بالفيديو: ‘‘المندرة’’ تستكشف غياهب سقارة الفرعونية من داخل المقابر الأثرية

المندرة: مها صلاح الدين

في مدخل من ممر ضيق طويل لا يحتمل مرور أكثر من سيارتين، يحوطه الأخضر من الجهتين، وإذ فجأة وأنت تمتع نظرك بأحراش الأشجار والنخيل، تلتقي روحك بسكون صحراء فجائي، لا يجمع سوى السماء واللون الأصفر والأحجار من كل الجهات.

 

هي صحراء سقارة العجيبة، التي لا تبعُد كثيرًا لا عن الريف ولا عن المدينة، وتجمع بين طياتها أسرار الحضارة الإنسانية، فوق الأرض في أهرامات بداخلها، وعلى مرمى البصر منها، مثل أهرام أبو صير والجيزة، وتحت الأرض في مقابر تعكس الفكرة الجنائزية في الموت عند قدماء المصريين لدينا، وتعكس لنا كيف كانوا يعشقون الحياة.

 

هذه كانت رؤية أحمد دياب المرشد السياحي المصاحب لمبادرة ‘‘أصل ووصل’’، والتي أقامت رحلة إلى منطقة سقارة السبت الماضي، وبدأت نشاطها الفعلي في سبتمبر، وهي تابعة لمؤسسة البناء الإنساني التنمية، والتي تهدف إلي توصيل الحضارة الإنسانية المصرية بشكل بسيط، بدون تعقيدات أو تواريخ، لكن بالاعتماد على الرؤى والتفاصيل الإنسانية.

 

ما الذي يميز الحضارة المصرية عن بقية الحضارات؟ .. كان هذا سؤال دياب في بداية الرحلة، ليردف أن مميزات الحضارة المصرية القديمة تكمن في أنها حضارة اعتمدت على الأخلاق والضمير، واكتُشف فيها العلم، والطب، والهندسة والعمارة، والفلك، وتم فيها بناء الهرم، الذي عجزت اليابان اكتشاف سر بنائه، وتنفيذ مثله، في العصر الحديث.

 

دعونا نستكشف سويًا كيف حدث ذلك، بمحاولة تطبيق نظريات الفراعنة، من خلال قراءتنا لجدران المقابر من داخل سقارة، لنعرف ما الذي كانت تمثله لدى المصري القديم برؤيتنا العصرية، وهذا يستوجب منا معرفة الأساس الذي تقام عليه مكونات أي حضارة، ألا وهو البشر، والشخصية المصرية القديمة، التي كانت في العصر الحجري تهوى السكن بعيدًا عن وادي النيل في الصحاري، في نظام قبلي، بالقرب من الآبار، وعلى صيد الحيوانات، فكانت عبارة عن شخصية مستهلكة فقط، وكانت العلاقة التي تجمع بين القبيلة والأخرى علاقة حروب على آبار المياه.

 

وحينما حل الجفاف على تلك المناطق وهجرتها الحيوانات، بدأت القبائل تجتمع لتهاجر وتقوم بتعمير وادي النيل، الذي كان حينئذ عبارة عن غابات الأحراش والحيوانات المفترسة، وهذا تطلب منهم مئات السنين.

 

لم تنقلب علاقة العداء إلى تحالف في يوم وليلة، بينما اختار المصري القديم رجل فرض نفسه على جميع الأطراف بالقوة والحكمة، ليكون هو الفرعون، والحاكم عليهم، كما ابتدعوا ميثاق المدارية، وهي عكس القبلية، وكان الفرعون لدى المصريين القدماء رمز روحي حينئذ، مثل الدعاة والأنبياء، وليس رمزًا للعبودية والسخرة.

 

تأسس المجتمع الفرعوني هكذا، وبني الهرم بدون مشاكل نفسية، حيث كان طفرة لا يستطيع أن ينتجها إلا مجتمع سليم نفسيًا، في مرحلة شروق الحضارة، والتي نحن نعيش غروبها الآن.

 

اكتشف المصري القديم قانون الحياة، عن طريق تأمل بزوغ الشمس وغروبها، وكذلك القمر، مثلما فعل سيدنا إبراهيم، وجاء تمثيله إليها حينما اكتشف الزراعة، فالحياة بالنسبة له كالبذرة الجافة التي تولد في رحم الأرض ثم تنبت وتترعرع من داخلها وخارجها، ومن هنا أيضًا جاءت فكرة التحنيط، حيث يتم تجفيف الجسم البشري، لينبت ويستعيد الحياة بعد الموت.

 

لا يوجد فرق لدى المصري القديم بين الحياة والحياة الأخرى أبدًا، فمثلما أتى سيرحل، ويطبق جميع قيم وفلسفات الحياة في حياته الجديدة، فجدران مقابره كانت دائمًا ما يتصدرها كلمات، لا تسرق، ولا تقتل، .. الخ. ومن فرط إدراك الفراعنة بمبادئ وفلسفة الحياة، حدث في عصر بناة الأهرام، أن لم يأت الفيضان في عام ما، ومن ثم ذهبوا العمال إلى فرعونهم ليسألونه عن الخطأ الذي ارتكبه حتى يعاقبوا عليه بمثل هذا العقاب، وإذ هو يعترف أنه اقترف ظلمًا، ويسافر من الجيزة إلى أسوان ليقدم القرابين حتى يكفر عن ذنبه، فتتجلى حينئذ فكرة الإلوهية لدى المصري القديم.

 

الإنسان المصري بطبعه وفي كل حضاراته يخاطب الحياة، ويعد للحياة الأخرى، حتى في توصياته، إذا كان يريد نفس الزوجة أو كان يريد نفس المدير في العمل أو لا، وهذا يتمثل في مقابر جبانة دير المدينة بالأقصر، كما اخترع الإنسان المصري 70% من الآلات الموسيقية في العالم، وكان يستقبل المناسبات الجنائزية بالرقص والغناء، كما احترف لعب الشطرنج، وتأليف النكات، كما كان يبدو في بعض عصور الفقر أو الفساد، تمثيل المدير أو الفرعون بشكل كاريكاتيري.

 

ودائمًا ما يقول علماء الغرب إن الشعب المصري يستطيع جيدًا أن يعبر عن نفسه، ويتمتع بصحة نفسية جيدة، وليس كتومًا بطبعه، ومن أبرز أشكال التعبير عن النفس في العصر القديم هي الفنون والآثار، لتقرأ من خلالها ما يدور بقلب المصري من داخل مقبرته.

 

وفي غضون تلك الرحلة تمت زيارة مقبرتي تي، وأمنحتب، في منطقة سقارة، والتي تعني الجبانة عند المصري القديم، وتحوي الهرم المدرج الذي بناه أمنحت، واسمه يعني ‘‘الذي ذهب في سلام’’، وهو هرم يتم ترميمه منذ سنين طويلة، وعلى الرغم من أنه أول محاولة لبناء هرم، إلا أنه ظل محتفظًا ببنيانه، على عكس هرم وسر كاف، الذي وقع إثر زلزال دمر كل شيء في نفس المنطقة، كما أن أمنحتب برع في كل شيء، الطب، والهندسة، والعمارة، والفلك، ووضع قواعد الرهبنة المصرية، وهو أول من رسم مقبرة الملكة في عهد زوسر، بعد بناء أول جبانة في أبيدوس، وهو معبد من أجمل ما وصل له الإنسان من تعبير فني.

 

دائمًا ما كان الإنسان المصري يقيم المقابر في الغرب، لأن الغرب كان يعني بالنسبة إليه الظلام، أي الموت، ولكن إخناتون أول من قام بالدفن في الشرق، كما أن مصر بها 85 هرمًا، حيث تستطيع أن ترى على بعد من منطقة سقارة أيضًا أهرامات أبو صير والجيزة.

 

كان بناء المقبرة يتم من خلال خطوات محددة، ألا وهي تصميم المقبرة على ورق البردي، ثم البدء في تنفيذها، وفي داخلها تستطيع أن تقرأ من خلال النقوش، شخصية الإنسان المصري المدفون بداخلها، وها هي مقبرة ‘‘تي’’، أول مكان استقر به المرتحلين، وهي عبارة عن سلالم تأخذك إلى الأسفل لتجد نفسك بين اثنين من الحوائط الحجرية المنمقة، مستواها أقل من سطح الأرض ومن فوقها فقط السماء، لتكون حين إذن على مشار المقبرة.

 

تدخل بعد ذلك إلى المقبرة الافتراضية، ذات النقوش والألوان، وتجد بها الباب الوهمي، الذي تنتقل الروح عبره إلى الحياة الأخرى، وفي الداخل تلتقي ثلاث فتحات طولية صغيرة، واحدة منها تطل على تمثال لـ ‘‘تي’’ صاحب المقبرة، وبداخلها ترى نقوش بالأشياء التي عني بها ‘‘تي’’ في حياته، والتي كانت من أرق ما يمكن تمثيله، فنجده يمثل المياه والحيوانات، والرعاة، والأبقار، ونجد حيوان ينادي، وحوار ينشأ بين أم وابنها الذي يزعق خوفًا وتنظر له وتحثه على الاطمئنان، الذي كان سمة أساسية على وجوه كل ما رسم داخل المقبرة، فلم تلق نظرات الخوف أو الذعر أو النقمة أبدًا داخل المقابر الفرعونية.

 

 شاهد الفيديو من داخل المقبرة: 

 

 
بُنيت تلك المقبرة بنقوشها وفنونها في الوقت الذي كان يتقاتل فيه الغرب من أجل أن يقتاتوا الطعام، ومنها يتجلى الإحساس الإنساني أيضًا في وقائعه، فكأن ‘‘تي’’ ينادي ‘‘ألا تأخذوا الولد من أمه’’، كما نكتشف من خلال المقبرة، أن الطب البيطري اكتُشِف في عصر الفراعنة، كما قدس تي العمال الذين قاموا ببناء المقبرة، فكان لهم نصيب في نقوشها، وقد حوت المقبرة أمام البابين الوهميين داخلها،الذين أقيموا لتي وزوجته، مائدة القرابين التي كانت في الحقيقة توضع بها أطعمة لتوزع على الفقراء كرحمة على روح المتوفى.

 

جاء رمز ‘‘نجمة سوبديت’’ في الثلاث فتحات داخل المقبرة، والتي كانت حينما تغيب 70 يومًا وتأتي يأتي معها الفيضان، كما كانت الصحراء التي بنيت فيها المقبرة ترمز للصمت والسكون، وهم أبرز ما يحاكي تي كاهن أوزوريس، الذي حفرت مقبرته في الأحجار داخل باطن الأرض، بواسطة أزميل وشاكوش فقط.

 

نجمة سوبديت كان رمز عودة الحياة عند المصريين القدامى، كما كانوا يعتقدون أن الأرواح الصالحة في الحياة الأخرى تتحول إلى نجوم لتضيء السماء، وتهدي الناس في الصحاري. بالمقبرة كان هناك نقشًا كبيرًا لصورة تي، وفي عرف قدماء المصريين لا أحد يُصور كبيرًا سوى صاحب المقبرة، وكان دائمًا ما توجد بالمقابر صورًا للرعاة، فمعظم الأنبياء كانوا رعاة، وجاءت تلك الصورة من فكرة القائد، الذي يسير الناس خلفه، كذلك كان الحكيم، أو الفرعون لديهم.

 

عشق المصري القديم الطبيعة حتى استنبط منها ألوان مقبرته، فكان اللون الأحمر يستنبط من الطمي، والأصفر من النحاس، والأخضر من الليمون، والأبيض من الجير، الأزرق من اللازورد، كما كان الذهب من أغلى المعادن ليس لنضرته، بل لما يمثله، فكان يمثل لون الشمس، لذا صنع منه قناع توت عنخ آمون، وبعد العمل في المقبرة يصنع البناة مصراع في سقف باب الغرفة ليتم إحكام غلقها على ما تحويه.

 

فضل الفراعنة التمثيل بالرسم والنقش داخل المقابر فضلًا عن الكلمات؛ لأن الصورة تحمل ألف معنى، بينما الكلمات لا تحتمل سوى معنى واحد، كما كان لديهم احتمالية اندثار اللغة، واستبدالها، كمان فضلوا تقليل الكلمات لأن المقبرة بالنسبة إليهم عبارة عن مكان صمت وسكينة، وليس ضجيج.

 

تابعت الرحلة دخولها إلى المقبرة الفعلية داخل الأرض، بعد مرور أنفاق قصيرة القامة، تحني بداخلها ظهرك لتستطيع النزول لأسفل، وإذا بها غرفة مظلمة ضيقة، بها تابوت حجري، وغطاء حجري يوضع عليه بعدما يحتضن المومياء، وفتحة صغيرة في داخل الغرفة، كانت توضع بها المقتنيات اللازمة للمتوفى بعد البعث من موته في الحياة الأخرى.

 

كان سقف المقبرة على بعد قصير، وكان به هباب أسود يعكس لنا أن أناس سكنوا المقبرة، وكانوا يتدفئون ويطهون بداخلها، ويرجح أن هذا حدث في ظل اضطهاد المسيحيين للرومانيين، وعبر ذلك الهباب عن حروف لاتينية أيضًا، كما انتشرت الجعارين الميتة داخل المقبرة.

 

الجدير بالذكر، أنه تم سرقة المومياء من قبل مجهولين، حيث كان الأوروبيين في القرن السابع عشر يعتقدون أن بودرة المومياء تشفي من الأمراض، وتستخدم كأدوات للماكياج.

 

بعد ذلك توجهت الرحلة بأكملها إلى مقبرة أمنحتب، وقد أطلق أحمد دياب العنان لخيال المرتحلين في تفسير نقوش تلك المقبرة، وكانت عبارة عن غرفة فوق مستوى الأرض، ممتلئة بالنقوش المفعمة بالحياة، فها هم أناس يرقصون ويسقفون ويبحرون ويصطادون، كما اختلف تمثيل الحيوانات على جدران تلك المقبرة، فقد كان أكثر حدة، حتى في طريقة تعامل الإنسان معها.

 

وكانت الغرفة الرئيسية تحوي باب وهمي كبير، تتقدمه مائدة القرابين، ثم غرفة توضع فيها مقتنيات المتوفى.

 

من ثم انتقل المرتحلين للقيام بجلسة سمر وسط صحاري سقارة الخاوية، التي بدت كئيبة من فراغها، وكانت جلستهم بالقرب من هرم ‘‘تتي’’، والذي يتمتع بشكل جبلي غير مهندس، مما أشعرهم بأنهم وحدهم من يملكون تلك الصحاري، قبل أن تنتهي الرحلة.

You must be logged in to post a comment Login