“عم محمود” أقدم صانع فوانيس بنجع حمادي: الأقباط يشترون الفوانيس أيضا في رمضان

**50 سنة في صناعة الفوانيس.. وابنه الوحيد ترك المهنة وبناته أردن يتعلمنها فرفض

 

قنا: سعيد عطية

عم محمود سالم، صاحب الجسد النحيل، رجل تجاوز عمره 62 سنة، يفترش الأرض أسفل سور المسجد العتيق, أعرق وأقدم المساجد بمدينة بمحافظة قنا, بجواره معداته البدائية ومنها كاوية اللحام المصنوعة من النحاس الأحمر، وقصدير يلحم به الصاج، وعلبة صغيرة يضع فيه قليل من ماء النار المطفي, وقالب نشادر صغير، و”ببور” متصل بأنبوبة غاز صغيرة متصل به أيضا “كلوب” قام بتحويلها إلى بوتاجاز بعين واحدة، صنع لنا عليه ثلاثة أكواب من الشاي كان شرطة أن نشربهم قبل إن نبدأ معه الحديث عن صناعة الفوانيس، التي يمتهنها منذ طفولته، هذه أدواته التي يستخدمها في صناعة الفوانيس ولمبات الجاز، وأقماع البسكويت التي تستخدم في الأعياد.

 

يقبع على ناصية صغيرة في شارع يعرف في المدينة بشارع العمدة, لأن به بيت عمدة نجع حمادي قبل أن تلغى العمودية من المدينة منذ فترة كبيرة, يفترش عم محمود الأرض ويجلس على حجر من “البلوك”، وخلفه دولاب خشبي يضع فيه أدواته والأشياء الثمينة، وبجواره كنبة من الخشب ومجموعة من العروق منصوبة على شكل مستطيل، يضع عليهم منتجاته من الفوانيس ولمبات الجاز، وبعض من المصنوعات الأخرى.

 

ذهبنا إليه وجلسنا معه ليحكى لنا عن حياته مع صناعة الفوانيس، كان يقاطعنا المارة بالسلام أكثر مما تقاطعنا زبائنه التي كانت تنفر من أسعار الفوانيس، عم محمود له من الأبناء خمسة بنات وولد جميعهم حصلوا على دبلومات متشابهة إلا واحدة حصلت على دبلوم التمريض.

 

بدأ حكايته عن حياته مع تلك الصنعة، وهو أقدم من امتهن صناعة الفوانيس في المدينة منذ خمسين عاما, ولا يعرف عن الفانوس إلا أنه من العصر الفاطمي، وارتبط بشهر رمضان لأن الناس كانت تحمل الفوانيس عند خروجها لاستطلاع هلال الشهر الكريم.

 

أوضح “عم محمود” أن الفانوس يتكون من شيئين رئيسيين هما الزجاج والصفيح, وأن تلك المواد تستورد من خارج مصر ويسافر هو إلى سوهاج والقاهرة ليشترى تلك المواد من تجار كبار، يقومون باستيرادها من الخارج، وظهرت بالسوق في الفترة الأخيرة نفس المواد لكن صيني تستورد من الصين، مشيراً إلى أن الفارق في الفانوس قبل ظهور التكنولوجيا هو الرسم عليه فقط، حيث كان يكتب على الزجاج ويرسم بـ”البخاخة ” وكان يصنعها بنفسي، ويقوم بالنحت على النحاس بمعداته البدائية، ولكن الآن يتم ذلك عن طريق الحفر بالليزر، وهذا ساهم في ارتفاع سعر الفانوس.

 

أضاف أن بعض الفوانيس تتكون من ستة قطع، والبعض الآخر من ثمانية، وأحيانا تصل إلى 48 و68 قطعة، على حسب شكل الفانوس، وأن كل فانوس له اسم اشتق من تكوينه فهناك “الصاروخ الأرابيسك، والأربيسك، والشمامة، وشريحة البطيخ، والنجمة، والبرلمان، والمصحف البارز، وأبو الولاد، وصاروخ برج، وصاروخ خمسات، وصاروخ ستات”.

 

وأرجع “عم محمود” ارتفاع سعر الفانوس إلى ارتفاع سعر القصدير والزجاج والصاج، وقال إن سعر الفانوس يبدأ من عشر جنيهات حتى يصل إلى خمسمائة جنيه، موضحا أن هناك أسعار موجودة في السوق اكبر من ذلك، لكن لا توجد في لأنها لا تتماشى مع ظروف المعيشة هناك، وأن سعر الفانوس الشعبي المتداول هو من 40 إلى 50 جنيها.

 

أكد أن تجارة الفانوس البلدي أصبحت قليلة بعد ظهور الفانوس الصيني “الكهربائي”، لكن تلك الصناعة لن تموت, من وجهة نظره، لأن الفانوس المصنوع من الصاج له زبائنه الخاصة وله عشاق, وأن الأطفال هم من يتعلقون بتلك الفوانيس، ودائما الأم هي التي تراضي الأطفال بها.

 

لفت “عم محمود” إلى أن زبائنه ليسو من المسلمين فقط، بل أن هناك أقباط يقبلون على شراء الفانوس، خلال شهر رمضان، ويحتفظون به للاحتفال بيوم ميلاد السيد المسيح، لكنهم يشترون الفانوس “المسح”، الذي ليس به نقوش ورسومات.

 

قال “عم محمود” إن ابنه الوحيد ترك هذه المهنة، بعد إن تعلمها جيدا وامتهن مهنة “سمكرت السيارات”، وبناته طلبوا منه أن يعلمهم مهنة صناعة الفوانيس، لكنه رفض لأنها متعبة وشاقة وهو يشفق عليهن.

 

اختتم “عم محمود” حديثه معنا قائلا “أنا أحب هذه المهنة وهى صرفت على العيال وكبرتهم وعلمتهم، وهى مربحة خلال الموسم”. بعدها ودعنا بابتسامته التي يقابل بها زواره قائلا “كل سنة وأنت طيب يا بيه”.

 

 

You must be logged in to post a comment Login