عمر مكرم.. نضال شعبي قضت عليه السلطة

عمر مكرم

عمر مكرم

**واجه الفرنسيين والإنجليز.. وعزل خورشيد باشا

**تلقى العلم بالأزهر.. وانشغل بأحوال الناس

 

المندرة: هدير حسن

على بعد خطوات منه، يعج المكان بحركة الشباب فتيان وفتيات، يتلقون العلم، ويصنعون المستقبل، فأمام جامعة أسيوط يقف عمر مكرم بهيئته الأزهرية، كالشاهد والمعلم، فهو صاحب التاريخ الطويل من النضال الوطني، الذي ينسب إليه البعض بداية تاريخ الحركة القومية المصرية، والنضال الشعبي، الذي استقل بمصر عن الدولة العثمانية.

 

كان يُلقب بعمر الأسيوطي، فقد وُلد في أسيوط عام 1750، ويعود نسبه إلى سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب، وهذا ما أضفى على مكانته بقلوب محبيه هيبة وإجلال، انتقل من أسيوط، عاصمة الصعيد، إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، ويدرس في صحنه العلوم الدينية والثقافية، وبعد أن أنهى دراسته لم يتجه إلى التدريس، ولكنه اتجه إلى حياة الناس وأمورهم.

 

إصلاح أحوال العامة، وصد الظلم عنهم، كانا ما يشغل بال عمر مكرم، الذي استطاع تولي نقابة الأشراف عام 1793، ولم يتورع عن مساندة الشعب المصري فور استنجاده به، وبشيوخ الأزهر، ففي عام 1975 فُرضت ضرائب جديدة، وتم جمعها بالقوة، فقام عمر مكرم، معه شيوخ الزهر وعدد من العلماء بالتفاوض مع إبراهيم ومراد بك، حكام مصر حينها، لرفع هذه الضرائب عن الناس، وهو ما كان، ومن هنا بدأ الناس يتداولون سيرته.

 

وبعدها بسنوات قليلة، عام 1798، وقعت القاهرة بأيدي الفرنسيين، ولم يكن للحكام حيلة من أمرهم، فأخذ عمر مكرم على عاتقه مهمة الدفاع عن أرض بلاده، فبدأ يشحذ همة الشعب المصري، ويحفزهم على مواجهة الغازي الجديد، ولكن انتصار الفرنسيين في احتلال البلاد، جعل عمر مكرم يفر إلى غزة، على الرغم من عضوية الديوان، التي عرضها عليه الفرنسيون ، لكنه رفضها، وفضل الخروج من مصر، ليعود إليها مرة ثانية، بعد أن قبض عليه الجيش الفرنسي في يافا، وأعاده إليها.

 

وبعد عودته، لم يهدأ بال مكرم حتى شارك في ثورة القاهرة الثانية عام 1800 ضد الفرنسيين، التي لم يُكتب لها النجاح، مما جعله يرحل إلى الشام مرة آخري، حتى لا يقع تحت قبضة المحتل، كأحد زعماء هذه الثورة، تاركًا أمواله وأملاكه للمصادرة، وظل بالخارج حتى رحل الفرنسيون عام 1801، فعاد مع الجيوش العثمانية.

 

تولى خورشيد باشا حكم البلاد، ولكن ظلت الأحوال تنهار سياسًا واقتصاديًا، مما دفع عمر مكرم إلى تحقيق التغيير، عبر ثورة شعبية على حكم المماليك الواهن، فكان بما له لدى الشعب المصري من مكانة عظيمة، هو الزعيم والمحرك لهذه الحركة الشعبية، فحشد الجموع لمحاصرة القلعة، مقر الحاكم، لمطالبته بالتنازل عن الحكم، وظل مكرم يقود هذه الحركة لـ 4 أشهر، انتهت بإصدار الباب العالي فرمانًا يلبي رغبة علماء مصر، وعلى رأسهم عمر مكرم، فتم عزل خورشيد باشا، وعُين بدلًا منه محمد على واليًا على مصر عام 1805، ويقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي عن هذه الواقعة: “كان للشعب زعماء عديدون يجتمعون ويتشاورون ويشتركون في تدبير الأمور، ولكل منهم نصيبه ومنزلته، ولكم من الإنصاف أن يُعرف للسيد عمر مكرم فضله في هذه الحركة، فقد كان بلا جدال روحها وعمادها”.

 

وظن الجميع أن وجود حاكم جديد سينهي دور عمر مكرم، أو يلغي محبته بقلوب الشعب، ففي الوقت الذي انشغل فيه محمد علي بمطاردة المماليك في الصعيد، كان عمر مكرم أحد المتصدين لحملة فريزر الإنجليزية عام 1807، حيث عمل على تنظيم المقاومة الشعبية، وتسبب في هزيمة الإنجليز في معركة رشيد، وردهم إلى بلادهم.

 

اعتقد مكرم أن كونه أحد الاسباب التي جاءت بمحمد علي إلى الحكم، سيجعل الوالي الجديد مدينًا له، ولكن بداية الصدام بينهما أظهرت له الحقيقة، فوقت أن قرر محمد علي فرض ضرائب جديدة على الناس، وكان مكرم يرفض هذا، رأى الوالي أن هذا هو الوقت المناسب للتخلص من مكرم، الذي ينافسه في محبة الناس له، واعتزازها به.

 

استعان محمد علي بالشيخ محمد المهدي، والشيخ الدواخلي، ومحمد أفندي ليحقق ما يتمناه، فوشوا بمكرم لإحداث الوقيعة، الذي رفض أن يجتمع بمحمد علي في القلعة لمناقشة امر الضرائب، وأصر على أن ينزل محمد علي من قلعته ليجتمع به في بيت أحد الشيوخ قائلًا: “إذا أصر الباشا على مظالمه، فأننا نكتب إلى الباب العالي، ونثير عليه الشعب، وأنزله من على كرسيه كما أجلسته عليه”، وفور علم محمد علي بنية مكرم حتى أخذ يقرب إليه الشيوخ ليعاونوه على عزل عمر مكرم من نقابة الأشراف، وهو ما تم، ثم قرر أن ينفيه خارج القاهرة، وقرر أن يرسله إلى دمياط عام 1809.

 

ظل مكرم بدمياط 10 سنوات، انتقل بعدها إلى طنطا عام 1818، حتى سمح له محمد علي بأداء فريضة الحج، التي عاد منها إلى القاهرة، عام 1819، وحين أعلن المصريون عن غضبهم ضد ضرائب محمد علي الجديدة في مارس 1822، أعاده محمد علي إلى منفاه مرة آخرى، خشية استقواء الشعب بوجوده، لتنتهي سيرة عمر مكرم العطرة، وقصة نضاله في نفس العام في أبريل 1822، ويبقى منه تمثالين، أحدهم شهد ثورتين بميدان التحرير، والآخر يراقب الحلم كل يوم في عيون جيل جديد من أمام جامعة أسيوط.

 

You must be logged in to post a comment Login