ليبيون من أصول عائلة القذافي يعيشون بالفيوم منذ 85 عاماً وبيوتهم انهارت منذ 15 يوماً

** عزبة الأصفر تعوم فوق المياه الأرضية.. وخمسة منازل متهدمة والشروخ تنتشر في الباقية

** أحد أهالي العزبة: رصينا قوالب الطوب فوق الجدار المتهدم لتسترنا من المارة.. والمحافظة مش سأله فينا

 

الفيوم: هالة مصطفى

كاميرا: رنا ناصف

منذ أكثر من 85 عاماً ويعيش عدد كبير من العرب الليبيين، المنتمين إلى قبيلة “القذاذفة”، أهل القذافي، في عزبة الأصفر بقرية قصر الرشوان بمركز طامية بالفيوم، حيث اشتروا وقتها ثمانية عشر فداناً لزراعتهم و بناء مساكن لهم، ولم ينس “القذاذفة” الفلاحين الذين ساعدوهم لبث الحياة في الامتداد الأصفر، حال العزبة وقتها، فبنوا لهم مساكن معهم، لذلك لا تستطع على الإطلاق أن تفرق بين الليبي والمصري في القرية إلا من خلال اللهجة التي هي مزيج بين الريفية والبدوية الليبية.

 

حب الخلاء الممتد جزء من طبيعتهم، لذلك اختاروا هذه المنطقة التي كانت وقتها امتداداً أصفراً، ومن هنا تأتي تسمية العزبة بهذا الاسم.

 

يقول عمران حسين، كبير العائلة في مصر، والذي يبلغ من العمر 90 عاما، “جئنا مصر بعد أن طردنا الطليان من البلد واحتلوها ولم نكن أول الوافدين، وكان عمري وقتها 4 سنوات”.

 

ويضيف عمران أنه بعد انتهاء الاحتلال الايطالي لليبيا، بسبب هزيمة دول المحور “ألمانيا وإيطاليا”، وانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، عاد البعض إلى ليبيا وبقي البعض الآخر في مصر، وفضل الشيخ عمران البقاء معللا ذلك بـ”ليبيا متقلبة بينما مصر دولة مستقرة بها عدالة”.

 

وطوال الخمسة سنوات الماضية لم يخرج الشيخ عمران من منزله ولا حتى لأرضه، “روحنا وجينا كتير” قالها كبير العائلة، مضيفا أنه لم يعد شيء في الخارج يثيره ليخرج إليه. وعن ليبيا اكتفي بقوله “بعد الاحتلال جاء إدريس ثم معمر ثم هاصت الدنيا”.

 

لكن، لم يعلم أهالي العزبة جمعيهم ما كان ينتظرهم، وكأن القدر يريد أن يمحي معالم هذه القرية التي بنيت بجهود أهلها، ولكنه لم يكن القدر، بل المدينة الصناعية المجاورة لهم، التي تسببت في مشكلة صرف صحي، خاصة وأنها تصرف المخلفات الصناعية عبر مواسير الصرف الصحي، مما أدى إلى تآكلها وانتشار المياه الأرضية في كل مكان، فهدمت البيوت سواء المصنوعة من الطوب اللبن أو الطوب الأسمنتي.

 

انتشرت الشروخ في أرضيات بيوت وجدران عزبة الأصفر، وتهدمت بالفعل خمسة منها بسبب المياه الجوفية، وانتشرت الرطوبة في كل مكان وتحولت الأحجار الصلبة إلى كتل رملية تجعل الأرض والجدران تشع برودة.

 

تطوع أحد الأهالي ليثبت لـ “المندرة” تجربة عملية للكارثة التي حلت بهم، فعبر فوق جدار متهدم لأحد المنازل وانحنى على أسفل جدار المنزل المجاور، وتحرك بأصابع يده خادشا الجدار، فتحول إلى كومة تراب على الأرض، ثم جذب جزءاً بارزاً فخرجت في يده كتلة من الجدار تحولت إلى رمال منسابة بمجرد أن “فركها”.

 

بساطة الإمكانيات هي ما دفعت الأهالي إلى بناء مساكنهم من الطوب اللبن، وعلى الرغم من العمر الطويل لهذه البيوت، الذي يمتد ما بين ست إلى سبع سنوات، انهارت هذه المنازل منذ 15 يوماً.

 

يقول عبد الله عبد العزيز، أحد أهالي العزبة، “عندما ذهبنا إلى المحافظة بعد انهيار المنازل جاء معنا مندوبين من الوحدة المحلية ومجلس المدينة ورصدوا الوضع، وأعطانا عميد هناك رقم هاتفه ورد علينا مرة ثم لم يعد يجيب، وهكذا توقف الأمر عند هذه المرحلة فلم يتبع ذلك أي إجراءات سواء بتعويض أصحاب المنازل المتهدمة أو بناء أخرى لتؤويهم”.

 

ويضيف عبد الله “الناس كتر خيرها جت وبنت البيوت، أكيد مش هانروح نقول لهم تعالوا ابنوا تاني أصل البيوت بتقع”، ويتابع “كمان طلبنا من الري من حوالي ستة أشهر تطهير نهاية بحر عبد الله وهبي اللي بيروي عشرة آلاف فدان سنوياً، واللي جفت مياهه ونمت الأعشاب الطويلة على جانبيه مستهلكة مياهه، وبرضه مفيش إجابة”.

 

وبروح التعاون، بدأ الأهالي في بناء مسكن جديد لأحد الأهالي يُدعى محمود عبد الجواد، صاحب الثمانين عاماً، مراعاةً لكبر سنه وعدم قدرته على تحمل غياب المأوى، وأشار عامل البناء من فوق سطح المنزل إلى أنه يعمل دون أجر مضطرا بسبب عدم تدخل المحافظة، بحسب قوله.

 

وخرج الشيخ المسن ليجلس على عتبة منزله الجديد، قائلاً “كنت مع زوجتي أثناء سقوط المنزل، ولولا أن الأهالي سارعوا بإخراجنا لسقط فوق رؤوسنا.

 

ومازال ميلاد رحومة وأسرته المكونة من ثمانية أفراد، يسكنون المنزل رغم انهيار أحد جدرانه الجانبية، وما استطاعوا فعله هو وضع قوالب الطوب متجاورة فوق الجدار المتهدم ليسترهم عن المارة، ولم يقتصر الأمر على البيوت المبنية بالطوب اللبن، حيث يقول صبحي عبد الحميد، الذي انتقل هو وأسرته المكونة من أربعة أفراد إلى منزل عمه بعد انهيار منزله، “هذا البيت مبني من حوالي سبع سنوات من الطوب الأسمنتي وليس اللبن ومع ذلك ظهرت فيه نفس المشكلة.. التشققات في كل مكان”.

 

امتدت الشقوق والشروخ أيضاً، إلى البيوت الحديثة التي بنتها جمعية الأورمان الأهلية من الطوب الأبيض، حيث انهار أحدها رغم أنه بني منذ عام واحد فقط.

 

لم تتوقف معاناة أهالي عزبة الأصفر عند انهيار منازلهم، بل امتدت لتشمل مشاكل في الكهرباء ومعاناة من الازدحام، وقالت إحدى الأهالي “هنا كل حاجة ناقصة البشر، بصوا لعامود الكهرباء مائل إزاي، وده بسبب تفكك الأرض من المياه الملحية اللي بتسبح فوقها، فلقينا العامود يميل وممكن يقع وتقطع الأسلاك الكهربية المتصلة به، وطلبنا أكثر من مرة من مسئولي شركة الكهرباء أن يأتوا لإصلاحه ولكن مفيش إجابة”.

 

ذكر الأهالي أن القذافي زار الفيوم مرتين، الأولى لعزبتهم، والثانية التقى فيها قيادات المحافظة في الأوبرج “فندق مطل على بحيرة قارون”.

You must be logged in to post a comment Login