عبد الناصر في حوار تخيلي: كلما زرت الصعيد عدت أشد قوة

 

جمال عبد الناصر عقب تأميم  قناة السويس

جمال عبد الناصر عقب تأميم قناة السويس

** عرضت تسليم السلطة على الوفد بشرط ضمان جلاء البريطانيين وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي لكنه رفض القانون

** تصرفات الإخوان ضرباً من التعصب الديني ولا أرضى بإنكار عقيدتي ولا أن تحكم مصر طائفة متعصبة

 

المندرة: مها صلاح الدين

بين جذور صعيدية وجرأة سكندرية، ولد ليكون الرجل الأول في مصر .. هو جمال عبد الناصر الذي ولد في 15 يناير عام 1918 في حي باكوس في الإسكندرية, من جذور ترجع لقرية بني مر بأسيوط, وعلى الرغم من أن ناصر لم ينل حقه في العيش في الصعيد إلا أن صعيديته طغت عليه حتى عشقه أهل الصعيد الذي كان له فيه جولات عدة حتى خصه في العديد من الخطب التي ألقيت على أغلب بقاعه .. بالأمس كانت ذكرى رحيله، عادت “المندرة” للخلف عبر آله الزمن لتجري معه ذلك الحوار التخيلي الذي يكشف لنا علاقة جمال عبد الناصر بالصعيد وبأشياء عدة أخرى:

 

• كيف كان دور أهالي الصعيد في ثورة يوليو وفي دعمهم لك بعدها ؟

عل ذكر أهالي الصعيد “أود أن أحييهم وأشكرهم على التعاون والتكاتف الذي حققنا به أهداف الثورة, كما أعتز بهذه القوة, وأؤكد أنه لولا هذه القوة وهذه العزيمة التى رأيتها فى كل أرجاء الصعيد لما استطاعت ثورة يوليو أن تحقق أهدافها. (من خطب جمال عبدالناصر في طما وطهطا وأبو قرقاص).

كما أنني كلما زرت الصعيد كنت أعود وأنا أشد قوة كلما رأيت قوتهم وعزيمتهم. (خطابه في ملوي).

 

• لقد كان لك زيارات شبه دورية لمدن الصعيد .. ما هي أهم المواقف التي مرت عليك أثناء تلك الزيارات؟ وكيف كان تأثيرها عليك؟

فى بداية ثورة يوليو كنت فى جولة بالقطار في محافظات الصعيد، وكان القطار يقف فى كل محطة وألوح بيدي للناس، وفى إحدى المحطات أراد أحد عمال التراحيل أن يقول لي شيئًا ولم ينجح، فألقى علي بمنديله المحلاوى، وتلقفت المنديل بينما أصيب الأمن المرافق لي بالهلع خوفاً من أن يكون داخل المنديل قنبلة، ولكنني فتحت المنديل فوجدت به بصلة و رغيف عيش بتاو، ولم يفهم أحد من الحضور لماذا رمى الرجل الطيب بهذا المنديل وما داخله إلا أنا كانت الوحيد الذى قد فهم ماذا تعنى هذه الرسالة وأطللت برأسي بسرعة من القطار ورحت أرفع صوتي فى اتجاه الرجل الذى ألقى بمنديل قائلا له ” الرسالة وصلت يا أبويا ، الرسالة وصلت “.

وعندما وصلت أسوان أصدرت قانون عمال التراحيل والحد الأدنى والأقصى للأجور، وفى خطابي مساء ذلك اليوم فى جماهير أسوان قلت: ” أحب أقول إن الرسالة وصلت وأننا قررنا زيادة أجر عامل التراحيل إلى 25 قرشا فى اليوم بدلًا من 12 قرشا فقط، كما تقرر تطبيق نظام التأمين الإجتماعى والصحى على عمال التراحيل لأول مرة فى مصر”. (خطاب جمال عبد الناصر في أسوان).

 

• متى شاهدت حدة وعند أهالي الصعيد؟

حينما أصدرنا قرار الإصلاح الزراعي وأردنا تطبيقه في محافظة المنيا فتصدى لنا عدلي لملوم المالك الأكبر للرقعة الزراعية بالمنيا والذي وصل معه الأمر إلى حد التصدي المسلح فلم يكن الأمر سهلا أبدا ولكن كان لا بد لنا من أن نحافظ على حقوقنا، وكرامتنا، وسيادتنا، وسندافع عن أنفسنا حتى آخر قطرة من دمائنا. (الموقع الرسمي لجمال عبد الناصر)

 

• برأيك كم ثورة نحتاج للإعلاء من شأن وطننا في وقتنا هذا؟ ومتى ستنجح الثورة؟

لكل شعب من شعوب الأرض ثورتان: ثورة سياسية يسترد بها حقه في حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه، أو من جيش معتدٍ أقام علي أرضه دون رضاه, وثورة إجتماعية، تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها علي ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد, ونجاح الثورة يتوقف على إدراكها للظروف التى تواجهها, وقدرتها على الحركة السريعة. (كتاب: فلسفة الثورة)

 

• كيف ترى شعب مصر بعد 25 يناير؟ وما رأيك بالمراحل التي مرت بها الثورة؟

ما أشبه شعبنا الآن بقافلة كان يجب أن تلزم طريق معين وطال عليها الطريق وقابلتها المصاعب وانبرى لها اللصوص وقطاع الطرق وضللها السراب فتبعثرت القافلة كل جماعة منها شردت فى ناحية وكل فرد مضى فى اتجاه. (كتاب: فلسفة الثورة)

 

• على ذكر الثورات .. هل تذكر أول مظاهرة شاركت بها؟ وما عمق تأثيرها على نفسك؟

كنت يومئذ تلميذًا في الإسكندرية لم أبلغ بعد الخامسة عشرة من عمري، وكنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شيء عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال؛ لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادى للسلطة, ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة؛ فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة, وقد دخلت السجن تلميذاً متحمساً، وخرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب. (الموقع الرسمي لجمال عبد الناصر)

 

• ما رأيك في الاتهامات المتوجهة إليك وزملاءك بأنكم قمتم بالثورة بهدف استيلاء العسكر على الحكم والحجر على جميع سبل الديمقراطية في عهدكم؟

نجحت الثورة ولكننا لم نكن راغبين في الحكم مطلقاً، لا أنا ولا زملائي من الضباط الأحرار. ولكننا كنا مصممين على محو كل أثر للسيطرة الأجنبية وعلى إجراء إصلاح زراعي حاسم لإنهاء النظام الإقطاعي الذي اختفى من قبل في أوروبا منذ ثلاثمائة عام، وكنت أريد أن يقوم بالمسئولية حزب يمكن أن يؤتمن زعماؤه على العمل في الحدود التي تلهمها روح الثورة, وفى بداية الأمر صفقت كل الأحزاب وهللت، وتصور كل من الوفد والإخوان المسلمين والشيوعيين أن الثورة لهم، فقد كانوا يحسبون أن من اليسير عليهم تشكيل جماعة من شباب الجيش المتحمسين بما يتفق مع منهجهم، ولكنهم عجزوا عن إدراك ما يكمن وراء الثورة من قوة في الهدف, وتحدثت مع زعماء كل الأحزاب، لكنى لم أجد بينهم من كان على استعداد لتقديم صالح الشعب على صالح حزبه، بل لقد ذهبت إلى أكثر من هذا، فعرضت على حزب الوفد أن أنقل إليه السلطة بشرط أن يضمن جلاء البريطانيين عن منطقة القنال، وأن يطبق الإصلاح الزراعي الذي يحدد حيازة الملكية الزراعية بمائتي فدان للشخص الواحد؛ ولكنهم رفضوا الإصلاح الزراعي وفضلوا أن يدوروا حول الفكرة ويبعدوا عنها, وهكذا حملنا المسئولية على عاتقنا والأسف يملأ قلوبنا، ولقد كان عملي يسيطر على حياتي فقلما وجدت الوقت لشيء آخر غير العمل . (حوار جمال عبد الناصر مع جريدة الصانداي تايمز).

 

• وكيف استفدت من تجربتك العسكرية في حكم البلاد؟

حكم بلد من البلاد يختلف اختلافاً عظيماً عن قيادة كتيبة من الجنود، ومع ذلك فقد كانت هناك وجوه مشتركة بينهما؛ فقد عرفت في مرحلة باكرة جداً ضرورة التخطيط، فالإصلاحات التي أردنا إدخالها كان لابد من تنفيذها على أساس الخطة الطويلة الأجل. (حوار جمال عبد الناصر مع جريدة الصانداي تايمز)

 

• وما هو سر موقفك الحازم من جماعة الإخوان المسلمين؟ وهل كنت عضوا بها يوما ما كما يدعون؟

قد كانت لي إتصالات متعددة بالإخوان المسلمين، رغم أنى لم أكن قط عضواً في هذه الجماعة، وأحسست بقوة زعيمهم المرشد العام حسن البنا، وهنا أيضاً وجدت أمامي صعوبات دينية؛ فقد كانت تصرفات الإخوان المسلمين ضرباً من التعصب الديني، وما كنت أرضى لا بإنكار عقيدتي ولا بأن تحكم بلادي طائفة متعصبة. كنت واثقاً من أن التسامح الديني لا بد أن يكون ركناً أساسياً من أركان المجتمع الجديد الذي كنت أرجو أن أراه قائماً في بلادي .(الموقع الرسمي لجمال عبد الناصر).

 

• من خلال تجربتك مع التدخل الأجنبي في شئون مصر الداخلية، قص علينا كيف لنا أن نستطيع رفض أي إملاءات من القوى الخارجية؟

من الأسس الثابتة التي وضعتها سياسة ثورة يوليو؛ إزالة السيطرة الأجنبية ورد الكرامة القومية إلى كل مصري.. تلك الكرامة هي ميراثه الطبيعي. وقد كنت مصمماً على أن أحقق استقلالنا، وأن أحرسه من كل دخيل مهما كلفني ذلك، وكانت السياسة معبرة عن الشعور العام الذي بدأ يجتاح كل العالم العربي, ولم يفهم قادة الغرب هذه الحقيقة إلا بعد فوات وقت طويل، فقد ظنوا أنهم إنما يواجهون إصرار رجل واحد. كانت نظرتهم إلى العرب هي نفس نظرتهم إليهم قبل الحرب العالمية الثانية؛ فلم يفطنوا أنهم يواجهوا الآن شعوباً تريد أن تنشئ مستقبلها بنفسها، ولا ترضى بأية تبعية بعد الآن. (الموقع الرسمي لجمال عبد الناصر).

 

• ما الكلمة التي دائما ما تود أن توجهها لشباب الثورة كلما رأيت اليأس والإحباط يسيطر عليهم؟

أود أن أقول لهم “اننا نحلم بمجد أمة و سوف نبني هذا المجد”, وأن “القوة أن تتصرف إيجابيا بكل ما تملك من مقوماتها” .(كتاب: فلسفة الثورة).

 

You must be logged in to post a comment Login