“صندوق” للرحمة والحرية والوفاء يقي نساء الصعيد المغتربات شر الحاجة

**مشروعات صغيرة للسيدات في حلوان.. والجمعية: هدفنا تمكين المرأة

**النساء: الصندوق فك أزمات وبعدنا عن قعدة التلفزيون

 

القاهرة: هدير حسن

حين صرحت الدكتورة ليلى إسكندر، وزيرة التطوير الحضري والعشوائيات، “مش عارفه هنرجع الصعايدة لمحافظاتهم تاني إزاي؟”، مطلع الشهر الماضي، موضحة أن هجرة أهل الجنوب من بلادهم إلى القاهرة والإسكندرية سببها قلة فرص العمل المتاحة لهم في ، أحدث كلامها ضجة واسعة وسخط في أوساط أهل ، كما أظهر ما أدت إليه سنوات الإهمال، وكيف لجأ الصعايدة إلى مدن العاصمة، وأحيائها العشوائية ليهربوا من الفقر والعوز والتهميش، ولكن أماني الطوخي وجمعيتها الأهلية كان لهم رأي آخر.

 

مبادرة “بنك البوسطة” أدارتها أماني الطوخي واستهدفت بها أهل الصعيد القاطنين بمدينة حلوان، حيث مقر جمعيتها “شباب اليوم لتنمية المجتمع المدني”. المبادرة في بدايتها كانت تعمل على ملف عمالة الأطفال، وكانت عبارة عن مشروع قررت منظمة التعاون الإيطالي تطبيقه في مصر، بالتعاون مع عدد من الجمعيات الأهلية بشبرا الخيمة ومنطقة السيدة عائشة، ومن ضمنها جمعية أماني، التي قررت أن تركز نشاطها على النساء حتى بعد انتهاء المشروع مع المنظمة الإيطالية، لإيمانها بقدرة السيدات على زيادة رفاهية الأسرة إذا تم تمكينها اقتصاديًا.

 

صندوق ذو ثلاثة أقفال هي الفكرة التي ظلت أماني ومعها أعضاء الجمعية يقنعن به نساء الجنوب المهجرات في حلوان طوال 4 سنوات، بدأتها في 2011. يشبه هذا الصندوق صناديق الادخار، حيث تتشارك ما بين 7 إلى 10 سيدات فيه عن طريق الأسهم، التي يحددن قيمتها وفقًا لقدرتهن المالية. يحتوي الصندوق على دفتر خاص بكل سيدة يُسجل فيه عدد الأسهم التي دفعتها، وكيس قطني أزرق يتم جمع أموال الأسهم بداخله، وكيس قطني أحمر يسمونه “كيس التكافل الاجتماعي”، حيث تضع به كل واحدة منهن مبلغ مالي تعتبره صدقة، ويكون بمثابة فائض مالي قد يلجأن إليه وقت الحاجة.

 

مرت أماني وجمعيتها بصعوبات مختلفة حتى تستكمل مشروعها، بداية من إقناع السيدات بمدى جدوى فكرة الصندوق، وحتى البحث عن التمويل اللازم لاستكماله، خاصة، بعد توقف التعاون مع منظمة التعاون الإيطالي، كما واجهت محاولات الرجال إثناء زوجاتهن عن هذا المشروع بحجة أنه وسيلة للنصب. وتوضح أماني “دخول شخص غريب بيوتهم، وكلام السيدات مع ست ميعرفوهاش موضوع صعب، واحتاج مننا فترة طويلة عشان نكسب ثقتهم”، وذلك حتى استطاعت أن تكون صديقتهم، وتكون الجمعية وسيلتهم لتعلم الجديد، حيث قدمت لهن الدورات التدريبية في مجال صناعة الإكسسوارات والحلي، وإنتاج مشغولات يدوية من الجلود، كما تعرفن من خلالها على دروس محو الأمية، وتلقوا الندوات التثقيفية صحيًا وسياسيًا.

 

ويوفر المشروع عدة ضمانات تتلخص في الاحتفاظ بالصندوق لدى إحدى المشاركات به، على أن تحتفظ ثلاثة أخريات بأقفال الصندوق الثلاثة مما يضمن لهن التحكم في أموالهن، كما أن ابتعاد الصندوق عن الإجراءات الحكومية، وضماناتها القانونية، واقتصاره على السيدات فقط ضمن لهن أموالهن، كما تقول أماني، “عدم التعرض للحبس أو الجزاء القانوني إذا أرادوا الاقتراض منه وتعثروا في السداد”.

 

قيمة أسهم الصندوق رمزية، وتتناسب مع الأحوال المعيشية للسيدات، فهي تبدأ من جنيه وحتى 5 جنيهات، وتكون إدارته بالانتخاب، حيث تقوم السيدات بانتخاب 4 منهن يمثلن مجلس الإدارة، واحدة تحتفظ بالصندوق في منزلها، وثلاثة أخريات تحتفظ كل واحدة منهن بأحد أقفال الصندوق، مما يعني أن فتح الصندوق يتطلب وجود أربعة على الأقل من المشاركات به لفتحه، مما منحهن الطمانينة، كما أن أحد شروط الصندوق أن تكون السيدات المشاركات به على علاقة ببعضهن، تجمعهن صلة قرابة أو جيرة، كما يقمن بالتعاون في الصندوق وفق ميثاق عمل يجمعهن، يحددن فيه يوم الاجتماع الدوري الخاص بهن، وقيمة الأسهم، واسم الصندوق، وكلها أمور تطلبت التدريب والعمل مع المجموعات لفترة قد تصل إلى 9 أشهر.

 

الصندوق.. “فك زنقة”

تقول أم حسن، 50 عامًا، التي أتت إلى حلوان من قريتها ببني سويف وهي في الثانية عشرة من عمرها، إن فكرة الصندوق جعلتها تفكر في إقامة مشروعات صغيرة لتدبير أمورها، وزيادة دخلها، حيث يمكنها الصندوق من الاقتراض على أن تقوم بتسديد المبلغ في مدة أقصاها 3 شهور، فيما شرعت فوزية زيدان، 42 عاما، التي جاءت من أسيوط، في حياكة ملاءات الأسرة وبيعها، والمساهمة في زواج ابنها بعد اشتراكها في الصندوق منذ أربعة أعوام. وكانت قيمة سهم الصندوق، الذي تسميه هي ومجموعتها باسم “الوفاء”، 5 جنيهات زادت بعد أن ارتفع العائد المادي لكل منهن. وأوضحت “فكرة الصندوق حلوة بدل ما أروح البنك، وأشيل فلوسي بشيلها فيه ووقت ما بحتاجها باخدها وأعمل منها مشروعات، وكل ده وأنا قاعدة في البيت”.

 

واعتبرت أغلب السيدات أن الصندوق غيّر مسار حياتهن، فصندوق “الحرية” مكن صفاء السيد من بيع الأدوات المدرسية بموسم المدارس، بينما خبزت إحدى قريباتها الرقاق لبيعه، واستطاعت أخرى بالمشاركة مع مجموعتها في شراء ماكينة للخياطة، وبدأن في تفصيل الملابس لمن حولهن، وثالثة تقوم ببيع ادوات التجميل، لتتفق جميعهن على أن الصندوق “خلانا نفكر، وندبر أمورنا بدل ما كنا قاعدين قدام التلفزيون”.

 

وإلى جانب المشروعات، استطاع الصندوق أن يجنب السيدات الاضطرار إلى الاقتراض من الاقارب والمعارف، إذا احتجن لمبلغ مالي لقضاء إحدى الحاجات الضرورية، فتقول أم أحمد، المشاركة بصندوق “الرحمة”، “قدرت أخد من فلوس الصندوق وأسدد فواتير المياه اللي وصلت لألف جنيه، ولو مكنش موجود مش عارفه كنت هروح لمين”، وتضيف إلى حديثها أم ياسر، “الصندوق بينفع في دخول المواسم، زي مرة في رمضان مكنش معانا فلوس، خدنا من كيس التكافل واشترينا شوالات رز وسكر وزيت وكافة احتياجات البيت ووزعناها على بعض”.

 

وقد يصل العائد المادي السنوي لكل سيدة إلى 1500 جنيه من سهم رمزي لا يتعد الخمسة جنيهات، مما أغرى كثير من السيدات للاشتراك بالمشروع حتى وصل عدد المجموعات إلى 100 مجموعة، تسعى جمعية شباب اليوم إلى زيادتهم.

 

وأماني الطوخي هي إحدى الرائدات الاجتماعيات اللاتي فزن بدعم من برنامج ‘‘مبادرون مصر’’، الذي وفر لعدد من رواد الأعمال الإجتماعية، التمويل والدعم الفني، عام 2013.

 

You must be logged in to post a comment Login