عبق قرنان من التاريخ بين شقيّ معصرة ‘‘زراع’’ بقنا

قنا: سعيد عطية

تشعر لأول لحظة حين تدخلها بعبق التاريخ وأصالة الماضي ونقاء الحاضر، فلم يدخل عليها التغيير أو التجديد إلا قليلا، وتوارثتها الأجيال واحدًا بعد الآخر، يطحنون فيها خيرات الأرض الطيبة ويستخلصون منها أجود وأنقى أنواع الزيوت.

 

‘‘معصرة زراع’’، التي تقع في قلب مدينة قوص بين كتلة سكانية ضخمة، أُسست عام 1190 هجريا، لإنتاج زيوت الطعام التي كانت أشهرها في محافظات الخص والسمسم والقرطم، وهي الأنواع التي كان يستخدمها أبناء في طهي الطعام، في الوقت الذي كان يُستخدم في الوجه البحري زيوت الزيتون والذرة وعباد الشمس، بعدها أدخلت معصرة زراع إمكانية استخلاص الزيوت العلاجية ضمن إنتاجها، وأي نوع من البذور الزيتية، حتى انتشرت فكرة المعصرة وتأسست ثلاثة وعشرون معصرة يدوية منها في مركز قوص قديما، لم يتبق منهم غير تلك المعصرة.

 

تُعتبر ‘‘زراع’’ المعصرة الوحيدة في الجمهورية التي تقوم بعصر الزيوت يدويا على البارد، ولم تستطع المعاصر الحديثة الوصول إلي جودة زيوتها، حيث أن الحرارة تؤثر على جودة الزيوت، لأن بها نسبة طيارة تتبخر عند 70 درجة مئوية، والمعاصر الحديثة تستخدم درجة حرارة أعلى من ذلك، مما يتسبب في تبخر جزء من أفضل مكونات الزيوت، إلى جانب إضافة بعض المواد للحفاظ على الزيوت لأطول فترة ممكنة، وهو ما لا يحدث في المعاصر اليدوية التي يخرج منها المنتج إلى أيدي المستهلك مباشرة.

 

المعصرة عبارة عن حجر أفقي من الجرانيت، يعلوه حجرًا آخر من الجرانيت بشكل رأسي، مُثبت على قطعة من الخشب، يخرج منها زراع مصنوع من شجرة صغيرة، يستخدم في إدارة الحجر الرأسي عن طريق بقرة لمدة ساعة، ويوضع بين الحجرين البذور المطلوب هرسها، وتضاف إليها كمية معينة من الماء، ويستمر الهرس.

 

تؤخذ تلك الكمية إلي المعصرة اليدوية وتوضع داخل دائرة مصنوعة من الجريد، يتم داخلها عصر البذور، التي تم هرسها عن طريق الضغط عليها بحجر مثبت في عامود حديدي، كان مصنوعا مسبقا من الخشب، وهو التطور الوحيد الذي دخل على المعصرة، لتصبح الزيوت جاهزة للاستخدام.

 

محمود يونس، مزارع، 70 سنة، خريج معهد شئون القطن ‘‘بكالوريوس علوم تصنيع’’، هو صاحب المعصرة الحالي ومديرها، الذي قال لـ‘‘المندرة’’إنه ورث هذه المهنة عن أبيه الذي ورثها عن جده، متمنيا أن ينقلها إلى أبنائه، ‘‘لكن شباب الزمان ده لا يحبون هذا النوع من الأعمال’’، وهو ما يجعله يخشى على المعصرة من الاندثار.

 

أوضح محمود أن إنتاج المعصرة هو إنتاج يدوي محدود، فهي لا تحتاج إلى عمالة كثيفة، مؤكدا على أن زيوتها من أنقى وأجود الأنواع، وأن أستاذ جامعي جاء من لندن لعمل أبحاث عن الزيوت المصرية، ولم تعجبه أنواع الزيوت التي وجدها في السوق، فجاء إلى المعصرة عن طريق شرطة السياحة، وأخذ كمية من الزيوت لإجراء أبحاثه عليها.

 

وضمّن الباحث في كتابه الذي ألفه عن الزيوت، المعصرة، مادحا جودة إنتاجها، وأكد محمود أن المعصرة تعمل على المستهلك المحلي، والتجار في قنا فقط، لإنتاجها المحدود، وإمكانياتها اليدوية البسيطة، مكتفية بزبائنها الذين يتوافدون عليها من حين لآخر.

You must be logged in to post a comment Login