“قايتباي” مسجد العهد المملوكي بالفيوم في حاجة للإنقاذ

** الصرف الصحي تسبب في سقوط أرضية المسجد والأهالي حاولوا معالجته بألواح خشبية

الفيوم: هالة إمام

كاميرا: سعاد مصطفى

اسمه غير معروف رغم أنه أحد أعرق المساجد الأثرية بالفيوم، سائق سيارة الأجرة تعرف عليه بعد عبارة “اللي عند مسجد الروبي” في إشارة إلى مسجد الشيخ علي الروبي الشهير. من يعرفونه بين أهل الفيوم يعرفونه باسم جامع “قايتباي”، وفي إدارة الآثار الإسلامية والقبطية تجده مسجلا باسم “جامع خوند أصلباي” نسبة إلى زوجة السلطان المملوكي قايتباي التي أنشأته في فترة حكم ابنها السلطان الناصر محمد بن قايتباي (1495- 1498م).

 

بدأت أعمال البناء بالمسجد عام 1497 واستمرت ثلاث سنوات، يقع على الضفة الغربية لبحر يوسف، على ناصية الطريق المؤدي إلى مسجد الشيخ علي الروبي وضريحه الأثري.

 

كان نصف المسجد يقع على بحر يوسف فوق قنطرة بفتحتين “كوبري المطافئ” حاليا، والنصف الآخر فوق الأرض، ولكن حدث تصدع في المسجد عام 1887، وانهار نصفه المقام على القنطرة عام 1892 نتيجة انهيارها هي الأخرى في بحر يوسف اثر فيضان شديد، حينها حافظت لجنة حفظ الآثار العربية على الأجزاء الباقية منه، وقلصت مساحته لتصبح الجزء المبني على الأرض فقط، وظل كذلك حتى وقتنا الحالي.

 

أجزاء الجامع من الداخل..

تقول إحدى مفتشات إدارة الآثار الإسلامية والقبطية إن أجزاء الجامع أصلية فقط تم ضغطه وإعادة تجميعه، وتؤكد أن “القنطرة أو كوبري المطافئ” كانت صحن المسجد في الماضي، وأن المدخل لم يكن في هذا الموقع ولا كان بهذه الانحرافة، بل تم تفكيكه وتوثيق مكان كل جزء فيه، ثم أعيد تركيبه بنفس هيئته الأصلية التي بني عليها.

 

مصراعي الباب مزخرفين من الخارج بحليات نحاسية، ومن الداخل تم استخدام زخرفة المفروكة، وهي نوع من الزخارف الهندسية في الفنون الإسلامية تعتمد على الخرط الخشبي كالأرابيسك، حدثت سرقات لأجزاء من الزخارف النحاسية الخارجية على فترات مختلفة كان آخرها خلال أيام الثورة الأولى، حيث استغل اللصوص الانفلات الأمني الذي حدث وقتها وقاموا بالسرقة.

 

الأعمدة أيضا أصلية ولكنها غالبا تكون مجلوبة وليست مصنوعة خصيصا للمسجد، حيث كانت تؤخذ من مباني قديمة أو مدن تحولت إلى خرائب، لأن تصنيعها صعب بدء من عملية جلب الرخام من المحاجر حتى تصنيعه، وتزداد الصعوبة في الأقاليم، لذلك يمكن ملاحظة أن مباني الأقاليم أفقر من العاصمة لبعدها عن المواد الخام، والاهتمام بها بسيط، فمهما كان صاحب المنشأة لديه سلطة ومال، إلا أنه دائما يشيدها بفكر أنها بناية في إقليم لا في العاصمة، ويمكن الاستدلال على ذلك من اختلاف أشكال تيجان أعمدة المسجد من عمود لآخر، فهناك التاج الناقوسي، والقرنسي نسبة إلى نبات كانت أوراقه تستخدم بكثرة في المباني الرومانية بمصر سواء مرسومة أو منحوتة.

 

والمفترض في الأعمدة أن تكون مصمتة إلا أن أحدها به تجويف مغلق في منتصفه تقريبا على شكل كأس، وتقول عنه مفتشة الآثار “هذا الجزء يفتح ويقال أنه كانت به وثيقة المسجد إلا أنه لا يوجد تأكيد على ذلك، المؤكد أن هذا الجزء مجوف، أما إذا كان قد حوي شيئا في أحد الفترات وماهيته فغير مؤكد”.

 

المنبر مطعم بالعاج، سن الفيل، ولكن بسبب تأثير الرطوبة وغيرها من العوامل تسقط بعض الأجزاء الصغيرة أو الضعيفة من مكانها في الخرط، حالته جيدة إلى حد ما مقارنة ببقية أجزاء المسجد إلا أن الرطوبة بدأت تؤثر عليه، وبالنسبة للجزء العلوي منه فزخارفه ليست مطعمة ولكنها منحوتة ومرسومة بالألوان فبدأت تتقشر وتسقط بسبب الرطوبة.

 

أيضا “حنية المحراب” المجاورة للمنبر كلها بالألوان إلا أنها بهتت، وبجوارها لوحة رخامية عليها كتابات منحوتة أصبحت غير واضحة، وعند الترميم تراعى محاكاة الألوان الأصلية قدر الإمكان، ويتم الاستعانة بالكتابات القديمة الموثقة عن المبنى في حال وجودها، وهو ما حدث بالفعل خلال ترميم مسجد “المعلق”.

 

هل بني “قايتباي” على أنقاض مسجد أقدم؟

تشير الكتابات الموجودة على لوحين من الرخام مثبتين على كتلة المدخل إلى أنه “كان ابتداء الهدم والتنظيف في الجامع والقناطر في خامس عشر شوال سنة ثلاث وتسعمائة، وانتهاء عمارته في ربيع الآخر سنة خمس وتسعمائة”، ويرى البعض أنه يفهم من عبارة “وكان ابتداء الهدم والتنظيف” أن جامع خوند أصلباي بني في موضع جامع أقدم منه.

 

عُثر عام 1892 في الناحية الشمالية للجامع على لوحة رخامية مثبتة في بوابة صغيرة مطمورة تحت الأرض كتب عليها نص من خمسة أسطر يرجع إلى 60 عاما قبل إنشاء مسجد خوند أصلباي، الأمر الذي يؤيد فكرة الجامع الأقدم، وأن البوابة التي عثر عليها كانت جزءا منه، وتتحدث الكتابة على اللوح عن إلغاء السلطان “جقمق” أموال كانت مستحقة على أهل الفيوم.

 

ولا يعني ذلك بالضرورة أن السلطان “جقمق” هو منشئ المسجد الأقدم، فلا يوجد ما يؤكد ذلك وقد تكون اللوحة وضعت في المسجد للإعلان عن قرار السلطان ليس أكثر، والبعض يرجح أنه كان أحد مساجد العصر الأيوبي، إلا أن الثابت أن المسجد اندثر في عهد “جقمق”، حيث تحدث المقريزي عن خراب مدينة الفيوم وجلاء أهلها عنها عام 1440 في عهد السلطان “جقمق”، لغلبة ماء بحر يوسف.

 

“قايتباي” يحتاج إنقاذا..

لا يحتاج الأمر إلى خبير لإدراك حاجة المسجد الأثري إلى ترميم، يمكنك بسهولة ملاحظة الشروخ العميقة في واجهة المسجد وجدرانه الخارجية، والتي يمتد بعضها إلى حوائط المسجد من الداخل، الرطوبة المنتشرة بجدران وأرضية المسجد تظهر جلية سواء من الخارج أو الداخل.

 

قالت مفتشة الآثار إن الأهالي حاولوا معالجة الهبوط الأرضي في المسجد بوضع ألواح خشب لجعل الأرض مستوية قدر الإمكان، ولكن الهبوط واضح جدا إذا نظرت إلى الأرضية ستجد بلاطها متكسر، مشيرة إلى خطورة الشروخ التي بدأت تنتشر في عقود المسجد، وهي الجزء المحمول على الأعمدة ويصل بينها وبين السقف، لأن ذلك يعني أن القوالب الحجرية المكونة للعقد حدث بها تباعد مما يجعل العقد آيلا للسقوط وبالتالي السقف، ويشكل خطرا على حياة المواطنين الموجودين بداخله.

 

“خلل نظام الصرف الصحي ومياه الشرب بالمنطقة المحيطة بالجامع تسبب في وجود مياه أرضية أسفل أساساته، مما أدى لهبوط أرضية المسجد في مناطق متفرقة، وسبب الهبوط بدوره شروخا في جدران وعقود الجامع”، قالها محمد حامد، أخصائي الترميم بقطاع المشروعات، محددا السبب الرئيسي للمشاكل التي تواجه المسجد.

 

أضاف حامد “وطبعا سيتكلف إقامة شبكة صرف ومياه شرب للمنطقة بأكملها مبالغ كبيرة لن تستطيع ميزانية الترميم تحملها، لذلك نلجأ في هذه الأحوال إلى نظام إنشائي بديل للأساسات المتهالكة للمبنى يهدف لنقل أحمال المبنى لطبقة صخرية أعمق بدلا من الطبقة التي أثرت الرطوبة في صخريتها وتماسكها”.

 

يقول حامد أن حالة المسجد لم تبلغ درجة السوء التي تجعله يهدد حياة من بداخله، مؤكداً أن ذلك يحدث إذا اتسع أحد الشروخ فجأة بشكل كبير، فحينها يتم إغلاق المسجد لحين ترميمه كما حدث في مسجد “المعلق”.

 

قدر حامد ميزانية الترميم التي يحتاجها المسجد بشكل مبدئي بثمانية ملايين جنيه، مشيرا إلى أن التقدير المبدئي لميزانية ترميم “المسجد المعلق” كان أربعة ملايين، إلا أنها بنهاية عملية الترميم كانت قد وصلت إلى أكثر من الضعف.

 

أثر تلوث الهواء المحيط بفعل عوادم السيارات على المبني خاصة مع وجوده قرب بحر يوسف، الذي يزيد من رطوبة المنطقة، هذه الرطوبة التي تتحول فجر كل يوم لقطرات من الندي تستقر على جدران المسجد وتتفاعل معها بما تحمله من أحماض كربونيك وكبريتيتك وهيدروكلوريك، فتتسبب في تآكلها.

 

تتولى وزارة الدولة للشئون الأثرية ترتيب أولويات احتياج المواقع الأثرية للترميم، وأرسلت الوزارة بالفعل لجنة لمعاينة المسجد في إبريل الماضي وتبعتها عدة لجان على فترات مختلفة من العام كان آخرها الشهر الماضي.

 

ويتبع المسجد الأوقاف إداريا، والآثار ترميميا وإنشائيا، ويقترح أخصائي الترميم بقطاع المشروعات تعاونا أكثر فعالية على مستوى المسئولين بوزارتي الآثار والأوقاف فيما يصب في مصلحة المناطق الأثرية الإسلامية، من خلال التنسيق بين الجهتين الرسميتين فيما يتعلق بتكاليف الترميم.

You must be logged in to post a comment Login