طقوس نساء إسنا في المآتم في الأقصر

أبو الحسن عبد الستار

أبو الحسن عبد الستار

 

الأقصر: أبوالحسن عبد الستار

في صباح ملبد بالغيوم استيقظت مبكراً علي غير عادتي حيث انني كنت علي موعد مع احد اصدقائي بمدينة اسنا ، والتي تبعد عن مدينة الاقصر حوالي ال60 كيلو متراً جنوبي محافظة الاقصر ، احضرت اسلحتي”القلم والكاميرا ” وذهبت في طريقي قاصداً اياها. قابلت صديقي وانطلقنا نتجول بأحياء اسنا واثناء تجولي وجدت هناك نسوة يكتسين الاسود و يجلسن صامتين امام احد المنازل وعندما سألت قالوا لي ان هناك شخصاً ما توفي منذ قليل فعجبت لما يجلسن صامتين هل المتوفي مات مقتولاً واهله ينتوون الثأر …فقالوا لي تلك عادات وتقاليد اسنا في المأتم . فخطينا خطوات ليست بالبعيدة فسمعت صراخ وعويل فعجبت لما يبكين الان بعد الصمت. فأشارت الي سيدة عجوز تجلس امام منزل قديم متهالك وكانت تكتسي ثوباً اسوداً واسعاً وفوقة خماراً تلتف به ويصل الي نصف جسدها فقالت لي من انت ولما تسأل عن ذلك المأتم فقولت لها انا صحافياً واريد ان اعرف لما هؤلاء النسوة كن صامتين وبعد قليل قمن بالصراخ والعويل بعد ان اتت اليهن بعض من النسوه فقالت لي اجلس قليلاً وسأحكي لك ما يجول بخاطرك . للعزاء في اسنا عادات وتقاليد تختلف عن اي مدينة اخري حيث انه بعد وفاة الميت لايتم الاعلان عن وفاة الميت ولا تبدأ النساء في الصراخ والعويل الا بعد ان تجتمع افراد عائلته سواء حتي وان اخذ ذلك وقتاً طويلا يجلسن صامتين لحين ان تتجمع افراد عائلته دون استثناء . وبعد ان تكتمل افراد عائلته تبدأ النسوة في الصراخ والعويل و”الحدي” فقاطعتها ما هو الحدي فقالت تمهل قليلاً يا ولدي هذا ما سأجيبك عليه دون ان تسأل لاني اعرف انك لا تدري ما” الحدي ” واستكملت يا ولد”الحدي” هو ان تروح النسوة ذهاباً واياباً في الحي ويرددن هتافات ينعين بها الميت ونعتبرها حق للميت علينا ، منها علي سبيل المثال ” سيبت الطريق ومشيت بالحرجه(الارض الفناء) ولقيت المقدر غالب الكتبه سيبت الطريق ومشيت بالجرجوب (حصي الارض ) ولقيت المقدر غالب المكتوب” وللحدي اهداف خفيه حيث انها تظهر امام الناس بأنها تحدي ولكن في واقع الامر فأنها مباحث فأستوقفتها مهلا سيدتي وكيف يكون ذلك فقالت انا سيدة عجوز ولكن اعطاني الله هبة وهي البصيرة حيث عندما رأيتك توسمت فيك الذكاء ولكن لم يعجبني فيك القلق والعجله صبراً قليلاً ستعرف كل شئ فأعتذرت لها . قالت يا ولدي ان هؤلاء النسوة يتظاهرن بالصراخ والعديد ولكن هن يتفحصن النساء اللواتي يأتين لتقديم العزاء هل أتت صارخة من بداية الحي ام عندما اقتربت ام جاءت صامته ، وهل ارتدت الاسود ام ان هناك ثوباً ملوناً ترتديه اسفل الاسود وهل تلبس حلي او تضع كحلاً او اي شئ من قبيل ان تظهر بصورة طيبة ، وهل قدمت العزاء باليد اما الرأس بألرأس … صمتت برهه فقولت لما توقفتي فقالت انتظر ان تسأل فقولت لها حقيقة انك سيدة حكيمة لقد وددت ان اسأل لما كل ذاك ولكن لم اريد ان تنزعجي فقالت لا عليك . تلك ببساطة تندرج تحت مثل” المعامله بالمثل وكله سلف ودين ” اي انه عندما تقدم السيدة واجب العزاء يقدم لها مثلما قدمت هي للاخرين ان حدث عندها حالة وفاة ان ارتدت حلياً تأتي النسوة لها يرتدين حلياً مثلما ارتدت لهن . ..فضربت كفاً علي كف وقولت لها وهل تصل الي هذا الحد وكيف يتذكرن كم النساء اللواتي فعلن ذلك فقالت تلك من عادات النساء . وللعزاء يا ولدي ثلاثة ايام لكل يوم طابع خاص حيث انه في اليوم الاول لا احداً يستطيع ان يأكل حتي انتهاء اليوم ويسمي ذلك اليوم بليلة” الوحدة ” وان حدث وانكشف امر سيدة بأنها اكلت في اليوم الاول يظل ذلك عاراً يلاحقها مدي الزمن. اما اليوم الثاني فيمر عادياً حيث يصرخن ويعددن فقط عندما تأتي بعض النساء ليقدمن واجب العزاء ثم يجلسن صامتين باقي اليوم . وختاماً وهو يوم “العقيرة ” وهو ان يبدأن بالصراخ والعديد في نهاية ذلك اليوم بقوة وكأن المتوفي مات من دقائق ثم ينتهي العزاء . فقالت هناك شيئأ لم تسألني عنه وانا اعرف انه لم يأتي بخاطرك فقولت لها وما هو فقالت اذا حدثت حالة وفاة اخري اي ان هناك حالتين وفاة في نفس التوقيت في البلده نفسها كيف يتم العزاء بين اصحاب تلك الحالتين … فقولت لها كيف . قالت هناك في كل مأتم في بلدنا اسنا سيده تعتبر هي كبيرة العائلة تقوم تلك السيدة بأرسال وفد من سيدات بعينهن وعدد محدد الي اصحاب المأتم الاخر ليقدمن واجب العزاء وكذلك اصحاب المأتم الاخريفعلن مثلهن ويسمي ذلك ” عزا الحزانا ” فأحضرت الشاي وشربنا سوياً وقالت عندما تأتي الي المرة القادمة ان كان في العمر بقية سأحكي لك طقوس الزواج فشكرتها ووعدتها بذلك وانصرفت انا وصديقي لنستكمل ما تبقي من يومنا.

 


موضوعات ذات صلة

You must be logged in to post a comment Login