‘‘عم عبد الهادي’’.. المثقف الأميّ الذي قاد شباب قنا للثورة على ‘‘فيسبوك’’

قنا: سعيد عطية

رجل صارع الزمان فهزمه الزمان بالفقر، لكنه وقف شامخا، ناصبا هاماته على ناصية الزمن، رافعا رأسه بعزة العرب، يشبه لون الأرض في ملامحه، ومن جلبابه الفياض يخرج كرمه، وعيناه جمرتان دامعتان تشكي بأس وحزن وطن، لا يمد يده إلا لله، وعلي الرغم من كل هذا، رافق ‘‘عم عبد الهادي’’، الشباب منذ أول شرارة للثورة في الخامس والعشرين من يناير، حتى أصبح إحدى علامات الثورة في قنا.

 

عبد الهادي خلف عبد الجليل، الذي أطلق علية الشباب منذ الثورة ‘‘عبد الهادي المصري’’، تجاوز عامه الثامن والستين من العمر، يعمل بائع تمر هندي في الصيف، وبائع خردة في الشتاء، له من البنات اثنين ومن البنين أربعة، ولم يتعلم لأنه ترك الدراسة في المرحلة الابتدائية، ليساعد أسرته.

 

يحلم بـ‘‘مصر جمال عبد الناصر’’، الذي قاد حركات التحرر في العالم الإفريقي والأسيوي، وبثوب أبيض لمصر، بدلا من لون الحزن الذي كسا كل منازل المصريين، وأن تعود مصالحها ملكها، ويستغرق في أحلامه ليحلم بسيناء مليئة بالمصانع، وأن يهاجر إليها فقراء مصر، قائلا إنهم هم من يعمروها، وسوف يدافعوا عنها بأرواحهم، ويعود ليحلم بروح عبد الناصر، وبشخص يفعل بالوطن مثلما فعله بعد النكسة، ويحلم بشخص يعبر بها مثل عبور القناة.

 

ومثلما رأى بعينه، على حد قوله، بطولات الناس ‘‘الغلابة’’ الذين ماتوا في 67، يريد أن يرى مصر أفضل من أمريكا واليابان في أقل من ست سنوات، وقال إنه ليس مستحيلا، والطريق لهذا عودة العلماء المصريين، وصمت قليلا، ثم قال ‘‘دي أحلام بسيطة.. ممكن تتحقق؟!’’، وتابع ‘‘نفسي عمر الشباب ميضيعش زى ما ضاع 32 سنة حكم فيهم مبارك’’، وأنهى حبل أفكاره وأحلامه معبرا بكلمات ‘‘أنا بحلم بلدي تكون أحسن بلد’’.

 

هذا الرجل، الذي لم يحلم لنفسه ولا لأولاده، بل حلم للوطن والمواطن، دخل إلى عالم ‘‘فيسبوك’’ حديثا، بعد أن سمع عنه من الشباب، حيث اقترح عليه أبانوب محسن، أحد الشباب المسيحيين الذين كانوا يشاركون في مسيرات الخامس والعشرين من يناير، وهو خريج كلية التجارة، وكان يعمل في ‘‘نت كافيه’’ آنذاك، أن يُنشئ له حساب شخصي ‘‘أكاونت’’، لينشر فيه المقاولات التي كان يطلقها في المظاهرات، فوافق من باب حب الاستطلاع، على حد قولة، لكن كان أمامه عقبه، هي أنه لا يجيد القراءة ولا الكتابة، فتطوع أبانوب للجلوس معه لمدة ساعة أسبوعيا يكتب له ما يريد أن ينشره على صفحته، وأنشأ صفحة اسمها ‘‘عبد الهادي المصري’’، وكان يكتب فيها مقولاته التي كانت تنال إعجاب متابعي الصفحة.

 

كتب عبد الهادي عن الفقراء، وعن المرض، وكتب ضد العسكر والإخوان، ومن أشهر ما كتب ‘‘الكلب في فرنسا له اشتراك في المترو.. أخاف بعد ثلاث سنين يدخل الكلية وإحنا لسه بناكل من الزبالة’’. بعد فترة سافر صديقه الذي أنشأ له الصفحة للعمل، وهو ينتظره الآن، ليكتب له ما أعده عن ‘‘علي بابا وأربعين حرامي’’، قاصدا جماعة الإخوان المسلمين، الذي قال عنهم ‘‘بتوع فرص وخدوا فرصتهم وضيعوها من أيديهم’’، وكذلك عن ‘‘علي ماما والمليون حرامي’’، قاصدا الدولة العميقة، بما فيها من نظام مبارك، قائلا إن ما في حوزة النظام القديم في قنا من أراضي الدولة، والتي نهبوها بوضع اليد، تكفي المحافظة كلها من القمح.

 

القصة الأخيرة التي سيكتبها عبد الهادي، عن ‘‘علي جدة و190 حرامي’’، قاصدا بها المجتمع الدولي الذي لا يريد نهضة لمصر، فهو يعلم أن عدد دول العالم 190 دولة.

 

عن النظام السابق، قال الشيخ الثوري: مبارك لا تحاكموه على الأموال والقصور، بل حاكموه على المرض، والفقر، والبطالة والجهل، والدليل على هذا موجود بين الناس، ففي كل بيت مريض وجاهل وطالب ‘‘في الدبلوم مش بيعرف يكتب اسمه’’، مضيفا ‘‘أنا صحيح مدخلتش مدارس لكن شايف نفسي أفضل من خريجي الكليات’’، وأن العيب ليس فينا لكن في من يتولوا الحكم.

 

وكان رأيه في الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، أنه إذا كان يريد تطهير البلد حقا، فعليه أن يحاكم من أسهم في فقر وجهل الناس، وعليه أن يحاكم المشير السابق حسين طنطاوي، بتهمة الخيانة العظمى لتحويل المصانع الحربية إلي مصانع غسالات وبوتجازات، بدلا من تصنيع الصواريخ والطائرات، ثم قال ‘‘إنت لما تكون قائد القوات المسلحة والشعب ياكل من الزبالة وينام في الشارع يبقى حرام عليك.. الشعب تعب.. والثورة القادمة ثورة جياع.. والجياع لا الموت يهمهم ولا يعرفوا في القانون’’.

 

وجهة نظر ‘‘عم عبد الهادي’’ أنه لا يوجد حاكم يعصى على المصريين، موضح أنهم من جعلوا الانجليز يتحدثون العربية، فنحن نؤثر ولا نتأثر، و‘‘أي حاكم مش هيعجبنا هنشيله.. الناس خلاص عرفت الطريق’’، وأضاف ‘‘البلد دي كبيرة على الكل، احنا عايزين شخص ضمير وأمانة ورجولة ووطنية وعزة وشهامة، لو السيسي عنده دول يتفضل يحكم مصر، لو معندوش يبقى يتفضل بالسلامة’’، مواصلا ‘‘إن كانوا يقولون عن مصر إنها نصف الدنيا، أنا بقول اللي ما عاش في مصر ما شافش الدنيا’’.

 

You must be logged in to post a comment Login