مخاطر محارق المخلفات الطبية غير المطابقة للمواصفات تهدد أهالي الفيوم

**فني صيانة تشغيل بمجمع المحارق: من المفترض تطعيمنا ثلاث مرات في السنة.. ومبناخدش بدل عدوى

**جمعية أهلية تنشأ محرقة نموذجية للمخلفات الطبية بالمحافظة

 

الفيوم: ولاء كيلاني

عندما تشتاق لنسمة هواء عليل، وتخشى على شريانك من السموم، وحينما تُسلب منك حاسة الشم، وقبل أن تستبدلها بكمامة، فاذهب إلى الريف، عفواً.. انتظر، إنها كانت نصيحة من الماضي، من إحدى صفحات التاريخ، بعدما طالت أنياب النفايات قلبه، قلب الريف، عندما لم تجد الحكومة مكاناً غير قلب مدينة الفيوم لتبني فيه محارقها، والمراد منها هي مجازاً، الحفاظ على حياة الناس من التلوث الناجم عن النفايات الطبية، وما أدراك ما هي، تلك الفضلات التي تتخلص منها المستشفيات والعيادات، من أدوات للحقن، أو قطن اكتسي بالدماء، ما بين الملوث والمريض وحامل الفيروس، كل هذا يتم وضعه في محارق بمواصفات خاصة، من أجل حماية الإنسان، والحفاظ عليه، ولكن وزارة البيئة كان لها رأي آخر عن عمد أو غير عمد، لا نعلم، إلا أنها لم تجد مكاناً يبعد عن حياة المواطن، إلا في قلب المدينة المزدحمة بالبشر، ليحاصرهم الموت، بعد العلاج، وإن كان هناك علاجاً من الأساس.

 

طرحت محافظة الفيوم في شهر نوفمبر الماضي، مناقصة لبناء مجمع حرق للمخلفات الطبية، بعد أن تبقت محرقتين فقط من أصل ست، أُنشئوا بالمحافظة، لاستيعاب ما يقرب من ألف و248 كيلو جرام من النفايات يومياً، مصدرها 129 وحدة صحية، ومستشفى قروي في ستة مراكز بالمحافظة، بالإضافة إلى العيادات والمستشفيات الخاصة.

 

لكن، هل تحمل المحافظة، هذه المرة، رؤية مغايرة لواقع المحرقتين الطبيتين الموجودتين حالياً، فتبني المجمع بعيداً عن المناطق المأهولة بالسكان، حتى لا تختلط الغازات السامة المنبعثة بالهواء فتضر بصحة الإنسان، كما هو الحال الآن في محرقتي التأمين ويوسف الصديق؟

 

وفي مصر، تقوم جهتان حكوميتان، هما كلية العلوم وجهاز شئون البيئة، بقياس الانبعاثات الصادرة من المحرقة بآلات خاصة، لتقدر الحدود المسموح بها بيئياً، ويجري هذا الفحص بشكل منتظم لضمان السلامة.

 

أما في محافظة الفيوم، فواقع المحارق الطبية مختلف، فمن بين ست محارق، لم يتبق سوى اثنين، تتكدس بهما المخلفات الطبية، نظراً لعدم قدرتهما على استيعاب كل مخلفات المحافظة، رغم تحذير الأطباء من ضرورة عدم إبقاء المخلفات الطبية لأكثر من يومين في المخازن، ليس فقط بسبب رائحتها الكريهة، لكن أيضا لما تسببه من أمراض تنفسية، مثل الربو وحساسية الصدر.

 

وتشمل الغازات السامة المنبعثة من حرق المخلفات الطبية، غازي الزئبق والديوكسين، والذي ثبت علميا ونتيجة لمجموعة من الأبحاث التي أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)، أنه مادة مسببة للأمراض السرطانية بالكبد، والرئة، والمعدة، والأنسجة الرقيقة، والضامة، بالإضافة إلى الأورام اللمفاوية، كما أن التعرض لنسب صغيرة من هذه المادة يؤدي إلى التأثير على جهاز المناعة، كما أن لها أيضا تأثير لا يستهان به على التناسل البشري، حيث يؤدي تعرض الحامل إلى الديوكسين، إلى ولادة أطفال يعانون من تشوهات، وعاهات خلقية، ومشاكل في التعلم.

 

ويعي سكان المناطق المجاورة لهذه المحارق الطبية مخاطرها، مما دفعهم لإغلاق محرقة المستشفى العام الجديدة، لتواجدها وسط المنطقة السكنية، وهو ما أدى إلى تكدس نفايات المستشفي الطبية في أرض فضاء أمام المشرحة الموجودة داخل المستشفى، وانبعاث الروائح الكريهة من المكان، لوجود المخلفات في الهواء الطلق، وليس داخل غرف التخزين، وقام بعض العمال ببيع بعض المخلفات من القطن والشاش إلى محلات لعب الأطفال، والمناديل في منطقة كوم أوشيم.

 

يقول الدكتور سيد عبد التواب، أستاذ قسم البيئة بكلية الزراعة بجامعة الفيوم، “المخلفات الطبية لها نظام حرق معين، ويفضل وجود المحارق بالقرب من المجمعات الطبية، لأن نقلها من مكان لآخر يؤثر على من ينقلها ويصيبه بأمراض صدرية، وإذا اضطروا لنقلها، فيكون باستعدادات خاصة، لأنها ليست مثل المخلفات العادية، فالمخلفات الطبية تعد مشكلة صعبة، خصوصاً أن معظم مستشفيات الفيوم وعياداتها الخاصة، تقع علي البحر مباشرة، الذي نعتمد عليه في الشرب وري الأراضي، ولعدم توفر محارق أو عربات نقل، تلقي العيادات والمستشفيات مخلفاتها في البحر، ومن الصعب إعادة تدوير هذه المخلفات، وأن الحل الوحيد لها هو الحرق بالطريقة العلمية السليمة”.

 

ويوضح محمد عبد الستار، مدير إدارة شئون البيئة بالفيوم، أن هناك ست عربات مجهزة، تم توفيرها لنقل المخلفات الطبية من المستشفيات، مشيراً إلى أنه يجري إنشاء ست محارق جديدة في الفيوم، سيراعى فيها البعد عن الكتلة السكنية، حسب طلب مديرية ، وتم تحديد موقع واحدة منهم بالفعل في مدينة دمو الجديدة.

 

ربما يحمل مجمع النفايات الطبية، التي تعتزم محافظة الفيوم بناؤه، واقعاً أفضل، وربما يتحجج البعض بضعف الإمكانيات، فيختارون موقعاً سكنياً لبنائه، لتستمر الأزمة.

 

وانتقلت “المندرة” إلى مجمع محارق المخلفات الطبية بمنطقة العدوة بالفيوم، وهو المجمع الوحيد بالمحافظة المطابق للمواصفات، الذي أنشئ في سبتمبر 2011 بالعدوة، في مكان محرقة “جمعية المحافظة على البيئة”، مؤقتاً لمطابقتها للمواصفات، حتى ينتقلوا لمكان آخر.

 

ويشير مصطفى محمد، فني صيانة تشغيل بالمجمع، إلى أن المجمع تم إنشائه منذ عامين من قبل مديرية الصحة بالفيوم، لاستيعاب كم المخلفات الطبية بالمحافظة، مؤكداً توفير المواصفات الرئيسية لإنشاء المجمع، فهي تبعد ثلاثة كيلو عن أقرب منطقة سكنية، لأنها توجد بمنطقة صحراوية بعيدة تماماً عن الناس.

 

ويشرح مصطفى بداية دورة حرق المخلفات، حيث يقوم المندوبون الصحيون يومياً بالمرور على جميع مستشفيات الفيوم، ليأتوا بالمخلفات الطبية الصلبة في سيارات “صندوق مغلقة”، حسب المواصفات، حتى لا يكون لها أي تأثير على المارة خلال انتقالها من المستشفى، وصولاً للمجمع، ثم يقوم العمال بتفريغ المخلفات، لتدخل الفرن، وتأخذ دورتها، ويتم حرقها بالنار في مدة طويلة، ومن ثم يأتي مندوبي الصحة ليأخذوا الرماد الناتج من الحرق، ويتم نقله إلى المدفن الصحي المخصص بصحراء منطقة كوم أوشيم بالفيوم، على حد وصفه.

 

وبالنسبة للعمال، فلكي يحاول تجاوز الخطورة المؤكدة خلال عملية الحرق، يقول مصطفى “إحنا بنلبس بدلة مخصصة، وكمامات وخوزة طبية، ومن المفترض أنه يتم تطعيمنا ثلاث مرات، بثلاث جرع على مدار السنة، ولكن العام الماضي 2012 أخذنا جرعة، وبعدها بفترة الجرعة الثانية، ولم نأخذ الثالثة، لغلاء أسعار هذه الحقن، رغم أن الأطباء أكدوا لنا أهمية هذه الحقن، وخاصة أخذها ورا بعضها، وإحنا مبنأخدش بدل عدوى، أو بدل مخاطر، رغم أن شغلتنا هي المخاطرة نفسها، وإحنا كلنا في المجمع كعمال، مرتبطين بعقود مع المديرية، لا يتعدى قيمتها 400 جنيه في الشهر، كراتب ومكافأة، وكل شيء بعقد، وليس حتى تعيين”.

 

ويشير رمضان حسين، عامل بمجمع المحارق، إلى أن المحرقة بها مواصفات طبية مخصصة، فبها “ولاعتين”، واحدة بالأسفل لحرق الدخان، والثانية بالأعلى لتنقي الدخان، لافتاً إلى أن المحرقة مزودة بثلاثة فلاتر حجر جيري للتنقية، بالإضافة إلى أن المدخنة لها مواصفات محددة، وطولها لابد أن يكون ثمانية أمتار، لتعلو بالدخان بعد تنقيته تماماً بالفلاتر المخصصة.

 

ويوضح أن “المجمع يعمل على مدار الساعة، طوال الأسبوع، وفي بعض الأحيان نقص الغاز التي تعمل به آلات الحرق، وخاصة في ظل أزمة الغاز حالياً، يؤثر علينا، ولكننا نتغلب على هذه الأزمة، لأن المخلفات لا تبقى في المستشفيات، حتى لا تسبب أي أضرار للمستشفيات، فتأتي يومياً، ونحن كعمال نقسم أنفسنا لثلاث فترات، صباحاً، وظهراً، ومساءً”.

 

ويضيف حسين “هناك موظفون بالمديرية ميعرفوش المحرقة دي فين، وبياخدوا بدل مخاطر، وإحنا لا، ده إحنا اللي بنشيل المخلفات بكارتينها على ضهرنا بما فيها من حقن وإبر ودماء ملوثة، ونحطها في الفرن، ونفتحه لتقلب المخلفات، عشان يحرقها كلها، والمديرية تستفاد على حسابنا، وتتعاقد مع المستشفيات والعيادات الخاصة، ليخلصوا من مخلافتهم هنا، بتاخد من الطن، المخلفات الطبية ثلاثة آلاف ونصف، ونحن نقوم بحرق أكثر من 20 طن بالشهر، بياخدوهم الموظفين في مكاتبهم، وإحنا ملناش فيها”.

 

وفي وسط هذا اليأس، نجد شمعة مضيئة، تفتح لنا الأمل، فها هي جمعية أهلية، حاولت التخلص من هذه المخلفات بطريقة صحيحة، ليتحول الأمر بالفعل في عام 2003، إلى حقيقة، فعملت على مشروع إنشاء محرقة للمخلفات الطبية، لتكون أول جمعية أهلية على مستوى الجمهورية، التي تخطي هذه الخطوة، وقامت على يد مجموعة من الشباب والمهتمين بقضايا البيئة، فقاموا بعمل محرقة في قرية العدوة التابعة لمحافظة الفيوم، بهدف حماية البيئة والحفاظ عليها، وتعاقدت معهم معظم مستشفيات المحافظة، رغبة منهم في المحافظة على البيئة، ونظراً للقصور الكبير الموجود في المحارق التابعة لوزارة الصحة. وجمعية المحافظة على البيئة بالفيوم، هي جمعية أهلية غير حكومية، أشهرت بوزارة التضامن الاجتماعي تحت رقم 297 لسنة 1991.

 

يقول إيهاب محمود، مدير جمعية المحافظة على البيئة في الفيوم وعضو اللجنة الاستشارية العليا للبيئة في المحافظة، “عندما رأينا كمية المخلفات الصحية التي تنتج من المستشفيات والعيادات، والتي تقابل بإهمال شديد من إلقاءها في الشوارع، ولعب الأطفال بالسرنجات، وإلقاء القطن الملوث وسط القمامة بدون أي وعي، فكرنا في دورنا في نشاط حماية البيئة، وهدفنا حماية المجتمع من المخلفات الطبية، لذا عملنا دراسة جدوى ومقترحات للمشروع، وقدمناها لجهاز شئون البيئة التابع لمجلس الوزراء، وبالفعل وافق جهاز شئون البيئة على مساعدتنا في القيام بالمشروع، وذلك بعد مراجعة الجهاز لنشاط الجمعية، والأدوار التي تقوم بها فعلياً، لأن جهاز حماية البيئة، لا يعطي الدعم لأي جمعية، بل لابد أن تكون الجمعية لها دور فعال في ملف البيئة والمحافظة عليها، وبالفعل كنا نملك أعمال قديمة كثيرة في هذا الملف الشائك”.

 

ويضيف إيهاب “بالفعل أنشأنا أول محرقة مطابقة للمواصفات بالفيوم عام 2003، وذلك بعد أخذ التصاريح، والإجراءات اللازمة جميعها من مديرية الصحة والبيئة”.

 

ويشرح مدير الجمعية أنهم وجدوا بعض الصعوبات أثناء إنهاء التصاريح والإجراءات من مديرية الصحة، متعجباً من أسباب ذلك، مشيراً إلى أنهم حصلوا على دعم من جهة حكومية، وهي جهاز شئون البيئة التابع لمجلس الوزراء، أي من أموال عامة، وأنهم ليسوا مستثمرين، ينافسهم من أجل الربح.

 

ويوضح إيهاب أنهم اختاروا مكاناً مناسبا، لإنشاء المحرقة بمنطقة العدوة بالفيوم، والتي تبتعد ثلاثة كيلو متر عن أقرب منطقة سكانية، الأمر الذي جعل مديرية الصحة تقيم علية محرقتها، لتناسبه تماماً، لإقامة محرقة طبية عليه، مشيراً إلى أنهم تكلفوا بشراء سيارة مخصصة أيضاً، لنقل المخلفات لتكون مغطاة بالكامل، حتى لا تؤذي المارة.

 

ويتابع عضو اللجنة الاستشارية العليا للبيئة حديثه “وبالفعل نعمل منذ عشر سنوات لخدمة البيئة يومياً، فتعمل المحرقة بشكل نموذجي، ونقوم بصيانتها أيضا كل فترة، فهي الآن في فترة صيانة، حتى نتأكد من قيامها بالدور المطلوب دائماً، ونخضع لرقابة وإشراف جهاز شئون البيئة، ومديرية الصحة، ليتأكدوا من قيامنا بحرق المخلفات الطبية على الطريقة الصحيحة”.

 

ويستطرد إيهاب قائلاً “مازلنا نواجه بعض الصعوبات في تعاقد المؤسسات الصحية معنا، فمديرية الصحة تضغط على المستشفيات والعيادات عندما يأخذوا التصاريح بإقامة أي منشأة طبية، أن يتعاقدوا معها في التخلص من مخلفاتهم، عن طريق محرقتها، ونحن لا نملك هذا السلاح، ولكننا نحاول أيضاً من خلال تعاملاتنا وأمانتنا، أن نجلب عدد من العيادات الخاصة وغيرها لمحرقتنا”.

 

 

You must be logged in to post a comment Login