فوزي العنتيل.. الشاعر المغترب بحثًا عن الفلكلور

فوزي العنتيل

فوزي العنتيل

**أصدر ديوانين.. واهتم بدراسة التراث والأدب الشعبي

**بدأ الشعر بـ “رابطة النهر الخالد”.. وقريته الأسيوطية كانت محبوبته

 

المندرة: هدير حسن

أحد مبدعي الصعيد المنسيين، اهتم بدراسة الموروثات والفنون الشعبية، كتب الشعر، وابتعد عنه لفترة بعد أن ضاقت الثقافة بصانعيها، لم يقدم من الأعمال والمؤلفات الكثير، ولكنه أنتج المفيد، فهو صاحب صوت شعري مميز، اغترب وتنقل بين بلدان العالم، وصنع لنفسه عالمه الخاص، بعيدًا عن لغط المدعين.

 

في الثالث من نوفمبر عام 1929، ولد محمد فوزي فهمي أحمد العنتيل بقرية علوان بأسيوط، والتحق منذ طفولته بكتّاب القرية، فحفظ القرآن الكريم، ودخل في مرحلة تعليمه الأساسي بمعهد أسيوط الديني، ثم حصل على الثانوية الأزهرية عام 1946، وليلتحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، كان عليه أن يترك قريته، التي لها عظيم الأثر في نفسه، فطوال رحلته الشعرية، كان منظر الحقول الخضراء، والنيل الذي يروي الأراضي عبر الجداول والترع، هو أحد أهم مُشكلات وجدانه، فكتب يقول عنها، وعن أهلها في ديوانه الأول “عبير الأرض”، الذي صدر في 1956، وأهداه إلى “الذين يعبرون التاريخ بأذرع معروقة تحمل الفؤوس في صبر، إلى الذين علموني أن أحب الناس، إلى أهلي وعشيرتي الفلاحين في قريتي وفي كل القرى”:

 

أنَـا لَسْتُ أنْسَى قَرْيَتي الـسَّمْرَاءَ فِي عِيدِ الْحَصَـادْ
والسُّنْـبُـلُ المُـتَـجَـمِّدُ الذهَبِيُّ يَحْلُمُ بِالــرُّقَادْ
وَخُـطَا الكُمـاةِ الكَادِحِينَ تَرُوحُ تَضْرِبُ فِي اتِّئَادْ
وَرُؤَى الْـمَسَـاءِ تَلُفُـهُمْ وَالصَّمْتُ يَبْتَلعُ الْوِهَادْ
والـظُّلْمَـةُ الْعَمْيَاءُ تَزْحَفُ فِي تَوَابِـيـتِ السوَادْ
فَتَـطُوفُ أَشْبَـاحٌ مُؤَرَّقَـةٌ مُعَـذَّبَـةُ السُّـهَـادْ

 

وبعد أن تخرج من كليته، حصل على دبلومة التربية وعلم النفس عام 1952، وعمل بتدريس اللغة العربية، ثم أُتيحت له الفرصة أن يكون سكرتيرًا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، ثم سكرتيرًا للجنة الفنون الشعبية، وتم اختياره ليكون عضوًا في لجنة الشعر، ولجنتي الدراسات الأدبية والفنون الشعبية، وكان خلال هذا الوقت بدأ يلمع نجمعه بين أوساط المثقفين والنقاد كأحد شباب الشعراء، فكون هو واثنين من أصدقائه الشعراء (كمال نشأت، محمد الفيتوري) رابطة شعرية تحمل اسم “رابطة النهر الخالد”.

 

سافر فوزي العنتيل إلى إيرلندا في بعثة امتدت لثلاثة أعوام لدراسة الفلكلور، وعاد منها إلى مصر في آخر عام 1961 حاملَا معه الحنين إلى كتابة الشعر مرة آخرى، ولكن كان هناك ما استوقفه، ومنعه من إخراج قصائده للنور، ويقول العنتيل عن هذه الحالة: ” كان مناخ الإبداع الفني والفكري في مصر قد دخل مرحلة المحاق‏,‏ ثم أخذت بعد ذلك رياح الفزع تهب من كل مكان‏,‏ فأصبح كل شئ في مستوي الموت. وكنت متعب الجسد والروح فقلت لنفسي هذا زمان لا ينفع فيه الشعر‏,‏ زمان علت فيه صرخات المتشنجين والمهرجين‏,‏ بينما طلقات البنادق في الفجر تطارد الكلمات وتخنق المشاعر‏”.

 

فالتفت إلى دراسة الفلكلور والتدريس، حيث عمل أستاذًا مساعدًا بقسم الدراسات العربية بإحدى جامعات نيجيريا، ومنه عمل أستاذًا زائرًا بقسم الدراسات العربية بجامعة بودابست بالمجر، وفي النهاية عمل بمركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وأنجز خلال هذه الفترة مجموعة من الأعمال، فأصدر كتابه “الفولكلور.. ما هو؟” عام 1964، الذي يعد دراسة متعمقة حول الفن الشعبي والموروثات الشعبية ومفهوم الحكاية الشعبية، ويأتي بعد دراسة أحمد رشدي صالح (تعرف عليه هنا) حول الأدب الشعبي في كتابه المشهور، كما قدم دراسة “التربية عند العرب” عام 1966، و”بين الثقافة الشعبية والفولكلور”، إلى جانب ترجمته لمختارات شعراء المجر الكلاسيكيين بعنوان “الحرية والحب” عام 1968، كما ترجم مسرحية “المحراث والنجوم” لشون أوكيسي، وقبل وفاته بعام واحد، أصدر العنتيل ديوانه الثاني بعنوان “رحلة في أعماق الكلمات” عام 1980، بعد ما يقرب من ربع قرن من إصدار ديوانه الأول، وكتب يقول في القصيدة التي حملت عنوان الديوان:

 

في سفر الغربة طالعني
وجهٌ عربيّ القسماتْ
يبحث عن نهر اليرموكْ
في جوف كتابٍ ممتقع الصفحاتْ
وصمتُّ، فخانتني العبراتْ
«خالدُ» يا بطلَ اليرموكْ
لقد خذلتني الكلماتْ

 

وكان للعنتيل قصائد متناثرة، لم يطبعها في ديوان، حتى قامت الهيئة المصرية العامة للكتاب بإصدارها، مؤخرًا، مع بعض القصائد المختارة في ديوان “المختار من أشعار فوزي العنتيل”، الذي رحل عن دنيانا منسيًا كما عاش عام 1981.

 

You must be logged in to post a comment Login