في حادث البدرشين: المصري رجع بشهامته وبان على أصله

والحوامدية: هدير حسن

“المصري معروف بشهامته”، “المصريين شعب عظيم” جمل وكلمات قد يظن البعض أنها اندثرت أو تلاشت، ولكن جاء حادث قطار البدرشين المؤسف ليحيها مرة أخرى، فعلى الرغم من قسوة الحدث، وأن الدم لم يبرد بعد على القضبان، إلا أن الحادث استطاع أن يُظهِر الوجه الأخر للمصريين أو قل “الوجه الحقيقي”.

 

منذ وقع الحادث وأهالي البدرشين والحوامدية لم يهدأ لهم بالاً، فمن نقل المصابين والضحايا إلى الاعتناء بهم وبمتطلباتهم، ومحاولة إبلاغ عائلاتهم وأسرهم وزيارتهم بشكل مستمر طوال أيام بقائهم في المستشفى، حيث قام مجموعة من شباب مدينة الحوامدية بطبع لافتات ولصقها على جدران مستشفى الحوامدية العام وعلى أبواب حجرات المصابين بالمستشفى كتبوا عليها “خدمة شباب الحوامدية 24 ساعة: لا تحرج حتى لو احتجت حد يدخل مريض الحمام أو احتياجات طبية أو ماديات”، تاركين رقم للهاتف يتصل عليه من يريد.

 

يحكي المجند المصاب علي أحمد أبو راضي، أثناء علاجه بمستشفى الحوامدية، “الأهالي مسبوناش، عاملونا كويس وهما اللي أنقذونا”، ويؤكد عمه عبد الرحيم عبد الحميد “أنا أول ما وصلت أهالي الحوامدية هما اللي وصلوني لعلي، وحكالي إزاي نقلوه على عربياتهم الخاصة للمستشفى”، ويضيف شقيق المجند المصاب ناجي شمس الدين “الأهالي نقلوا أخويا للمستشفى ولا كان في إسعاف ولا كان في دكاترة، حتى القطن والشاش بقوا يجمعوا من بعض ويجيبهولهم من بره”.

 

وكان أهالي الحوامدية قد قاموا بحملة للتبرع بالدم ونادوا في المساجد أن يقبل الناس على التبرع بالدم للمصابين في الحادث، على الرغم من عدم احتياج المستشفى كما أكد الدكتورعبد العاطي حامد، وكيل مستشفى الحوامدية، قائلاً “في دم في المستشفى يكفي لأي طوارئ، لكن المصريين معروفين بالشهامة، عشان كده الأهالي حبوا يتطوعوا بالتبرع بالدم”، إلا أنهم أصروا أن يقوموا بواجبهم على أكمل وجه.

 

ويرى المجند المصاب عبد الموجود عبد الناصر أنه لولا تعاون الأهالي ومساعدتهم لكان في عداد الأموات، ويضيف “الأهالي متأخروش علينا في حاجة، إحنا جينا المستشفى على أكتافهم، حتى لما الإسعاف وصلت فضلوا مكانهم ومعملوش حاجة والناس هي اللي عملت كل حاجة”.

 

وكان أهالي الحوامدية قد أخذوا على عاتقهم مسئولية نقل المصابين إلى المستشفى والاطمئنان على حالتهم الصحية ومحاولة توفير الأدوات الطبية التي لم توفرها المستشفى، ومحاولة الاتصال بالأطباء ليحضروا لمعالجة المصابين.

 

وعند وقوفك لدقيقة داخل إحدى غرف المصابين بالمستشفى، تجد الأهالي يطلون عليهم من وقت لأخر، حاملين معهم ما قد يحتاجه المريض من مشروبات وأغذية وأحياناً مساعدات مادية، مما جعل أهل المصاب باشا محمود باشا يقومون بطباعة لافتة انتشرت على جدران المستشفى يشكرون فيها أهالي الحوامدية على مساعدتهم له.

 

لم تكن الحوامدية وحدها، وإنما البدرشين أيضاً، فيقول أحمد ماجد، أحد أهالي البدرشين، “أنا أول مرة أشوف أهل البدرشين متجمعين كان في يوم الحادثة، كلنا كنا بنحاول نساعد اللي بيجيب قطن، اللي بينقل مصابين، حتى الونش حاولنا نجيب بداله جرار عشان ننقذ الناس بسرعة”، وكان أحمد من أكثر من تواجدوا بالقرب من المصابين بمستشفى البدرشين المركزي، ليناول هذا دوائه، ويواسي ذلك، محاولاً أن يفرج عنهم الكرب الذي ألم بهم بعد الحادث.

 

كان أهالي البدرشين قد قاموا بقطع طريق السكة الحديد، في اليوم التالي للحادثة، اعتراضا منهم على تراخي المسئولين وطالبوا في وقفتهم بضرورة حضور رئيس الوزراء ليرى أحوال المصابين وليصلح من شأن السكة الحديد، وأكدوا خلال وقفتهم “إحنا واقفين هنا عشان في مصريين ماتوا مش مهم هما من البدرشين أو غيرها، لكن إحنا مش هنمشي إلا لما نظمن على حالتهم”، مما أجبر رئيس الوزراء هشام قنديل على زيارة موقع الحادث ليهدئ من روع الأهالي ويفتحوا الطريق أمام القطارات مرة أخرى.

 

ويحكي أحد الأهالي “انتو مشوفتوش اللي احنا شوفناه، إحنا شيلنا جثث ومصابين على التكاتك وعلى العربيات النصف نقل ومحدش عبرهم”، وأضاف أخر “إحنا كنا بندور على الجثث في الزرع بمجهوداتنا، والإسعاف جت بعد الحادثة بساعة، ومظهروش غير لما الفضائيات جت وصورت”.

 

ضحايا حادث البدرشين ستظل ذكراهم خالدة في العقول وجرحهم مزروع بالقلب، ولكن الحادث أثبت إنه ليس جديداً على المصريين أن يتصفوا بالشهامة، وليس غريباً أن تظهر عظمتهم بمثل هذه المواقف، ولكن إلى متى سيكون الاعتماد فقط على نبل المصريين؟.

You must be logged in to post a comment Login