عُمال النحت.. حياة فرعونية أخرى بالأقصر

الأقصر: أحمد عادل

عندما تطأ قدماك قرية ‘‘القرنة’’ بالبر الغربي بالأقصر، تشعر أن التاريخ توقف في هذا المكان، وأن من حولك من أهالي القرية هم فراعنة مصر وقد خرجوا من رسومات جدران المعابد والمقابر ويمشون أمامك، وتجد الفنان المصري القديم يعيش في كل شارع ومنزل ومرسم، يمارس عمله كما كان منذ آلاف السنين، فينحت ويرسم ويلون بنفس الشكل والأدوات، وكأن الزمن توقف ولم يتغير شيئا.

 

تجمعهم صفات معينة، أهمها أنهم جميعا حاصلين على مؤهلات عليا، كما تجمعهم أمنية وحلم، هو أن تصل أعمالهم لأيدي من يقدرونها فنيًا، خاصة بعد توقف التوافد السياحي على المحافظة، وخاصة منطقة القرنة التي يعيشون بها.

 

الفنانون الشباب بالقرنة، يفخرون بأنهم أحفاد الفراعنة، وهم يمارسون عملهم المتوارث من الأجداد منذ آلاف السنين. في البداية، التقينا بالفنان المصري جابر الشحيري، 24 سنة، والذي يقوم بنحت الألبستر، وهو الحجر الذي نُحتت منه معظم الأواني والتماثيل والكؤوس والفازات في أزهى عصور المصري القديم، وتملأ متاحف مصر والعالم الآن، ويقول ‘‘تعلمت النحت منذ 14 سنة عن طريق أجدادي، ونستعمل أدوات فرعونية كما كانوا في العصور القديمة، وكما هي موجودة في الرسوم الفرعونية’’.

 

وبنفس طريقة النحت الفرعونية، يأت هؤلاء الفنانون بالألبستر من جبل يبعد عن وادي الملوك نحو 20 كيلو متر، وهو الجبل الذي أُخذت منه الأحجار في العصور الفرعونية، ثم يبدأوا في تقطيعه ثم تشكيله على هيئة كأس أو طبق أو فازة، ويُلَف بقطعة قماش لحمايته من الجو، ثم يُفرّغ ويقوموا بتنعيمه بالمبرد الفرعوني، سواء الخشابي الناعم أو الفأرة أو الحجر الرملي الناعم، الذي يعطى الحجر لونًا أصفر، ثم توضع القطعة المنحوتة في الفرن حتى تظهر بالشكل الطبيعي النهائي.

 

ويقول الشحيري عن الطريقة الني تعلموها من الأجداد جيلا بعد جيل، إنها قد تستغرق نحو شهر للحصول على قطعة فنية ‘‘تفخر أن تنظر إليها وتضعها في بيتك’’، أما الفنان محمد إبراهيم، 29 سنة، قضى 20 سنة من عمره في نحت التماثيل الفرعونية بالأسلوب الأتوني مثل أجداده الفراعنة، الذي عرّفه بأنه ‘‘الفن الذي لا يكذب ولا يتجمل، وظهر في عصر إخناتون، لذلك سُمي بالآتوني’’.

 

نُحتت تماثيل إخناتون وتوت عنخ آمون ونفرتيتي بهذا الفن، الذي ينحت جسم الإنسان كما هو، ويعتمد على الحجر الرملي أو الألبستر أو الجيري أو الصابوني أو الجرانيت، وهو أصعب أحجار النحت، وقد يستغرق نحت التمثال الجرانيتي من 6 إلى 10 شهور.

 

ويوضح إبراهيم أنه ينحت التماثيل بالحديد، وأحيانا بالحجر الرملي وبالأدوات الفرعونية الأصلية بنفس شكلها القديم، مضيفًا ‘‘أصمم شكل التمثال الذي أريد نحته وأعكف على العمل بدأب وجهد وإصرار حتى أنحته وأنعمه ليصبح كما تراه في المتاحف’’، أما ياسر حسان، فقضى نحو نصف عمره الذي يبلغ 28 سنة، يرسم على الحجر الجيري الأسواني أو المنقول من إدفو أو إسنا’’.

 

ينقش حسان علي الأحجار صورًا منقولة من جدران الفراعنة في المعابد والمقابر، لدرجة أنك لا تستطيع أن تُفرقها عن الأصلية إلا بصعوبة، ويقول إن ‘‘الحجر الجيري أنشره بيدي على شكل مربع أو مستطيل حسب اللوحة التي أريدها وأنقلها من صورة أو كارت بوستال وأرسم عليها بالقلم الرصاص ثم أبدأ النحت بالأزميل وهو عبارة عن قطعة حديد عادية أسخنها على النار وأشكلها بالشكل الذي أريد أن أنحت به’’.

 

ويضيف ياسر: هناك نحت غائر وآخر بارز، وبعد أن أنتهي من الرسم أقوم بالتلوين وأستخدم ألوان الماء أو ألوان ‘‘سبرتو’’، وأصعب اللوحات التي أنحتها هي التي تحتوي على تفاصيل كثيرة، مثل لوحة ‘‘رع موزا’’ أو ‘‘العازفات’’، الشهيرتان، وقد تستغرق الواحدة خمسة أيام من العمل المتواصل، لحاجتها لدقة متناهية في نحت التفاصيل، مثل الشعر و الباروكة الفرعونية.

 

الإبداع الذي يمارسه هؤلاء الفنانون، يُباع للبازارت السياحية بالمحافظة، مقابل مبالغ قد تكون زهيدة، في أغلب الأحوال، حيث تبدأ من 30 جنيهًا، أو قد تصل لألف جنيه، في حالات قليلة، ويختلف ذلك حسب الخامة المستخدمة وحجم التمثال، وهو مقابل لا يفي بالجهد المبذول والإبداع الطاغي على أعمالهم، لكن النقود ليست هدف هؤلاء، إنما وصول أعمال أياديهم البارعة لهواة الفن والعبقرية.

You must be logged in to post a comment Login