طه حسين.. صنع فلسفة الحياة خلف نظارته السوداء

المندرة: مها صلاح الدين

كانت حياته أشبه بحرب ثلاثية الخصوم، أولهم، السلفية والرجعية الدينية، وثانيهم، الاستبداد السياسي، وآخرهم، الجمود الإجتماعي، والتفرقة الشاسعة بين الطبقات، هو عميد الأدب العربي طه حسين، الذي ولد بصيرًا في مركز مغاغة بمحافظة المنيا 15 نوفمبر 1889، لتلقى عينيه حتفها، نتيجة الجهل والخرافات، ومن ثم يتلقى تعليمًا تلقليديًا في كتاب القرية، فيظل نبوغه سرًا يكتشف حينما ينتقل إلي القاهرة مع أخيه الأكبر ليتم دراسته، ويحصل على المنحة، التي تعطيه فرصة دراسة الأدب في فرنسا، ليعود إلى مصر ويتقلد منصب عميد جامعة الإسكندرية، ويكون أول عميد لكلية الآداب جامعة القاهرة، وتكون ابنته هي أول فتاة تلتحق بالجامعة المصرية، وتثير أفكاره جدالًا كبيرًا حتى وقتنا هذا، كما واجهها أثناء حياته بنفس واثقة، وخطى ثابتة، ومن أبرز هذه الأفكار، آرائه حول هوية مصر، التي تعود من وجهة نظره، لشعوب البحر المتوسط، وليس للأمة العربية، وإذا بالمندرة تغوص في أعماق أسارير كتاباته، في ذكرى وفاته، لمحاولة فض الاشتباك الذي نشب حول فلسفة أدب طه حسين.

 

** باعتبارك لست أديبًا فحسب بل أيضًا اتجهت كتاباتك نحو الفلسفة.. فما هي الفلسفة من وجهة نظرك؟

الفلسفة هي مظهر الحياة العقلية القوية، وهي وسيلة الإنسان إلي أن يتصور الحقائق ويحكم عليها بعقله لا بخياله.

 

** وما تعليقك على البعد الكبير بين العربية الفصحى والذين من المفترض أنهم متحدثيها ودارسيها؟

ما أكثر شكوانا من أن اللغة العربية ليست لغة التعليم، وما أكثر ضيقنا ذرعًا باضطرارنا إلى اصطناع اللغات الأجنبية في التعليم العالي !! ولكن ما أقل ما نبذل من الجهد لنجعل اللغة العربية لغة التعليم ، بل نحن لا نبذل في هذا جهدا ما، كما أن السبب الجوهري في اضمحلال العلوم والآداب العربية كان بلا ريب تغلب الجنس والفن التركي.

 

** ألا ترجع بُعد الناس عن اللغة العربية إلى لغة الفلسفة والغموض التي يعتمد عليها بعض الأدباء والشعراء في كتاباتهم؟

ليس من الحق على الشاعر أن يقدم إليك فنه الرائع وأنت هادئ وادع مطمئن ناعم البال، وإنما الحق عليك أن تجدّ كما جدّ، وتتعب كما تعب، وتشقى بالتماس الجمال كما شقي هو بعرض هذا الجمال.

 

** ولكن.. كثيرًا ما يتهمون الأدباء بالجنون؟!

الشاعر والفليسوف وصاحب الفن طفل مهما يكبر، وما أعرف شيئًا يدفع النفس-ولا سيما النفوس الناشئة- إلى الحرية و الإسراف فيها أحياناً كالأدب.

 

** إذن كيف يصف الأدباء دائمًا أنفسهم بأنهم مقيدون؟

فلتكن قاعدتنا أن الأدب ليس علمًا من علوم الوسائل يدرس لفهم القرآن والحديث فقط ، وإنما هو علم يدرس لنفسه ويقصد به قبل كل شىء تذوق الجمال الفني فيما يؤثر من الكلام، ولكن الفن الرفيع قيد حر، فهو يفرض على صاحبه أثقالا وأغلالًا لا يستطيع أن يتخلص منها دون أن يفسد فنه إفسادًا وينحرف به عن طرقه المستقيمة المقسومة له.

 

** دائمًا ما ترفع عن المؤرخين حياديتهم حينما يقتربون من الأدب.. ما السر في ذلك؟

من العسير جدًا أن يخلص المؤرخ و مؤرخ الأدب بنوع خاص من عواطفه ،وشهواته، ومن ميوله، وأهوائه، ومن ذوقه في الأدب و الفن، حين يدرس الشعراء و الكتاب أو يوازن بينهم أو يحكم عليهم.

 

** لماذا دائمًا ما تتحامل على التاريخ وتنتقده في حياة العرب بالأخص؟

التاريخ سخيف لا خير فيه إن كان يعيد نفسه، لأن ذلك يدل على أنه لم يستطع للناس وعظاً ولا إصلاحاً، كما أن التاريخ في ذلك الوقت، كما كان في أكثر الأوقات، أرستقراطياً لا يحفل إلا بالسادة، ولا يلتفت إلا إلى القادة، وما أرى ذاكرة الشعوب إلا كهذه اللوحات السود التي توضع للطلاب والتلاميذ في غُرفات الدرس وحجراته، يثبت عليها هذا الأستاذ ما يمحوه ذاك، وهي قابلة للمحو والإثبات، لا نستبقي شيئاً ولا تمتنع على شيء.

 

** إذن ما هي الطرق المتاحة أمام المصريين للوصول إلى بر الأمان؟

إن المصريين بين اثنين لا ثالث لهما: فإما أن يمضوا في حياتهم كما ألفوها، لا يحفلون إلا بأنفسهم ولذاتهم ومنافعهم، وإذن فليثقوا بأنها الكارثة الساحقة الماحقة التي لا تبقي ولا تذر؛ وإما أن يستأنفوا حياة جديدة كتلك التي عرفوها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، قوامها التضامن والتعاون وإلغاء المسافات والآماد بين الأقوياء والضعفاء، وبين الأغنياء والفقراء، وبين الأصحاء والمرضى؛ وإذن فهو التآزر على الخطب حتى يزول، وعلى الكارثة حتى تنمحي، وعلى الغمرات حتى ينجلين، إنني أتسائل.. إلى أي الطريقين يريد المترفون من المصريين أن يذهبوا: إلى طريق الموت أم إلى طريق الحياة؟

 

** كيف استطعت أن تجسد أبطال روايات رغم كل بؤسهم ومشاكلهم يتسمون بهذا الكم من الجمال؟

مهما يبلغ الفقر بالناس، ومهما يثقل عليهم البؤس، ومهما يسيء إليهم الضيق، فإن في فطرتهم شيئاً من كرامة، تحملهم على أن يجدوا حين يأكلون مما كسبت أيديهم لذة لا يجدونها حين يأكلون مما يساق إليهم دون أن يكسبوه أو يحتالوا فيه، ويا لها من قوة هائلة تسيطر على النفوس فتمحوها حظها من الشخصية والإرادة محواً، هذه القوة التي يسمونها الحياء ورعاية العرف وما له من حرمات.

 

** وماذا عن الحياة في مكوك مداركك؟

الحياة مزاج من الخير والشر، ومن النعيم والبؤس، ومن الجمال والقبح، ومن السعادة والشقاء، وإن تمايز الأشياء، وتفاوت الأحياء، أصل من أصول الوجود، فلولا الفقر ما كان الغنى، ولولا البؤس ما كان النعيم، ولولا الانخفاض ما كان الارتفاع، ولولا الضيق ما كانت السعة، و“الجمال لايستقيم إلا إذا جاوره القبح، والنعيم لا يكمل إلا إذا جاوره الجحيم، فحياة الناس ليست رهينة بما يريدون، وليست مستجيبة لما يقدّرون.

 

** وكيف دائمًا ما يتغلب أبطالك على هموم حياتهم؟

للناس مذاهبهم المختلفة فى التخفف من الهموم، والتخلص من الأحزان، فمنهم من يتسلى عنها بالقراءة، ومنهم من يتسلى عنها بالرياضة، ومنهم من يتسلى عنها بالاستماع للموسيقى والغناء، ومنهم من يذهب غير هذه المذاهب كلها، لينسى نفسه ويفر من حياته الحاضرة وما تثقله به من الأعباء، فإذا ابتسم الصبح وأشرق الضحى واستيقظت الحياة ذابت كل المروعات.

 

** وكيف تستيقظ الحياة لإنسان من وجهة نظرك؟

الحياة لا تحب الناس إلا حين يعملون لكسب حبها ولا تحتقر أحداً كما تحتقر الذين يعيشون عيالاً على غيرهم.

 

** ما هي إذن مقاييس الإيمان لديك؟

سبيل المؤمن الذي مس الإيمان قلبه حقاً، هو ألّا يطغى إذا استغنى، ولا يبطر إذا نعم، ولا ييأس إذا امتُحن بالبؤس والشقاء؛ وأّلا يؤثر نفسه بالخير إن أُتيح له الخير من دون الناس، وألّا يترك نظراءه نهباً للنوازل حين تنزل، وللخطوب حين تلم، وإنما يعطي الناس مما عنده حتى يشاركوه في نعمائه، ويأخذ من الناس بعض ما عندهم حتى يشاركهم في بأسئهم.

 

** لماذا تفكك الشعب المصري بعد ثورة يناير وهو الشعب الذي لم يتمكن حتى الاحتلال من تفكيكه؟

سل السياسة عن هذا فهى التى تحسن التفريق بين الأصدقاء والتقريب بين الأعداء .. وهى التى تحسن أن تنسى الناس أنهم كانو رفاقا فى الصبا، وزملاء فى الشباب، وأخلاء فى الكهولة .. وسل السياسه فهى التى تحسن أن تقيم المنافع العاجلة مقام المودة الباقية، أليس غريباً أن يكون الرق هو الذي يسوي بين الناس ويُلغي ما بينهم من تفاوت الدرجة واختلاف المنزلة، وأن تكون الحرية هي التي تفرق بين الناس فتجعل منهم الغني والفقير والقادر والعاجز والقوي والضعيف والسيد والمسود؟

 

** وكيف يتمكن الشعب المصري من الحفاظ على حريته وفي الوقت نفسه الإرتقاء بمجتمعه؟

الحرية تحمل الأحرار أعباء ثقالًا، إذا أردت أن ترقى الأمة حقًا في ناحية من نواحي حياتها، فاعمد إلى المدرسة ، فأنت تجد في المدرسة وحدها أصلح السبل وأقومها وأوضحها إلى هذا الرقي، وليس إلى الإصلاح الإجتماعي من سبيل إلا إذا وجدت الأداة السياسية الصالحة التي تستطيع أن تنهض بعبئه وتنقذه من مشكلاته.

 

** إذا قدر لك أن توجه لشخص ما كلمة؟ فستكون لمن؟ وماذا ستقول؟

إلى زوجتي سوزان: بدونك أشعر أني أعمى حقًا. أما وأنا معك، فإني أتوصل الى الشعور بكل شيء، وإني أمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي.

 

** وأخيرًا.. كيف ترى حال الأدباء في عصرنا هذا؟

إنني أشد الناس رثاءً للكتاب و الشعراء و الأدباء و أصحاب الفن الجميل عامة، فحظوظهم سيئة في حياتهم وقلما ينصفهم التاريخ بعد مماتهم، فهم يثيرون في نفوس الأحياء أنواعًا من الحقد وضروبا من الضغينة.. هذا ينفس عليهم لأنه لم يوفق إلى حظهم من الإجادة، ولم يظفر بمثل ما ظفروا به من إعجاب الناس، وكان خليقًا أو كان يجد في نفسه خليقا بالإجادة و الإعجا. وهذا يتنكر لهم لأن الحسد قد ركب في طبعه، و لأن غريزته قد فطرت على الشر و حب الأذى، وهذا يتنقصهم لأنه لم يفهمهم أو لم يذقهم، و لأن فنهم لم يقع من قلبه موقع الرضا، لم ينزل من نفسه منزل الموافقة.

 

You must be logged in to post a comment Login