات تسير عليها الوزارة خلال فترة توليه مهامها، مؤكدا أن عدم وجود إستراتيجية يسير عليها الوزراء المتعاقبون يربك العملية التعليمية. يدلل على ذلك قرار إلغاء الصف السادس عام 1988 في عهد د. أحمد فتحي سرور وجعل سنوات الدراسة في المرحلة الابتدائية خمس بدلا من ست، ثم قرار عودتها عام 1999.

 

حقيبة التعليم أُسندت إلى تسعة وزراء في سبع حكومات منذ عام 2000، بمعدل وزير كل سنة ونصف. كان وقتها الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزيراً للتربية والتعليم تلاه د. أحمد جمال الدين ثم د. يسرى الجمل. جاء بعده د. أحمد ذكى، ثم أُسندت إلى د. هاني هلال قبل أن تؤول إلى د. أحمد جمال الدين ومنه إلى جمال العربي، ثم إبراهيم غنيم وأخيراً د. محمود أبو النصر.

 

يقول د. أحمد جمال الدين وزير التربية والتعليم الأسبق إن الوزارة تسير على خطة خمسية مع خطة الحكومة، لكن من حق الوزير اتخاذ قرار يرى فيه بعد دراسته “صالح العملية التعليمية”.

 

عشوائية القرارات تتجلى في تضارب قرارات أصدرها وزراء متعاقبون، ففي حين قرّر د. إبراهيم غنيم وزير التربية والتعليم السابق اعتبار الصف السادس الابتدائي سنة نقل عادية مثلها مثل صفوف الحلقة الابتدائية وليس شهادة إتمام مرحلة. واستند في ذلك إلى مخالفتها المادة 18 من قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981 التي تنص على شهادة التعليم الأساسي ولا يوجد فيه ما يسمى بالشهادة الابتدائية. كما برّر قراره بالتخطيط لترشيد الإنفاق بالنسبة للوزارة، لما يوفر إلغاء الشهادة الابتدائية من أموال تنفق على إجراءات امتحاناتها، إلى جانب أنها تساعد في محاصرة الدروس الخصوصية التي تفشت في الصف السادس لكونه شهادة.

 

أما الوزير الحالي د. محمود أبو النصر فقرر إلغاء قرار سابقه والإبقاء على الصف السادس شهادة وليس سنة نقل عادية، مستندا إلى استطلاعات رأى أجرتها الوزارة وأكدت ضرورة الإبقاء عليها وأهميتها بالنسبة للتلميذ في هذه المرحلة. بينما يرى د. محمد سكران أن المناهج الدراسية بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية هي مناهج معلومات وليست معارف، تغيب عنها مجالات حقوق الإنسان ولا تعمل على تعميق مفهوم الولاء والانتماء للوطن. ويطالب د. سكران بأن يرتكز التعليم في مناهجه ليس فقط على تحصيل المعرفة لكونها متغيرة، وإنما كيفية تعليم التلاميذ المنهجية التي من خلالها يستطيعون اكتساب هذه المعرفة. ويرى أن غياب ذلك عن المناهج “يساعد في تكريس ثقافة الإتباع والحفظ والاستظهار ومحاربة ثقافة الإبداع”.

 

وفى بحث أعدته في 2010، تفيد د. وسام عبد المعطى، مدرس علم النفس التربوي بكلية التربية، جامعة الفيوم ، بأن ضعف المناهج أفضى إلى انتشار ظاهرة ضعف القراءة والكتابة بين تلاميذ المرحلة الابتدائية، إذ رصدت الظاهرة في 26 مدرسة ابتدائية حكومية بمحافظة بني سويف، كانت عينة البحث ممثلة للمجتمع ومن جميع مستويات التعليم، وتم تطبيقها في هذه المحافظة تحديدا نظراً لارتفاع نسبة المواليد بالنسبة لشمال الصعيد تقريباً وحتى تكون ممثلة للمحافظات المجاورة لها بخاصة الفيوم والمنيا.

 

ويشتكى عبد العزيز إبراهيم حسين موجة أول اللغة العربية من “حشو زائد في المناهج”، فيما يرى معلمون أنها لا تساعد الطالب على الابتكار والإبداع وتتدخل فيها توجهات النظام الحاكم. يدللون على ذلك بتعديل أجزاء منها في عدد من موادها في عهد النظام السابق، بقيادة الإخوان المسلمين، مثلما أُضيف إلى مادة التربية الوطنية درس “أهل الذمة وحقوقهم في الدولة”، في مقرر الصف الثالث الإعدادي، إضافة إلى تغيير بعض الكلمات في عدد من الدروس مثل كلمة الإخوة التي اُستبدلت بالإخوان، وألغيت هذه التعديلات بعد رحيل ذلك النظام، في يونيو 2013، واستبدلت بتعديلات جديدة.

 

لم يكن مستوى عبد المعطى الضعيف، وفق نتائج امتحاناته من صف إلى صف التي لم تتجاوز 51 % طوال سنوات تعليمه، هي السبب الوحيد وراء عدم تمكنه من القراءة والكتابة، إذ يظهر مستند رسمي صادر عن إدارة التدريب التابع لمديرية الصحة في الفيوم حصول طالبات على صفر ورسوب نسبة كبيرة منهن في اختبارات الإملاء التي يجريها معهد التمريض في الفيوم، كشرط تأهيل للطالبات المتقدمات للالتحاق به من حملة الشهادة الإعدادية اللائي اجتزن امتحاناتها بنسب مرتفعة تتراوح بين 75 و 99 %، إذ رسبت 39 طالبة وحصلت 5 طالبات على صفر في امتحان الإملاء، جميعهن كن من أوائل مدارسهن في الشهادة الإعدادية.

 

في ضوء هذا العوار، باتت العملية التعليمية كماسورة تمر منها المياه دون النظر إلى نوعيتها، بحسب توصيف خبير التعليم د.كمال مغيث، مؤكدا أن الاستمرار على هذه النوعية من التعليم لا تحقق الأهداف القومية المنشودة منه.

You must be logged in to post a comment Login