‘‘عم جمعة الأقصري’’.. الشاعر الأميّ الفصيح

عم جمعة الأقصري

عم جمعة الأقصري

الأقصر: أحمد الحداد

وسط أشجار النخيل التي تزين ميدان مسجد سيدي أبو الحجاج الأقصري، وتحديدًا أمام معبد الأقصر، يجلس ‘‘عم جمعة’’، ابن الأقصر الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة، ليلقي أشعاره وحِكمه على مرتادي الميدان، حتى أصبح عادة مقدسة لهم، ولعشاق الشعر الأصيل، الذين يستمعون إليه في صمت، وهو يلقي عليهم أبياتًا شعرية حول الثورة أو ميدان التحرير، أو في حب مصر، التي ينشد الأشعار من أجلها.

 

جمعه حامد عبد العزيز، الذي يبلغ من العمر 59 عامًا، حالت ظروفه العائلية دون التحاقه بالمدارس أو حتى تعلمه الكتابة والقراءة، لكن ذلك لم يقف حائلًا أمام الإلهام الرباني والكلمات الجميلة، أن تخرج على لسانه ليستمتع بها كل من يستمع إليه. كلمات كانت تخرج بطريقة عفوية لتعبر عن الإحساس بالقهر والظلم الذي عاشه السواد الأعظم من أبناء الشعب المصري خلال النظامين السابقين.

 

بدايته مع تأليف الشعر كانت منذ 30 عامًا؛ للتعبير عن حالة الغضب التي اجتاحته من الأحداث التي تجرى بالبلاد، حيث كان يعمل ترزيًا لفترة من الزمن، ولم تساعده ظروفه الصحية على استكمال العمل فيها، فقرر أن يكون ميدان أبو الحجاج هو بيته ومقره الدائم، فمع غروب الشمس وإطلال ظلام الليل، يأتي حاملًا قطعة قماش يجلس عليها وسط الميدان، في مكان محدد يتردد عليه أصدقائه ومعارفه الذين يلقبونه بـ ‘‘الحكيم’’، ليتسامرون معه ويستمتعون بأشعاره التي لا تعرف المبالغة أو التكلف.

 

لقب ‘‘الحكيم’’، الذي يلقبه به أصدقائه سواء الكبار أو الصغار، جاء نتيجة للحكم والأمثال التي يهوى تأليفها، ومنها ‘‘إذا أردت أن تكون صديق فاجعل الصراحة طريق’’، و‘‘لبق اللسان يفوق الشيطان’’، و‘‘كون صح لو الموت أصح، وكون صريح ولو كنت جريح’’.

 

عم جمعه يقول إن حبه لمصر وحزنه على ما يحدث بها، جعل الكلمات تنساب على لسانه بطريقة عفوية، فينشد قائلًا:

أنا مجنون مصر

مصر عروسة فاردة الجناح

في ليلة زفافها الخصم فضاح

يحاول يدق طبول الجراح

هنرفع في وشه شعار السماحة

ولو جار علينا وراود بالسلاح

أرواحنا في أيدينا مش أغلى من اللي راح.

 

أشعاره وإبداعاته، كما يقول عنها، لمصر وليست لأحد، فهو لا يبحث عن شهرة أو حتى الإعلان عن نفسه، إنما يوجه أشعاره لأبناء مصر البسطاء الذين يشعرون ويستمتعون بكلماته البسيطة في الشارع الأقصري، ووسط ميدان أبو الحجاج، الذي يجمع بين حضارة الأجداد وثورة شباب الأقصر ضد ظلم وطغيان الأنظمة السابقة.

 

يرى عم جمعه أن قصور الثقافة ليست مكانًا ملائمًا لإلقاء أشعاره بها، فيشبهها بـ‘‘القنوات الفضائية التي تستضيف من لا يستطيعون التعبير عن عموم الشعب المصري أو حزب الكنبة’’، مضيفًا أن الأغلبية الصامتة هم من يواجهون المخاطر ويدفعون دمائهم في سبيل الوطن، في حين يجلس القادة والمثقفون في مكاتبهم يصدرون الأوامر.

 

يضيف الشاعر الأميّ أن الإنسان المصري كتلة من المشاعر، تسيطر عليه العزة والكرامة، ومن يملك هذه الصفات لا يسعى للأضواء ولا ينتظر مقابل، معبرًا بهذه الكلمات عن رفضه المشاركة في الندوات والمؤتمرات الشعرية التي تقام بالأقصر.

 

من أبرز الأحداث التي أثرت في عم جمعة، كان سقوط الطائرة المصرية قرب السواحل الأمريكية، وكذلك غرق أكثر من ألف مصري على متن العبارة ‘‘السلام’’ الشهيرة على سواحل البحر الأحمر، وقال فيهم:

نسّونا أكتوبر ونصر العبور

وجاروا علينا بأنفلونزا الطيور

وغرقت الطيارة وغرق البابور

وسؤال القائد قال: اللي يغور يغور

وجاروا علينا بأنفلونزا الطيور.

 

أما عن ثورة 25 يناير، فقد أنشد فيها قائلًا:

ربك كريم وعلينا راضي

إحنا أبطال الثورات

في التحرير نصبوا محكمة وفي المحكمة قاضي

وأصبح ذليل القفص واللي حكم قاضي

وبيلف ويدور، وإن لف ودار هيروح فين من القاضي.

 

يستقر عم جمعة، مساء كل يوم، بميدان سيدي أبو الحجاج الأقصري، الذي شهد المسيرات الحاشدة والوقفات الغاضبة ضد النظامين السابقين، وهو يرى أن الميدان بمثابة أرض الجدود، ويقول في محافظته الأقصر:

نيلها علم وشمسها ملحمة تعزف لحن الخلود

وليلها مكحلة لمصر ذي العيون السود

وفجرها نسيج ونعبد إله معبود

إنها مدينتي الأقصر أرض الخلود.

 

ولم يقف ابن الأقصر صامتًا أمام عمليات الهدم التي حدثت بمدينته، وتهجير عدد من السكان من أراضيهم مقابل مبالغ زهيدة، فقد شارك أبناء الأقصر غضبهم بشعره، حيث قال:

في الأقصر شوف الدنيا سياحة وشحاتين

ضاع البيت في ثانية وتحتار تروح لمين

إن رحت مرة تشكي يقولولك إنت مين

ابن توت وخفرع دارت عليه السنين

البيت عليه بيقع وبأمر المسئولين

رحت لتوت أقوله حفني تحت ظله

وشكالي من المصريين

باعوا ليه جذورهم.. بحبة ملايين

خلاصة الكلام يا عمى مسطر من سنين

لا تقول على حاكم مصطفى ولا أمين.

 

You must be logged in to post a comment Login