“ماء النيل”.. فيلم فرنسي مصور في الصعيد في العشرينات

**أسوان والأقصر والنوبة وفنادق “ونتر بالاس” و”شبرد” و”مينا هاوس” والأهرامات.. مواقع التصوير

**أول فيلم فرنسي غير صامت أضيفت له موسيقى وألوان

 

المندرة: حنان سليمان

جرعة مكثفة من أفلام مختلفة ومتميزة تلقاها الفلميون (عشاق الأفلام) في بانوراما الفيلم الأوروبي على مدى عشرة أيام انتهت في الخامس من ديسمبر، وذلك في دورته الثامنة التي ضمت أكثر من 60 فيلما طويلا ووثائقيات وكلاسيكيات من القارة القديمة. لم تقتصر البانوراما هذا العام على العرض في القاهرة مثل السنوات السبع الماضية، بل ذهبت لخارج العاصمة لتعرض أفلامها في ثلاث محافظات الإسكندرية وطنطا والمنيا في بسينما مول سيتي سكيب.

 

ضمن برنامج كلاسيكيات البانوراما، عُرض فيلم “ماء النيل” الذي تم تصويره في مصر بين القاهرة والصعيد مع بعض المشاهد في باريس. ما يميز هذا الفيلم هو أنه أول فيلم فرنسي غير صامت فقد صور صامتا مع وضع بعض اللوحات الكلامية للحوارات الدائرة، لكن عند وقت العرض رغب المخرج مارسيل فاندال في مواكبة التطور الجاري وقتها بإضافة الصوت إلى الأفلام ورأى أن الفيلم لن ينجح لو خرج صامتا كما هو فأضاف له شريط موسيقي، كما أنه أضاف بعض الألوان مثل البرتقالي والأزرق بعد الانتهاء من الفيلم الذي صور في الأصل أبيض في أسود.

 

الفيلم الذي أنتجته شركة فاندال وديلاك الباريسية ومدته 65 دقيقة مأخوذ عن رواية صدرت بنفس الاسم للكاتب الفرنسي “بيير فرونداي” في 1926 وعرض للمرة الأولى في باريس في 19 أكتوبر عام 1928، لكنه تعرض للتلف مع تقادم الزمن، قبل أن يضع المركز القومي للسينما (CNC)، وهو منظمة تابعة لوزارة الثقافة الفرنسية مسئولة عن إنتاج وترويج السينما والفنون البصرية السمعية، خطته لحفظ التراث السينمائي الفرنسي فينجح في إصلاح الآلاف من الأفلام الطويلة والقصيرة بهدف إتاحتهم للجمهور في الإطار الثقافي والقانوني المناسب. وكان “ماء النيل” من ضمن هذه الأفلام فرمم منذ 20 عاما لكن تظل به “خربشات” في الصورة المعروضة. ربما لهذا السبب وبسبب اللوحات الكلامية التي يتم عرضها بين المشاهد على الشاشة بأكملها، تعذر توفر الترجمة للغة العربية على الشاشة، فقامت ماريان خوري، رئيسة بانوراما الفيلم الأوروبي، ود.منى أسعد بالترجمة فورية في السينما عبر ميكروفون.

 

يبدأ الفيلم بنقل صورة من المجتمع الفرنسي لأسرة فقدت عائلها فتجد الأم والابن فرصة للخلاص والالتحاق بركب الأثرياء في الابنة التي يستغلانها لتخليصهم من حالة العوز والاحتياج من خلال تزويجها للثري “فيرسوك” الذي يهتم لأمرها رغم أنه يكبرها بسنوات كثيرة ورغم أن الابنة “آن ماري” تحب شخصا آخر هو “بيير” لكن إفلاسه يمنعه من الفوز بحبيبته.

 

“آن ماري” بطلة الفيلم هي شخصية تثير التعاطف لأنها دائما ما تقع عليها مسئولية إسعاد الآخرين بينما تأتي رغباتها هي في النهاية. بعد زواجها، تنتقل للقاهرة لتعيش حياة مترفة ويظهر هذا في الملابس والاكسسوارات لكنها حياة مملة لأنها تعيش وحدها في مصر بينما يعيش زوجها في باريس. تتكاثر الأقاويل حول السيدة الفرنسية التي تمضي وقتها بصحبة الرجال على الإفطار والتنزه في الموسكي والبازارات السياحية وفي حفلات الشاي بالفنادق الفخمة في مصر العشرينات مثل فندق شبرد الذي تظهر به ساحة خارجية للمطعم تحيط بها الأشجار في جو مشمس دافئ وفندق مينا هاوس الهرم.

 

من هنا مرت السعادة

بعد عامين من افتراقهما، يسمع “بيير” عن حبيبته “آن ماري” ومغامراتها في القاهرة فيقرر التوجه إليها دون اتفاق لرؤيتها مجددا ونصحها بأن تحافظ على سمعتها كزوجة لأنها تثير غيرة الكثيرين. يقابلها فتبدأ رحلة الحب، إذ يتجول الحبيبان بين الأهرامات والقاهرة التاريخية حيث جامع السلطان حسن وجامع الرفاعي والقلعة ومسجد محمد علي، وتظهر الكارته في شوارع المحروسة. يقرر بعدها الحبيبان الذهاب في رحلة إلى الأقصر وأسوان وتظهر مراكب الشراع ونيل وجبال أسوان ومعبد الأقصر وفندق “ونتر بالاس” والنوبة، فيما يشهد معبد الكرنك وأبو الهول على حبهما.

 

لم يظهر الفيلم أي شخصيات مصرية فاعلة فكل من ظهروا كانوا خدم أو عمال أو مصريين فقراء يلهون في مياه النيل. ربما يترك الفيلم انطباعا عنصريا لدى المشاهد بأن العمل الدرامي يظهر الفرنسيين والأجانب بشكل عام بمظهر السادة يحكمون دولا فقيرة ويقيمون مستعمراتهم الخاصة المتمثلة في الفنادق الفخمة ليبنوا عالما خاصا بهم يسكن خارجه المصريون العبيد. لكن الفيلم جاء انعكاسا لكتابات المستشرقين، كما قالت بياتريس دي باستر، عضوة بالمركز القومي للسينما، التي حضرت العرض في سينما “زاوية”.

 

أيضا تقول دي باستر عن الفيلم إن فكرته بسيطة لا دور فيها لمصر سوى أنها خلفية لأحداث القصة حتى “لا يحمل أحد الفيلم أكثر مما يحتمل”. وذكرت أن الأفلام تصور في مصر منذ 1869 لكن معظمها أفلاما وثائقية بعكس “ماء النيل” وهو فيلم روائي.

 

التضحية مجددا

تتردد الإشاعات التي تطول “آن ماري” حتى تصل لزوجها في باريس فيبلغها أنه قادم للقاهرة مع أخيها لزيارتها وأن عليها العودة للعاصمة، بينما يدعوها “بيير” لطلب الطلاق والهروب معه إلى فرنسا. تصرح “آن ماري” لزوجها بأنها تعيسة لكن مصير أهلها يلوح من جديد وتخشى عليهم من الفقر والفضيحة فالزواج من “فيرسوك” كان هدفه تأمين مستقبلهم ماليا. ترفض التضحية والرحيل مع “بيير”، لكنها لا تكف عن الشكوى لزوجها وتعرب له عن رغبتها في العودة لفرنسا فيسألها الزوج صراحة: خلفه؟ أي “بيير” ويسود التوتر.

 

لكن “بيير” لا يعود لفرنسا بل إلى أسوان حيث تعرف مع “آن ماري” على أجنبي مقيم هناك فيقيم لديه ويشكو حبه وهجر حبيبته التي كان ادعى أنها زوجته وقت تعارفهم خوفا عليها من الفضيحة فقد رآهما الرجل يشتركان في قبلة بمعبد الأقصر. يمرض “بيير” ويعييه حبه حتى يموت فترتدي “آن ماري” الأسود وترثيه بمرثية “ماء النيل”، وهو اسم الفيلم، مستحضرة ذكرياتهما في رحلة الصعيد فتقول: تبارك الله. تمر السعادة على ماء النيل.

 

ربما تكون الرواية الأصلية أثرى باللمسات المصرية لكنها تتطلب إتقان اللغة الفرنسية. التصوير كان متواضعا وبسيطا بالنظر لإمكانيات هذه الفترة لكن يحسب له ابراز حتى الألوان التي تمت إضافتها لم تكن ذات جودة، لكن اختيار الموسيقى المصاحبة للمشاهد كان موفقا ومثيرا إيجابيا.

 


موضوعات ذات صلة

One Response to “ماء النيل”.. فيلم فرنسي مصور في الصعيد في العشرينات

  1. ETB Tours Egypt 12:38 صباحًا, 28 ديسمبر, 2015 at 12:38 صباحًا

    اولا اتمني لكم التوفيق
    ثانيا: اتمني الاهتمام بتوضيح المعلومات السياحية للزوار بطريقة سهلة

You must be logged in to post a comment Login