مار جرجس الزريقات.. سريع الندهة لن يجد له ملبين

** مار جرجس حامي الآثار المصرية من السرقة والنهب كما الإله حورس لدى الفراعنة

 

المندرة: مها صلاح الدين

لم يشعروا بلسعة البرد التي عادة ما يلتحف بها نوفمبر من كل عام، في قرية الزريقات التي تقع بين محافظتي قنا والأقصر في صعيد مصر، بل توافدوا نحوها من كل حدب وصوب، ليلبوا نداء “سريع الندهة” القديس مار جرجس، الذي تحمل الآلام أكثر من سبعة أعوام، بسبب اعتناقه الديانة المسيحية، وإصراره على عدم التخلي عنها، ليس ذلك فحسب، بل هو سريع الاستجابة وملبي نداء كل سائل، وفقًا لمعتقدات أقباط مصر، هو صاحب المعجزات والخوارق، فهو الذي يتجسد في شكل رجل شرطة، وفارس نبيل، وربما حمامة، ليهم بمساعدة كل منادٍ وسائل.

 

وتقديرًا لعرفانه، يحيي أقباط مصر ذكرى ميلاده في سبعة أيام من نوفمبر من كل عام، في الدير الذي يحمل اسمه، في قرية الزريقات المنتسبة لمحافظة الأقصر، والتي تقع بالقرب من مدينة أرمنت بمحافظة قنا، وهو دير بني حديثًا، إلا أنه يحوي بداخله كنيسة يرجع بنيانها للقرن الثامن أو التاسع عشر، لم تختلف هيئتها كثيرًا عن هيئة الأديرة المحيطة في المنطقة، إلا أنها بُنيت على أنقاض كنيسة قديمة أخرى، انهارت بسبب كثيرة النمل الأبيض بالمنطقة المسمى بالقوارض، والتي تأكل الأخشاب والقش، المحشو بين فوارق الطوب اللبن، والذي يعينه على الثبات.

 

تعددت الأديرة التي حملت اسم مار جرجس، إلا أن مار جرجس الزريقات، هو أول الأديرة التي أدخلت الرهبنة إلى ، تأثرًا بالذي حمل اسمه، حيث وهب نفسه للعبادة، دون النظر إلى الشهوات، كما تداولت حوله القصاصات والأساطير، حتى اعتقدوا أنه حامي الأقباط والمنشآت القبطية في صعيد مصر، ولم يُكتفى بذلك فحسب، بل قيل أنه من كرس حياته ساهرًا ليل نهار لحماية الآثار المصرية في الأقصر، كما الإله حورس في مصر القديمة، الذي نازل إله الشر ست للحفاظ على طيبة القديمة.

 

ربما لهذا السبب، لم يقتصر الاحتفال بمولد مار جرجس الزريقات على الأقباط فقط، بل شاركتهم فيه جميع الأطياف والسياح، ليبلغ عدد المحتفلين به سنويًا مليون شخص في الظروف المستقرة، من الصعيد، وضيوفه، سواء كانوا أقباطا، أو مسلمين، أو أجانب، ليكرسون له 7 أيام من العام، يقضونها في خيام مجهزة، تقام في رحابه، إلا أنهم عادة لا ينامون، بل يتمتعون بطقوس المولد المثيرة، التي تكمن في الأراجوز، الذي يعود أصله إلى الفلكلور القبطي، ويتكون من كلمتين هم “أرا” وتعني “يعمل”، وكلمة “جوز” وتعني “الكلام”، فيكون معناها، يعمل كلام.

 

يسدل الليل في المولد ستائره على خيام فارغة، تنقل فرشاتها لخارجها، ليتسامر الأصدقاء، الذين ربما لا يلتقون كل عام إلا في رحابه، والذين يكفيهم الشاي الدافئ، ليتم عليهم أمان الجلسة، كما يتم فيه لقاءات مقصودة للتعارف، وإتمام زيجات على خلفيتها، فهو وفقًا لوصف الأقباط، “مصيف الغلابة”، بخلاف المتاجر، وحرفة الوشم، والوفاء بالنذور، والولائم، وشراء كميات كبيرة من “الملوخية الناشفة” كهدية للأهل والأقارب، الذين لم يتسنَ لهم حضور المولد، وتسمية الأبناء الذكور الذين يولدون في تلك المنطقة، زريق، وجرجس، والبنات، ماري، وطقوس ختان الأبناء التي يتبارك أهالي المنطقة بإتمامها في نفحات المولد.

 

كل هذه الأجواء المفرحة من كل عام، قد عكرت عام 2011، حينما نشب حريق هائل في خيام المولد، بعد مدة ليست بعيدة من مذبحة ماسبيرو، إلا أن الحريق لم يترك وراءه ضحايا، سوى بعض حالات الاختناق، التي سرعان ما عولجت، للإجراءات الأمنية والطبية المشددة، التي تتخذها الحكومة لتأمين المولد، وها قد جاء قرار البابا تواضروس الثاني، بإلغاء مولد مار جرجس الزريقات لهذا العام، نظرًا للظروف غير المستقرة التي تمر بها محافظة الأقصر، من تظاهرات واشتباكات بين قوات الأمن وأنصار جماعة الإخوان المسلمين، فتظل المنطقة الجبلية في ذلك الموعد من العام كما هي، بعدما اعتادت أن تضحى مدينة وسوق تجاري متكامل، مفعمة بالحيوية، مكتظة بأحبابها، من كل حدبٍ وصوب.

 

You must be logged in to post a comment Login