عبد البديع عبد الحي.. “قاهر الجرانيت” من الطبخ إلى النحت

عبد البديع عبد الحي

عبد البديع عبد الحي

**لم يتعلم النحت.. وفطرته في “ست الحسن” كانت طريقه إلى “هدى شعراوي”

**رفض السفر إلى فرنسا وإيطاليا.. وفضّل مرسم الأقصر

 

المندرة: هدير حسن

شق طريقه بنفسه، ولم ينتظر إعانة أحد، تميز بفنه وقدرته على تجسيد الجرانيت، الذي يعد أقسى أنواع الأحجار، ليستحق عن جدارة لقب “قاهر الجرانيت”، ويكون كمَنْ عاهد نفسه على ألا يخوض إلا الطرق الوعرة، فيقول عبد البديع عبد الحي عن نفسه: “أخذت الحجر الصلب لأنه يعيش، وصعوبة الحجر علمتني الكثير، علمتني الاحتراس والحذر والصبر وقوة التحمل وعدم التسرع”.

 

طبيعة النحات عبد البديع لا تخرج إلا من بيئة صلبة، ومن مجتمع قوي، فهو ابن الصعيد، حيث ولد في 30 يونيو 1916 بمدينة ملوي بالمنيا، من أسرة فقيرة لم تستطع أن توفر له تعليمًا متميزًا، فتعلم القراءة والكتابة بالكُتّاب، واعتمد منذ صغره على إعالة نفسه، فعمل طباخًا لدي إحدى العائلات الكبيرة بملّوي، وكانت بدايته الفقيرة الإمكانيات لا تشير إلى مسيرته الفنية، التي صنعها بنفسه، وبدعم من الآخرين.

 

البداية كانت بصناعة تماثيل صغيرة من الطين للجنود، حيث كان يرغب في الالتحاق بالتجنيد، ولكن ظروفًا منعته، وحين سمع بمسابقة “محمود مختار للنحت” قرر المشاركة عام 1944، وكانت المسابقة برعاية رائدة الحركة النسائية، هدي شعراوي (يمكنك التعرف عليها هنا)، وصنع عبد البديع، الذي يحمل من سمات اسمه الكثير، تمثالًا لفتاة تمشط شعرها باستخدام عتبة باب رخامية ومبرد قديم وشاكوش، وأسماه “ست الحسن”، وكان ينافس، وقتها، أهم النحاتين الوطنيين، فحصل تمثاله على الجائزة الأولى في المسابقة، وهو الذي لم ينل التعليم الأكاديمي، مما لفت انتباه هدى شعراوي إليه، التي ألحقته على الفور بدائرتها في ملّوي كطباخ، حتى ترعى موهبته.

 

وكان اشتراكه بمسابقة النحت يعني فوزه بالمركز الأول، ففي العام التالي حصل على الجائزة الأولى، وفي عام 1948 بنفس المسابقة نال، أيضًا، الجائزة الأولى، فقد كانت تماثيله تعبر عن واقع وأشخاص لهم ملامح واضحة ومحددة، وتنطق بسر إبداع صانعها، فكانت لديه القدرة على تطويع الأحجار الصلبة، وكأنها قطع عجين بين يديه، وعلى الرغم من هذه القدرة الفنية إلا أنه رفض الحصول على منحة قدمته له “شعراوي” ليدرس النحت في إيطاليا، كما فعل مع “طه حسين” حين عرض عليه أن يرسله ببعثة دراسية إلى فرنسا.

 

عصاميته واعتماده على نفسه، جعلا منه فنانًا مميزًا لا تشغله الأضواء ولا يبحث عن الشهرة، فقد فضّل على عروض المنح والبعثات مرسم الأقصر، الذي طلب أن يلتحق به، وفي عامه السابع والعشرين، استطاعت “شعراوي” أن تلحقه بالقسم الحر بمدرسة الفنون الجميلة، حيث كان يعمل على صنع النماذج والتحف وصب القوالب النحتية، إلى جانب قدرته على التجسيد ونحت الوجوه والحيوانات، وإتقان التجسيد الحركي، فله تماثيل لوجوه بملامح مصرية خالصة، ومنحوتات لسيدات عاريات، وآخريات تخبزن، وطيور، وقطط.

 

وطوال خمسين عامًا، اشترك عبد البديع في كثير من المعارض الفنية داخل وخارج مصر، كما حصل على منحة التفرغ منذ عام 1960 حتى 1970، وإلى جانب حصوله على جائزة مختار للنحت 3 مرات أعوام (1944- 1945- 1948)، فقد حصل على الجائزة الأولى بمرسم الأقصر للدراسة لمدة سنتين عام 1949، والمركز الثالث في مسابقة “الثورة في عشر سنوات” عام 1962، التي أقامتها جمعية محبي الفنون الجميلة، ونال جائزة الدولة التشجيعية للفنون عام 1972، ووسام العلوم والفنون، كما منحته أكاديمية الفنون “شهادة الجدارة” عام 1982، وتم تكريمه عام 2002 في الدورة السابعة لسمبوزيوم النحت الدولي بأسوان.

 

بعد رحيله على يد سارقين قتلوه في ورشته في صباح 5 يوليو 2004، ظنَا منهم أنه يحتفظ بالأموال والمجوهرات، بينما لم يجدوا معه سوى 63 جنيهَا، لم يترك عبد البديع لمحبيه منحوتات قيمة ونادرة، وسيرة فنية تشهد بالعظمة، فقط، ولكنه ترك، أيضًا، ابنًا حاول أن يحذو حذو والده، حيث قام شريف عبد البديع، أستاذ النحت بكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا، على إعادة أعمال والده وتحويلها إلى أعمال برونز، كما كان يرغب عبد البديع.

 

كما يمكنكم مشاهدة أعماله

 

You must be logged in to post a comment Login