محمد صديق المنشاوي.. الغائب الحاضر

 

**الإذاعة انتقلت بأكملها للشيخ بعدما رفض أن يمتحنوه

 

سوهاج: شيماء دراز

ورث الموهبة، عن شيخ محبوب، فورث حب الناس أيضًا، فرغم أنه فارق دنيانا منذ زمن بعيد، إلا أنه لا يخلُ منزل من نسخة المصحف المرتل لشيخنا الجليل، محمد صديق المنشاوي، فلا زال صوته حاضرًا بيننا، ولنرى الناحية غير المعروفة من حياة الشيخ، انتقلت ‘‘المندرة’’ إلى منزل أسرته، بمركز ، مسقط رأسه، حيث شهد ميلاده عام 1920.

 

هو الابن الأكبر للشيخ صديق المنشاوي، المقرىء الشهير، الذي ذاع صيته بربوع مصر، وكذلك عمه، المقرئ أحمد السيد، فنشأ الشيخ بمنزل يملأ القرآن ربوعه.

 

عن بداياته، روى لنا كمال المنشاوي، زوج ابنة الشيخ الصغرى، أنها كانت من ليلة تلاوة أقامها آل حُزين، بمركز إسنا بقنا، حيث سجلت له الإذاعة المصرية حينها، وكانت قد عرضت عليه الإنضمام لها من قبل، من خلال طلب يتقدم به للإذاعة، ويجتاز إمتحانًا للأداء، ليتم اعتماده مقرئًا بها، فرفض الشيخ وقال: لا أريد القراءة بالإذاعة، فلا حاجة لي بشهرتها، ولن أقبل أن يُعقد لى إمتحانًا.

 

قرر مدير الإذاعة، في ذلك الوقت، أن تنتقل الإذاعة إليه حيث يقرأ، وكان ذلك في ليلة آل حزين، وفوجئ الشيخ أثناء إحياءه لليلة، بمندوب الإذاعة يسجل تلاوته، فكانت أول مرة في تاريخ الإذاعة، أن تنتقل بمعداتها ومهندسيها للتسجيل لأحد المقرئين.

 

وبعد تلك الليلة، أقنعه المقربون منه، بأن يسجل للإذاعة، تقديرًا لما فعلوه معه، وبالفعل ذهب الشيخ، واستكمل تسجيلاته، وظل قارئًا بالإذاعة حتى توفاه الله.

 

الشيخ الصعيدي

وكانت علاقة الشيخ بأهل بلدته، علاقة طيبة، فكان دائم التردد على قريته، وحرص على أن يقيم بها السهرات الدينية، ويذهب إليها كلما أحيا ليلة بالصعيد، ويروى أنه كانت هناك سيدة فقيرة من مركز المنشأة، قطعت نذرًا بأن تأت بالشيخ محمد صديق المنشاوي، ليُحيي إحدى المناسبات لديها، وعندما جاء ميعاد الليلة، لم تكن تملك المال الكافي، وعندما علم الشيخ بهذه القصة، أقام الليلة وتكفّل بنفقاتها من حسابه الخاص.

 

وذات مرة، أخبر أهل بيته بأن يعدوا وليمة كبيرة لضيوف ينتظرهم، وفوجئوا بأن الضيوف هم مجموعة كبيرة من فقراء القرية.

 

قصة عبد الناصر

أما عن علاقة الشيخ بالسياسة، فقالت إبنته، إنه لم يكن يهتم بالسياسة، فكانت إهتماماته بالدين وقراءاته فقط، لكن كان على علاقة طيبة بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وهو الرئيس الذي عاصره الشيخ.

 

ورغم ما شاع عن رفض الشيخ، حضور حفلة بها الرئيس عبد الناصر، إلا أن الأمر لم يكن له علاقة بالسياسة أو بالزعيم السابق، فقد وُجهت الدعوة إليه من أحد الوزراء، وقال له ‘‘سيكون لك الشرف بالقراءة بحفل به الرئيس عبد الناصر’’، فأجابة الشيخ ‘‘ولماذا لا يكون الشرف لعبد الناصر بسماعه القرآن بصوت محمد صديق المنشاوي’’، ورفض الذهاب للحفلة، قائلا ‘‘أخطأ عبد الناصر في إختيار رسله’’.

 

 

المتواضع دائمًا

كان يستمع كثيرًا إلى الموسيقى، خاصة إلى صوت السيدة أم كلثوم، ودائمًا كان يقول إن في صوتها قوة رقيقة، وأنغام موسيقية، كما كان عاشقًا لصوت الشيخ طه الفشني، في الإبتهالات والتواشيح الدينية، وكان مقربًا منه.

 

وقد رُوى الكثير عن تواضع الشيخ، فقد كان يرتدى جلبابًا أبيض، ويجلس أمام باب بيته، فيعتقد الناس أنه بواب العمارة، خاصة لبشرته القمحية، ففي إحدى المرات، أتى إليه شخص يسأل عنه، وكان جالسًا أمام العمارة، فقال له أنه يريد مقابلة الشيخ المنشاوي، ولم يتعرف عليه، فأجابه الشيخ بأنه سيذهب لإحضار الشيخ محمد، وذهب لشقته وارتدى الجلباب والعِمّة والنظارة، وذهب للرجل وأجاب مسألته، وظل الرجل معتقدًا أنه قابل البواب في المرة الأولى.

 

ظل الشيخ لفترة طويلة، لا يُحدد أجرًا لتلاوته، ويأخذ ما يُعطى له، فطالبه المقرئون بتحديد أجره بقيمة عالية، حتى لا يُبخس قدره، وأدرك خطورة ذلك عندما سمع من البعض ما يُقال عنه بأنه يقبل بأى مبلغ لأنه دون أقرانه، فأصبح يرفع أجره مع من لا يعرفهم؛ خشية أن يشيعوا غير ذلك بهتانًا.

 

الأب الحنون

تزوج محمد صديق المنشاوي من إبنة عمه، وهو فى الخامسة عشر من عمره، ثم تزوج مرة أخرى، بفتاة من مركز أخميم بسوهاج، وأنجب ستة أولاد وست بنات، جميعهم حفظوا القرآن، لكن لم يرث منهم حلاوة صوته سوى ولديه صلاح وعمرو، إلا أنهما لم يحترفا التلاوة.

 

أما عن الأب محمد صديق، فروت إبنته الصغرى أن والدها، كان رحيمًا حنونًا مع أولاده، كما كان مع كل من يعرفهم، وأنهم حزنوا حزنًا لا يُقدّر عند وفاته.

 

 

أعداء النجاح

تسبب نبوغ الشيخ وتفوقه، فى حقد البعض عليه، فقد حيكت حوله الكثير من المؤامرات، وذات مرة، قيل عنه إن صوته ضعيف، لا يُسمع إلا بالميكروفون، ودُعي الشيخ لإحياء سهرة بمحافظة المنيا، ودُعي معه مقرىء آخر، وكان الحضور كثيرون، طالبوا بسماع الشيخ محمد، ولم يكن المقرئ الآخر قد أنهى قراءته، مما أثار حفيظته، فتآمر مع أحد العاملين لإيقاف الميكروفون، وردد بين الحضور أن صوت الشيخ ضعيف، وعندما سمع الشيخ بذلك، ترك كرسى القراءة وظل يقرأ سائرًا بين الحضور.

 

تعرض أيضا الشيخ لمحاولة قتل بالسم، فكما روى الشيخ لأهل بيته، أنه كان مدعوًا في إحدى السهرات عام 1963، وبعد الإنتهاء من السهرة دعاه صاحبها لتناول الطعام، ولكنه رفض، فأرسل له بعضًا من أقاربه ليقنعوه بأن يأكل، فوافق، وعند تقديم الطعام، اقترب منه الطباخ هامسًا ‘‘يا شيخ محمد سأطلعك على أمر خطير، وأرجو ألا تفضح أمري، فينقطع عيشي في هذا البيت’’، فسأله عما حدث، فقال ‘‘أوصاني أحد الأشخاص بأن أضع لك السم في طعامك، فوضعته في طبق سيُقدم إليك بعد قليل، فلا تقرب هذا الطبق أو تأكل منه، ولا يعلم أهل السهرة عن ذلك شيء’’، فاعتذر الشيخ عن الطعام، واكتفى بقطعة خبز إكرامًا لأصحاب الدعوة.

 

كان محمد صديق المنشاوي، محبًا لمن عاصره من المقرئين في عصره، خاصة الشيخ محمد رفعت، فقد كان يحبه حبًا شديدًا، ويحب الإستماع إليه، وكان دائما يجعل الراديو قريبًا منه ليستمع لإذاعة القرآن الكريم.

 

في عام 1966، أصيب الشيخ بدوال المريء، ونصحه الأطباء بعدم الإجهاد فى التلاوة، لأن رفع الصوت خطر على صحته، لكنه لم يلتزم بذلك، وظل قارئًا للقرآن حتى اشتد عليه المرض عام 1969، ونُقل لمسشفى المعادي العسكري، وأصدر الرئيس عبد الناصر، أمرًا بسفره إلى لندن للعلاج على نفقة الدولة، إلا أن الشيخ وافته المنية قبل ذلك، في يونيو 1969، ليرحل عن دنيانا تاركًا صوته العذب يخشع من يسمعه بالقرآن.

 

One Response to محمد صديق المنشاوي.. الغائب الحاضر

  1. دکتراحمدپور 11:32 صباحًا, 11 مايو, 2014 at 11:32 صباحًا

    هواکبر وامیرالقراء فی العالم الاسلامی حقا الله یرحمه

You must be logged in to post a comment Login