“كان ياما كان”.. أصل الحكاية الشعبية

كان ياما كان

كان ياما كان

**الحكاية تبدأ بالذكر والصلاة ع النبي وتنتهي برأي الجمهور

**الخطأ يوّلد البطل ويكسبه قيمة من رحلته

 

المندرة: ءالآء علي

“كان ياما كان” هكذا يبدأ القاص أو الراوي الحكاية الشعبية أو “النمة” لنفر من الناس يجلسون منتبهين لمعرفة الحكايات التي يكون بطلها فرد أو أكثر خاضوا تجربة ما أو مشكلة ما يخسرون ويكتسبون بسببها قيما تجعلهم يرون الحياة بمنظور مختلف. ينتهي الصديق من الحكاية ويسمع أراء الأخرين فيما قال، متمنيين النهاية السعيدة للأبطال.

 

البدايات

تختلف بداية كل راوٍ لقص الحكاية وإن كانت هناك سمات مشتركة لدى معظمهم، كما تقول أسماء عبد الرحمن في كتابها “الحكايات الشعبية في أسيوط”، إذ يعتدل الراوي في جلسته ويبدأ بعضهم بلفظ الجلالة “الله” بصيغة الأمر “وحدوا الله”، وقد يكون عن طريق البسملة “بسم الله الرحمن الرحيم” وهذه الفواتح تكون غالباً للحكايات القصيرة، والخفيفة، ذات المحور الواحد، البعيدة عن التعقيد مثل حكاية “الغول والسبع بنات، وحسن وعابد”.

 

أما الصلاة على النبي فهى الفاتحة الغالبة للحكايات الطويلة المعقدة متعددة المحاور، وتتعدد أنماطها بين: “صلي على النبي، صلي عليه يا أختي، صلي عليه يا أختي وكمان زيدي النبي صلاة، بص وصلي على النبي، صلي على النبي اللهم صلي عليك يا نبي، صلوا على النبي اللهم صلي عليك يا نبي”. ولا تقتصر هذه الصيغة على المسلمين فقط، فغالباً مايقوم الراوي غير المسلم بقول: “صلي ع النبي” كجزء من النص ويحافظ عليها حفاظا على النص. وهناك من يجمع بين ذكر الله ورسوله مثل: “ما تصلوا ع النبي وتوحدوا الله”.

 

وهناك صيغ أخرى يتخذها الراوي وتختلف من راوٍ لآخر وهى صيغ أمرية لجذب انتباه المستمع مثل: “ركز معايا، بصي يا ستي”، وهناك فواتح منتشرة في الحكايات الشعبية عامة، وهى أولها: “كان ياما كان ما يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام”، وهى سمة لا تُعرف الحكاية الشعبية إلا بها.

 

تبدأ الحكاية الشعبية أيضا بصيغة الماضي مثل: “كان فيه واحد/واحدة”، أو”كان فيه واحد وواحدة”، “كان فيه ملك”، “كان مرة..”، “كان فيه..”، وربما أيضا يستغنى عن الفعل الماضي دون تغيير في الزمان والمكان والبدء بـ “واحد أو واحدة” وتتسم بالقصر والخفة وعدم التعمق. وهناك حكايات تبدأ دون مقدمات فتبدأ باسم البطل مباشرة مثل: “أبو الحسين والقنفذ زرعوا زرعة مع بعضيهم..”.

 

أبطال كادحون هائمون

تعد الحكاية الشعية تعبيرا عن الحياة الاجتماعية التي يكون فيها البطل، رغم وجود استثناءات، انسانا به الضعف والقوة، ينتابه ما ينتاب البشر، يفرح، ويحزن، يغضب، ويسامح، ويتهور، ويتريث، ويخطئ، ويصيب، ويتعلم، ويقبل النصيحة، ويرفضها.

 

قد يضطر البطل للكذب مخالفاً مثالية الأبطال في الحكايات، وقد يسمع نصيحة أبيه في حكاية أخرى، فالبطل رغم التزامه بالعادات والتقاليد، وتضحيته بنفسه من أجل تلك العادات، فهو إنسان تدفعه أهواؤه غير مبالٍ بالعادات والتقاليد، فهو يريد الزواج من أخته التي سحره جمالها وفتنته عيونها “لأنه لف الدنيا كلها عشان يلاقي في جمال أخته ملقيش” كما في حكاية “عبلة والشاطر حسن”. ينتمي معظم الأبطال إلى طبقات فقيرة أصحاب حرف صغيرة؛ لكسب تعاطف الجمهور مثل: الفلاح، الحطاب، راعي الأغنام والصياد.

 

ولاسم البطل دلالة، فالشاطر حسن يحمل صفات حسنة من شهامة، وشجاعة، وكرم، وحسن البدن، والمظهر متمثلاً في قوته العظيمة. التصق اسم “الشاطر” دائماً بالبطولة، واسم “صادق” ارتبط بالأمانة والصدق، والبنت أدب حيث اتسمت بأدب خلقها، و”ست الحلوين” التي اتسمت بالجمال، و”الست تهاني” التي اتسمت بأنها سبب سعادة وهناء الآخرين، وغيرهم.

 

يوصف البطل الشاب بصفات واقعية أحياناً؛ ليجعله الراوي أكثر قربا للأشخاص في مجتمعات الجمهور المستمع، فيوصف أحياناً بالعناد، وعدم تقبل النصيحة، وعدم الاتعاظ إلا بعد تجربته الشخصية التي يمر بها. أما المرأة البطلة فتكون قوية الشخصية، تواجه المشكلات دون خوف أو تردد، لا تبارز بالسلاح ووسائلها الدفاعية في كلامها، ولكن كل هذا ضمن حدود المجتمع، والعادات، والتقاليد، فقد استترت خلف الرجل في بطولتها إليه مكتفية بمكانتها عنده غير مبالية. أما البطل الشيخ فهو دائما يتسم بالحكمة وتقديم النصيحة فهو الوالد والعم والخال والجد والأخ الأكبر والأستاذ.

 

وترتبط شخصية البطل بالمرحلة العمرية، فأهدافه تتراوح بين الزواج، والثراء، والمُلك، والتي تختلف عن الشيخ الذي سعى للإصلاح والخير بالنصح، والإرشاد، غير باغ أي مصالح ذاتية.

 

النهاية السعيدة

آخر ما يقع على أذن المستمع هو لحظة تتويج الأحداث والوصول للحل أي النهاية وهي من جنس العمل، فالحق ينتصر، والظلم ينهزم، وبالتالي طغت النهايات السعيدة على الحكايات الشعبية، وكثيرا ما ارتبطت بالبطل، وهذه النهايات تشفي غليل المستمع وتبهج نفسه بعد الرحلة الطويلة. وقد تأتي عن طريق وسائل غيبية كالجان، أو الملائكة، أو الأدوات السحرية كالعصا، والمرآة، والخاتم، فكلها وسائل تحول البطل من الشقاء للراحة والسعادة. وهناك وسائل إنسانية التي تحمل رسالة فحواها: “قوة الإنسان أقوى من أي شئ”.

 

واتخذت النهايات بعض الأشكال أشهرها: “وتوتة توتة خلصت الحدوتة حلوة ولا ملتوتة”، و”عاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات”، و”يا خاطر يا مختار ودي أمي الغشاشة النار”، وأحياناً تنتهي بحكمة أو مثل: “لو كنت سمعت الكلام ماكنش اللي جرى كان”.

 

وقد تنتهي الحكاية بشكل إستفهامي، فإما أن يكون المستفهم عنه جزء من أحداث الحكاية الشعبية، ومكملاً لها، أو يكون جواباً لاستفهام مسبق. وقد يكون الأسلوب الاستفهامي “لازمة” لدى الراوي مثل: “أما احنا يا ستات فعلنا تقيل”. وقد تكون النهاية تعجبية مثل: “سبحان الله العاطي”.

 

You must be logged in to post a comment Login