‘‘فولجا’’ سيارة تُعيد سوهاج للعصور الوسطى

سوهاج: شيماء دراز

تراها تجوب شوارع غرب أخميم، غريبة الشكل تلفت نظرك للوهلة الأولى، كأنها آتية من العصور الوسطى، أو مملوكة لأحد الأمراء، وتُعجب هيكلها الدائري وصوتها الجهوري، وكأنها تعمل بالفحم. لا يعرف سائقوها تاريخ صنعها، فقد توارثوها عن الأجداد دون أن تمل منهم أو يملوا منها على مدار أجيال، ولا يعرفون عنها سوى اسمها.. السيارة الـ‘‘فولجا’’.

 

سيارة ذات طراز عتيق، لن تراها سوى بمدينة أخميم، حيث تخدم الخط الذي يربط شرق سوهاج بغرب أخميم، في رحلة لا تتجاوز الـ15دقيقة، بطريقة مستقيمة من أمام مبنى المحافظة مرورا بمدخل أخميم وصولا إلى موقف ‘‘الست عزيزة’’ بغرب المركز.

 

رحلة تقضيها في سيارة سائرة تارة على الأرض وتارة أخرى ترتفع عنها، وكأنك داخل إحدى ألعاب مدينة ملاهي، وأنت جالس على كرسي كبير في الخلف، كأنة قطعة من طقم صالون كلاسيكي تنجيده مثير، تتسع لثلاثة أفراد رغم أن السائق لا يتحرك بالسيارة إلا بعد ركوب أربعة أشخاص، مرددا عبارته الشهيرة ‘‘شيلو بعض’’.

 

في الأمام تجد القطعة الأخرى من طاقم الصالون، ممتدة دون فاصل بين السائق ومن يجاوره، فالكراسي ليست مستقلة، وهو ما يستغله السائق لزيادة عدد الركاب، فيجلس بجانبه اثنين وليس راكبًا واحدًا. تعريفة الركوب ثابتة، وهي جنيهًا واحدًا، لتستقل سيارة يعتبرها كثيرون ‘‘متحفًا متنقلًا’’.

 

محمد وجدي، سائق إحدى سيارات الفولجا، يقول إن المكان الطبيعي لتلك السيارة هو المتحف، لكنه مضطر لاستخدامها بحثا عن لقمة العيش، ‘‘اللي بقت بتيجي بطلوع الروح’’، معبرًا عن أهمية وقيمة السيارة بالنسبة له، حيث ورثها عن جده.

 

وعن تاريخ صنعها، فلا يتذكر وجدي متى اشتراها الجد، فطوال أربعة وثلاثين عاما، هي سنوات عمره، يرى السيارة مملوكة لجده ووالده، وتمتاز السيارة بتوفير البنزين، كما يذكر وجدي، لأنها تسير بالجاز وليس البنزين.

 

فكر علاء مسعود، سائق سيارة فولجا، كثيرا، في شراء سيارة ‘‘تاكسي أبيض’’، لتحسين دخله والعمل كأي سيارة أجرة، والاستغناء عن التعريفة الثابتة التي لا تحقق دخلًا، لكنه لا يملك ثمن المقدم، ويخشى من عدم سداد الأقساط، في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وعن الـ‘‘فولجا’’، فيقول علاء إن حجمها يجعله والركاب يشعرون بالعظمة والفخامة، لارتفاعها عن الأرض نسبيا مقارنة بالسيارات الحديثة.

 

أما ركاب السيارة العريقة، فتباينت آرائهم بين مرحب وسعيد بركوبها، وبين من يريد استبدالها بسيارة عادية، ومن لا يعني لهم الأمر شيئًا، سوى أنها وسيلة مواصلات، فتقول ريهام محمد، طالبة جامعية، إنها غير معنية سوى بالوصول من وإلى سوهاج، وإنها لا ترى السيارة غريبة، لأنها اعتادت على ركوبها منذ الطفولة.

 

ويفخر محمد حسن بركوبه السيارة العريقة، فيعتبرها رمزًا لأخميم، ودائما يحب استقلال المقعد الأمامي كاملا، بعكس السيارات العادية، التي يقول عنها ‘‘تحس إنك قاعد في علبة سردين’’، وتتمنى نرمين حنا، أن يُلغى ترخيص السيارة، قائلة إن ‘‘صوت محركها مزعج وتحس فيها إنك قاعد في مسلسل تاريخي في قرية فلاحين’’.

 

ورغم أنهم لا يفكرون في بيعها مطلقًا، حيث أصحاب السيارات العشرين المتواجدة في أخميم فقط، نظرًا لندرتها وتوارثهم لها من آبائهم، فإنهم يقدرون ثمنها بـ60 ألف جنيهًا في حال شرائها كسيارة ملاكي، و80 ألفًا إذا خُصصت كسيارة أجرة، لكن البيع يقع ضمن آخر احتمالاتهم، لأنهم يبغون المحافظة على التراث الذي يعتبر رمزًا لأخميم.

 

You must be logged in to post a comment Login