محمود حسن إسماعيل.. شاعر “النيل” و”الكوخ” القادم من أسيوط

محمود حسن إسماعيل

محمود حسن إسماعيل

**أصدر 14 ديوانًا أولهم “أغاني الكوخ”

**له قصائد صوفية في حب الله ورسوله، وغنت له أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم

 

المندرة: هدير حسن

 

سمعتُ في شطكَ الجميلِ ** ما قالتْ الريحُ للنخيلِ
يسبح الطيرُ أم يغني ** ويشرحُ الحبَ للخميلِ
وأَغْصُنٌ تلكَ أم صبايا ** شربنَ من خمرةِ الأصيلِ
وزورقٌ بالحنينِ سارا ** أم هذه فرحةٌ العذارى
يجري و تجري هواك نارا ** حملت في سحرها نصيبي
و طفت حيران باللهيب ** فلم تدعنى بلا حبيب
آه على سرك الرهيب ** وموجك التائه الغريب
يا نيل يا ساحر الغيوب

 

هكذا سحر “النيل” محمود حسن إسماعيل، فنظم “النهر الخالد” متغزلًا في روعة النهر الذي تربى على ضفافه، وخلدها لنا الموسيقار محمد عبد الوهاب بصوته المتفرد، لتكون ضمن قصائد شاعرنا الأسيوطي المغناة، كـ “بغداد يا قلعة السود” التي غنتها أم كلثوم، و”نداء الماضي” التي غناها عبد الحليم حافظ، ليظل عدد من قصائد محمود حسن إسماعيل محفوظًا بأصوات أعظم مطربي العالم العربي.

 

وإذا كان المبدع شاعرًا، فهو من الصعيد، الذي يسحر بطبيعته وجماله قلوب أهله، وينجب من بينهم شعراء ثابتي الخطى، فمحمود ولد في قرية “النخيلة” بمركز أبو تيج في 2 يوليو 1910، وبها تلقى تعليمه الأساسي والثانوي، وبها أيضًا برزت موهبته الشعرية، فبعد دراسته الجامعية بكلية دار العلوم في القاهرة، تخرّج منها وهو يحمل معه أوراق ديوانه الأول “أغاني الكوخ”، الذي أصدره عام 1935، ليكون، وقتها، الشاعر الوحيد الذي يفضّل الحديث عن الكوخ بدلًا من القصر.

 

تسمية ديوانه الأول قد تعود إلى نشأته الأولى داخل قريته، التي يقول عنها: “عشت في قريتنا السنوات الأولى، ولم أكن في معظم الوقت مع أهلي، بل على مشارف نهر النيل، جنوب أبو تيج، بكوخ كان هو بيتي وصومعتي، كنت أعيش في الغيط أتابع الذرة منذ غرسها، وحتى الحصاد، أشارك في العمل، أعزق الأرض، وأبذر الحَب، وتعلمت في الكوخ، ودرست فيه.. كنت أقرأ في الكوخ الصحف.. التي كانت تأتي إلى الباشا صاحب الضيعة المجاورة لحقلنا، وكان شخص يعمل عنده اسمه فريد يذهب كل يوم إلى مكتب البريد لإحضار بريد الباشا، فأتصفح بعض ما يحمل، وأطالع المجلات التي لم تكن متوفرة لدي.. لم تكن لدي في الكوخ غير الكتب المدرسية، ولم أقرأ غير شعرًا مكررًا وتعبيرات المحفوظات المقررة، ومن هذه المحفوظات بدأ رفضي لكل قول زائف”.

 

ظهر أن للكوخ أثره على أسلوب محمود الشعري، كما للقرية ولطبيعة الصعيد أيضًا، ولكن قبل أن نغوص في بحر شعره، سنتعرف على مسيرته المهنية، فشاعرنا عمل في البداية محررًا ومساعدًا للدكتور طه حسين بالمجمع اللغوي المصري، وكان محمود عضوًا بلجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، وتم اختياره بنفس المجلس عضوًا بلجنة النشر والدراسات الأدبية، كما عمل مستشارًا ثقافيًا بالإذاعة المصرية، التي تقلد بها منصب مدير عام البرامج الثقافية والدينية، ورئيسًا للجنة النصوص، وآخر الوظائف التي تولاها كانت في الكويت، حيث عمل مستشارًا بلجنة المناهج بوزارة التربية والتعليم، قبل وفاته.

 

توالت دواوين محمود حسن إسماعيل الشعرية بعد ديوانه الأول، فأصدر 14 ديوانًا، منها: “قاب قوسين”، و”صوت من الله”، و”هدير البرزخ”، “أين المفر”، “نار وأصفاد”، و”رياح المغيب” الذي أصدرته دار سعاد الصباح بعد وفاته عام 1993، وله كتاب “الشعر في المعركة” أصدره على جزأين، كما نشر عدد من المقالات والقصائد والدراسات الأدبية في العديد من الإصدارات مثل: “السياسة الأسبوعية”، و”الوعي الإسلامي الكويتية”، “الهلال”، و”الرسالة”، والأهرام”، “الأخبار”، “الجمهورية”، ونال عدة جوائز، هي: وسام الجمهورية من الطبقة الثانية عام 1963، ونفس الوسام عام 1965، وجائزة الدولة التشجيعية عام 1964، ووسام تقدير من الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة.

 

حير شعر محمود النقاد والمتابعين له لفترة، فمن قائل إنه ينتمي إلى مدرسة “أبوللو” الشعرية، ومن يرجح أنه أول إرهاصات مدرسة “الشعر الحر”، وكما تناول القرية والحب والرومانسية في شعره، استهواه أيضًا الجانب الصوفي، فنظم قصائد تسرح في الحب الإلهي، وتهيم شوقًا في الخالق، فيقول في قصيدته “الله”:

 

زعموا لقاء الله وحدهم وجل!
فنوره غمر الدهور
فى الحب فى الأمل المخلق
فى الأجنة فى البذور
فى الريح فى النسم المرنح
فى العشايا والبكور
فى الطيف تلمحه ظلال ظلاله فوق الغدير

 

وعودة إلى شعره ودواوينه، التي أظهرت رفضًا، وموقفًا، وقضية فلسفية يؤمن بها محمود، فقد قال عن أول دواوينه: “وكان ديواني الأول (أغاني الكوخ) يمثل إحساسي بالرفض لعالم القرية، الذي يخيم علیه الرق والمسكنة والتجبر والمغايرة الشنيعة بين إنسان وآخر في كل شيء، والتناقض بين طرفي الإنسان: إنسان في الهلاك من الذل والحرمان، والآخر يكاد يهلك من البطنة والترف والاستعلاء الجائر”، ليتولد من خلال هذا الشعور موقف داخل نفس محمود، و\أسماه “فلسفته الخاصة”، التي ترفض كل ما هو شبيه بالرق والذل والعبودية، وتقدس فقط الحرية والعدل.

 

وقبل وفاته في 25 أبريل 1977، كتب كمَنْ يتنبأ في قصيدته “سواقي أبريل”:

 

أبريل دير العاشقين من قديم الزمان

سمعته يتلو المزامير فعل يسمعني؟

دب الهوى في بدني فهل نزعت كفني؟

 

أما الأبنودي، الذي كان يتلو قصائد محمود في شبابه، أهداه قصيدته “تفاحة آدم” في ذكرى ميلاده الـ 94:

 

كان الطريق واعر
ياعمنا الشاعر
دخلتها حافي بلا متاع
وتركتها واضح بلا قناع
الرحلة في النار لا تتأجر ولا تتباع
والهم هم. تقيل ولا خفيف!

 

You must be logged in to post a comment Login