متحف سوهاج.. مأوى للآثار.. أم للقمامة؟

** بدأ العمل فيه منذ أكثر من ثلاثين عاماً.. ولم يكتمل حتى الآن

**آثاره حبيسة المخازن وعرضه للسرقة.. والعيد القومي للمحافظة “لم يأت” منذ 2003 لافتتاحه

**المحافظ: السبب في عدم استكماله.. هو العجز في التمويل.. وارتفاع المديونيات

 

سوهاج: شيماء دراز

تتغير الأماكن.. وتتبدل الأزمنة.. وتختلف المفاهيم.. وتتقدم التكنولوجيا.. ونصعد للقمر.. ورغم ذلك، تظل لعنة الفراعنة ما بين السر والأساطير، تداعب الأفكار تارة، وتسيطر عليها تارة أخرى، ولعل متحف سوهاج الذي تحول إلى سلة كبيرة للمهملات، وتسكنه الأشباح المرابطة على مواد البناء، تحرصه أو تخفيه وتقترب منه، تبقى آثاره تستغيث بالمسئولين، أو تدعو لزوال اللعنة، وخاصة أن الأسباب المنطقية، التي يتقبلها العقل، توقفت عند حدود عدم استكماله، رغم وجود كل المقومات، حتى بعد مرور سنوات عديدة على فكرة إنشاءه، وما زلنا حتى الآن، لا نعلم ما هي حقيقة الأمر، لعنة الفراعنة.. أم الإهمال وسلبية القرار؟

 

بدأ العمل بمتحف سوهاج منذ أكثر من ثلاثين عاماً عندما وضع اللواء ثروت عطا الله، محافظ سوهاج الأسبق، حجر الأساس له عام1981، لتجميع القطع الأثرية المهمة والنادرة به، لوضع المحافظة على الخريطة السياحية، لما تحتويه من ثروات أثرية بمختلف العصور الفرعونية، والقبطية، والإسلامية، وبعد وضع حجر الأساس للمتحف، اعترضت هيئة الآثار على الموقع، وطلبت تغييره، مما يشير إلى عدم التنسيق بين هيئة الآثار والمحافظة.

 

ونُقل بعد ذلك المحافظ إلى الفيوم، وظل الوضع كما ما هو عليه، حتى أصدر اللواء حسن الألفي، وزير الداخلية الأسبق، القرار رقم 173 لسنة 1989، بتخصيص مساحة ستة آلاف وخمسمائة متر على النيل بمدينة ناصر، لبناء المتحف، داعياً فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، لوضع حجر الأساس للمتحف في مايو 1990، و تعهد وزير الثقافة بسرعة إنجاز المتحف، لأهميته التاريخية والسياحية.

 

وبدأ العمل في المتحف، حيث كلفت هيئة الآثار عام 1991، الدكتور محمد زهران، المهندس الاستشاري بعمل التصميمات والرسوم الهندسية الخاصة بالمتحف، وظل الوضع كما هو، حتى جاء اللواء محمد حسن طنطاوي، محافظاً لسوهاج، فقام بطرح بناء المتحف في مزاد، ليأخذه أحد مقاولي المحافظة، بمبلغ قدره تسعة ملايين جنيه.

 

واستلم المقاول الموقع في يونيو 1993، على أن يتم تسليمه في فبراير 1995، وتوقف المقاول عن العمل بعد إنجاز 43% من المتحف، بالرغم من صرفه للدفعة الأولي، التي بلغت مليوني جنيه، فأُرسل له أربعة إنذارات حتى عام 1996، ولكن دون جدوى.

 

ويبدو أن القدر لم يكتب للمتحف أن يكتمل سريعاً، فظل الوضع كما هو لأربع سنوات، حتى صدر قرار المجلس الأعلى للآثار عام 2000، بتشكيل لجنة، لسحب عملية بناء متحف سوهاج من المقاول المنفذ، وحصر وتقييم جميع الأعمال التي تمت، ووضع حراسة عليه، وقدرت المبالغ المستحقة، بسبب عدم التزام المقاول، حوالي ثلاثة ملايين وستمائة ألف جنيه، وكُلف المكتب الاستشاري القائم علي التنفيذ، باستئناف العمل لاستكمال باقي المتحف.

 

وبمرور عامين، قام مدير الإدارة الهندسية لمشروعات المتاحف في يناير 2002، بزيارة ميدانية للمتحف، بصحبة لجنة من المكتب الاستشاري المشرف على التنفيذ، وتم عمل مناقصة محدودة، فازت بها إحدى الشركات، على أن يتم الانتهاء من الأعمال عام 2003، ويتم افتتاحه في العيد القومي للمحافظة.

 

ولكن، يبدو أن العيد الحقيقي المقصود من المكتب الاستشاري، لم يأت حتى يومنا هذا، فمازالت أعمال 30 % من المتحف، لم تكتمل بعد، ولم يتم افتتاحه، على الرغم من مرور عشرة أعياد قومية للمحافظة، منذ 2003 حتى السنة الحالية، كما مر على المتحف عشرة محافظين أخرهم المحافظ الحالي الدكتور يحيى عبد العظيم.

 

وبسؤال المحافظ، قال الدكتور يحيى عبد العظيم، إن السبب وراء توقف العمل في متحف سوهاج في الوقت الحالي هو عجز التمويل الخاص بإنشائه، مشيراً إلى أن الشركة الوطنية توقفت عن استكمال الأعمال الإنشائية والتشطيبية للمتحف، نظراً لارتفاع مديونيتها لدى وزارة الدولة لشئون الآثار إلى 8 ملايين جنيه.

 

وأوضح محافظ سوهاج أنه كان من المقرر افتتاح المتحف في شهر إبريل من العام الماضي بمناسبة العيد القومي للمحافظة، إلا أن العجز المالي لميزانية المتحف تسبب في تأخر افتتاحه، مشيراً إلى مخاطبة الجهات المختصة، لتوفير التمويل اللازم، للانتهاء من إنشائه، خاصة أن الأعمال الإنشائية المنفذة بالمتحف بلغت 80 %، ولم يتبق سوى التشطيبات النهائية.

 

وأشار عبد العظيم إلى أن هذه التشطيبات تحتاج لتمويل يتراوح من عشرة إلى عشرين مليون جنيه على الأكثر، مؤكداً أن المتحف سيعرض أكثر من ثلاثة ألف قطعة أثرية من مختلف العصور، بالإضافة إلى قاعات العرض، وغرف التوابيت، والمومياوات، ويضع المتحف المحافظة على الخريطة السياحية في مصر، حيث تم إنشاء مرسى نهري، لاستقبال السياح القادمين من الأقصر وأسوان.

 

وباتت الصورة النهائية للمتحف، هي مأوى للقمامة، وليست للآثار، محتبسا بداخله الأدوات اللازمة، لاستكمال البناء، ليظل المتحف غير المكتمل، شاهداً على إهمال تتقاسمه كل من هيئة الآثار، والمحافظة، والمقاول، تاركين سوهاج، للسلب والنهب داخل المخازن.

 

You must be logged in to post a comment Login