قرية النساجين بسوهاج.. أُنشئت بمعونة كندية وقضت عليها الحكومة المصرية

**18 نولا باقٍ من أصل 150 بعد هجر النساجين للقرية لتوقف الحكومة عن تسويق منتجاتهم

 

سوهاج: شيماء دراز

“مانشيستر ما قبل التاريخ” لقب كان يُطلق على مدينة بمحافظة سوهاج, لانتشار صناعة النسيج بها منذ عصر الفراعنة، وذلك نسبة لمدينة مانشيستر البريطانية والتي تشتهر بصناعة النسيج الحديث.

 

استمرت أخميم في صناعة النسيج اليدوي على النول، فمعظم المنازل بالمدينة كانت تحوى نول حتى أوائل التسعينات، عندما أقامت الدولة قرية للنساجين بالمركز لتحافظ على الحرفة من الانقراض, حيث أنشأت وزارة التنمية المحلية بمعونة كندية قرية النسيج وبها 150 بيت ريفي مزود بنول، للعمل عليه لتكون قرية سياحية لا تنتج سوى النسيج ولا يعيش بها سوى النساجين، يزورهم السائحون ليحصلوا على نسيج أخميم وتسوق الدولة المنتجات.

 

صُممت المباني بالقرية على الطابع الحديث، فكل منزل من طابق واحد وملحق به حجرة للنول، وكانت الوزارة تزود النساجين بالأقطان والحرير للنسيج, وتسوق المنتجات جمعية وحده تنمية المجتمع للمشروعات الصغيرة ومحافظة سوهاج, حيث تنتج القرية “كوفرتات، ومفارش للسرير، وسفرة، وشيلان، وطرح، وفساتين، وستائر، وكل منتجات النسيج”، وباع النساجون منازلهم وحصلوا على منازل بقرية النساجين واستقروا بها بإيجار شهري 50 جنيه.

 

وبمرور السنوات ينقلب حال القرية رأسا على عقب, فعندما ذهبنا لزيارتها وجدناها خالية من قاطنيها، وكلما تجولنا داخلها رأينا الطيور والحيوانات قد أطلق لها العنان بشوارع القرية، رغم أنها قرية سياحية، والصمت يخيم عليها، لا يقطعه سوى صوت عدة أنوال من بعيد، حيث يوجد ما تبقى من النساجين.

 

مأساة يعيشها الصامدون بالقرية من النساجين، فقد انتهت صناعة الحرير، ورغم توقيع محافظة سوهاج لبروتوكول مع الجامعة, بإنشاء مزارع توت وتربية دودة القز وإنتاج الحرير لصالح قرية النساجين، إلا أن المشروع لم يكتمل ولا يحصل النساجون على الحرير.

 

وتوقف أيضاً صرف القطن لأهالي القرية من سنوات، وأصبحوا يشترونه على حسابهم، وأغلقت جمعية المحافظة أبوابها فلم تعد تسوق إنتاجهم، خاصة بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث أصبح كل نساج مسئول عما ينتج، بالإضافة لفرض ضرائب عليهم بواقع 25 جنيه شهريا، ورسوم نظافة وتجميل مدينة وإيجار المنازل، وذلك رغم أن القرية أنشأت بمعونة كندية.

 

ولعدم تسويق المنتجات وغلاء خامتها، تراكمت عليهم الإيجارات فلم يملكوا الخمسين جنيها إيجار الشهر، وتعرض الكثيرون منهم للحبس ستة أشهر لتراكم الإيجار، مما اضطرهم لترك النسيج والبحث عن مهنة أخرى تدر دخلا، فباعوا منازلهم لعمال بمدينة الكوثر ونجارين وسائقين، وتغيرت معالم القرية وفقدت طابعها السياحي.

 

عبد الصبور عبد القادر، شيخ النساجين بالقرية، قال إن النسيج مهنة أجداده ولا يعلم له مهنة أخرى، ولكنه حزين لما وصلت له، وكذلك حزين على أولاده الذين اكتسبوا منه المهنة ولا يجيدون صنعة أخرى، فلديه 11 ولد وبنت، جميعهم لم يكملوا التعليم.

 

اضطر النساجون للعمل والبيع قطاعي، فمثلا الكوفرتة كانت تسوقها المحافظة في معارض دولية ويصل سعرها لسبعمائة جنيه، أصبحت تباع قطاعي بـ50 أو 30 جنيها، فضلا عن انعدام الخدمات في القرية، فلا توجد مدرسة أو مستشفى أو سوبر ماركت، فمكان السلع الوحيد هو الفنادق وأسعارها باهظة.

 

في البداية كانت القرية تضم 150 نول، و150 نساج، أصبحوا حاليا 18 نول و10 نساجين، والباقين باعوا أنوالهم وتركوا القرية، وذلك لأن في البداية كان يوجد اهتمام بالقرية، لكن الآن لا يهتم أحد بها، وأصبح الشغل بالطلب حتى أن كثيرا من الفنانات مثل مديحة كامل وسهير المرشدي وحنان مطاوع، كانوا يشترون من القرية فساتينهن.

 

عاصم عبد الحليم، مسئول تسويق جمعية الصناعات الصغيرة, قال إن صناعة النسيج أصبحت تعانى من قلة التسويق الآن، فلا يوجد تصدير بعد الثورة ولا توجد سياحة، مشيراً إلى أن المعونة الكندية انتهت، ولا توجد ميزانية لعمل معارض. ونفى أن يكون لديهم حل للمشكلة، فهم ينتظرون راعى, لأنهم جمعية أهلية ويحتاجون لراعي لمشروع النسيج، والمحافظة لا تتحرك رغم أن المجلس المحلى على بعد خطوات من القرية، بحسب قوله.

 

وبعد إهمال الدولة للقرية، كان لابد لرجال الأعمال من دور، حيث قال الحاج إمام يوسف، مستثمر وصاحب مصنع نسيج، إن النسيج الأخميمي له شهرة في العالم كله ويلاقى رواج، ولكن الدولة لا تسوقه, حيث يقوم هو بجمع المنتجات وتسويقها بالخارج بدول أروبية وعربية وأفريقية وفتح أسواق لها هناك، مشيراً إلى أن نسيج أخميم له شهرة كبيرة في أوغندا وأديس بابا، حيث يُطلب كثيرا ويقام له معارض خارجية.

 

يرفض يوسف المشاركة بأي معارض خاصة بوزارة الصناعة أو الدولة، لأن الدولة لا تتعاون مع رجال الأعمال، فمنذ خمس سنوات اشترك في معرض خاص بوزارة الصناعة ببضاعة بمائة ألف جنيه من نسيج أخميم، واستلموا البضاعة وأبلغوه بعدها أن المعرض قد ألغي، فذهب لاسترداد البضاعة ففوجئ أنها قد سرقت من مخازن الحكومة، ورفضت الوزارة تعويضه عن البضاعة، بحسب قوله.

 

ذهبنا لوحدة تسويق المحافظة بالقرية، لنجدها مغلقة منذ سنوات، وعليها قفل أكله الصدأ كما أكل الكثير من قرية النساجين.

 

 

 

You must be logged in to post a comment Login