صناعة السبح ببني سويف عمل بديل لوظائف الحكومة

 

**صناعة السبح فى مصر ترجع إلى العصر الفاطمى وهى تصنع من خامات نباتية وليست نارية

**للسبح استخدامات عديدة فهى تستعمل للعبادة الدينية وكوسيلة للبروز الإجتماعى والوجاهة والأبهة

 

بنى سويف: محمد حسين

السبحة أو المسبحة، أتخذت فى عصور ما قبل التاريخ كزينة وتعويذة وتميمة، وفى الأثار الفينيقية ما يشير إلى استعمالها فى المقايضة التجارية، بينما استعملها الكهنة البوذيين فى الصين والهند فى عباداتهم. وتشير الكتب التاريخية إلى اشتهار مدينة البندقية بصناعة المسابح من الزجاج الملون، والصين بصناعة سبح من العاج، وأوروبا بصناعة سبح من الكهرمان الأسود، ويعتقد المؤرخون أن أول سبحة فى الإسلام كانت من نوع البلح.

 

مهنة صناعة السبح عمل لا يمارسة إلا أصحاب “البال الطويل”، والصبر الفائق، والتركيز الشديد، وهى عناصر لا تتوافر إلا لدى كبار السن وأصحاب الخبرة الطويلة فى الحياة كما أنها مهنة نادرة أيضا، ورغم ذلك تجد فى هذه المهنة الأطفال الذين لم يتجاوزوا السابعة أو الثامنة من العمر.

 

تجولت المندرة، فى بعض ورش صناعة السبح فى مركز ناصر ببنى سويف، لتتعرف على مراحل صناعتها، والمواد الخام، وتسويقها، وسبب انتشارها فى الفترة الأخيرة فى المركز.

 

يقول عيد خميس أبورية، ومحمد رمضان، أصحاب إحدى الورش، إن تاريخ صناعة السبح فى مصر يرجع إلى العصر الفاطمى، وهى تصنع من خامات نباتية وليست نارية “أى بلاستيك” مثل السبح الصينى، وتعد أشجار الأبانوس والعود والصندل والورد والسندونوس والعظم من أفضل الخامات المستخدمة فى صناعة السبح، كما يعد خشب كوك جوز الهند من الأنواع الجيدة أيضا وهى فى حجم ثمرة الكمثرى، ومنها الكوك الأصلى فى حجم ثمرة الخيار، وهو الخشب الذى يقال إن سيدنا نوح استعمله فى تصنيع سفينته قبيل الطوفان، مشيرين إلى أنهم أثناء دراستهم بالأزهر الشريف منذ عام 2001، عملوا مع أولاد عمهم فى صناعة السبح بمنطقة الحسين ومعهم إثنين من زملائهم، فاستمروا فى الصناعة لعامين وبعد تخرجهم انتقلوا لمركز الواسطى ببنى سويف، حيث عملوا فى مصنع للسبح لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وقرر الأربعة الإستقلال بنقل الصناعة إلى مركز ناصر، ففتحوا ورشة جديدة واشتروا الآلات والمادة الخام ومجموعة من الشباب، ومن هنا دخلت صناعة السبح لتكون صناعة رئيسية فى فترة قصيرة بالمركز.

 

ويضيفوا أن الصناعة لم تقتصر على متفرغ بل يمكن للطالب أو من لدية عمل آخر أن يعمل بها فترة مسائية، وهى تضم طوائف وأعمار مختلفة خاصة بعد أن تراجعت صناعة نجارة المسلح، فاتجة معظم الشباب إلى صناعة السبح، لافتين إلى أن هذه الصنعة وفرت فرص عمل كثيرة للشباب خاصة أصحاب المؤهلات العليا الذين لا يجدون وظائف فى الوقت الحالى، حيث بدأت الورش تنتشر وزاد عددها إلى خمسة وعشرين ورشة فى فترة لا تتجاوز ثلاثة سنوات، ولكنهم يواجهون بعض المصاعب وهى ندرة بعض الخامات مثل خامة سن الفيل، وذلك لأنها تباع بسعر عالى للغاية وخامة اليسر، التى تباع منة سبحة “التلت” الثلاثة والثلاثين حبة بـ 300 جنيه وأن هناك أشكال عديدة لصناعة السبح منها الشكل البيضاوى وهو الشكل الشائع وقد يضم أشكال أخرى مطعم بها مثل الشكل الكروى المتكامل والشكل الأسطوانى والشكل البندقى والشكل الحمصى أو شكل حبات الذرة أو الشكل اليونانى المسطح اللوزى أو الشكل المضلع.

 

ويوضح محمود عيسى، صاحب إحدى الورش، خريج دبلوم كهربائية، أن السبحة تستخدم لعدة أغراض، منها لغرض العبادة الدينية وتلاوة الأوراد وذكر الله وتقواه وعبادتة، وتستعمل كوسيلة لإظهار الذات والبروز الإجتماعى والوجاهة والأبهة، وكمظهر من مظاهر الترف عندما تكون غالية الثمن، وتستعمل السبحة عند بعض الناس وسيلة نفسية فيتخذها عاملا مساعدا على التهدئة من انفعالاته أو ستارا لكبت المشاعر ووسيلة للتخلص من وتفريغ شحنات القلق النفسى، وبذلك أصبحت السبح ذات علاقة مباشرة بعواطف الإنسان ومشاعره، كما قد تكون السبحة عند بعضهم مجرد وسيلة لتحقيق رغبة من خلال التسلى بحباتها، وهناك من يستعمل السبحة للإستغناء عن التدخين وهناك من يدعى أنها تعينه على التفكير الهادىء.

 

ويشير عيسى إلى أن خامات صناعة السبح تتنوع وتختلف حسب طلب السوق وحسب ماديات الصانع، فهناك خامة الكهرمان وهو خامة أصلية وعريقة جدا فهى أحجار تكونت منذ ملايين السنين، وللكهرمان أنواع وألوان عديدة فمنه الشجرى والحجرى ومنه الأصفر والأحمر والأبيض والشفاف والكاتم، وأسعاره متفاوتة تعتمد على وزن السبحة بالجرام، وخامة اليسر يوجد منه العديد من الأشكال وبأحجام مختلفة بعضها مطعم بعظم، وبعضها بالكهرمان، وبعضها بالفيروز والفضة والعقيق، وهو حجر كريم من نوع المرو المسامى دقيق التعريق يوجد على هيئة مخطط من العقيق الأبيض، ويوجد بشكل رئيسى على هيئة طبقات فى تجويفات الصخور الرسوبية ومعظم أنواع العقيق ذات ألوان قاتمة وتتنوع خطوطها إبتداء من الأبيض مرورا بالرمادى وإنتهاء بالأسود وقد تكون الخطوط حمراء باهتة أو صفراء أو زرقاء فى بعض الحالات، وخامة عظم الجمل ويعتبر من الأنواع المتوفرة فى السوق، وخامة المرجان ويتميز هذا النوع بصغر حجم الحبة ولونها أحمر، وخامة الكوك وهو خامة تستخرج من أراضى البرازيل وهو المستخدم فى معظم ورش صناعة السبح، وخامة الفيروز وهو حجر أزرق صاف ومن أفضل أنواع الفيروز هو الفيروز الإيرانى حيث أن لونه يعبر عن أصالة الحجر وجودته، وهناك أنواع السبح التى تصنع من اللؤلؤ، وأيضا العاج ولونة أبيض مائل للإحمرار وتسمى سبحة “ناب الفيل” والعاج الطبيعى لا يمكن أن يحترق أو يتغير لونه لأى سبب من الأسباب ويوجد فى الأسواق سبح أخرى من سبح ناب الفيل، وهى سبح غير طبيعية مصنوعة من العاج الصناعى الذى يحترق ويتغير لونه إلى الأسود عند تعريضها للنار.

 

ويوضح عيسى، أنه من الأسواق التى تباع بها السبح وتعتبر أسواق لصانعيها فى أى مكان فى مصر هى البازارات السياحية بخان الخليلى والحسين، وأن المنتجات الأكثر مبيعا تصدر للسعودية فى المقام الأول حيث تساهم فى تنشيط السياحة بالنسبة للحجاج، وأيضا تصدر لكثير من الدول العربية الأخرى وهناك تجار لا يبيعون فى الأسواق المصرية بل يسوقون من الورشة للتاجر الرئيسى إلى السعودية مباشرة.

 

ويتجه أصحاب الورش فى مركز ناصر لإستخدام خشب الكوك، وعظم الجمل بصفة أساسية لأنهما المتوفران وأسعارهما فى المتناول، ويعتبرا الخامة الشعبية فى أى مكان، وأن هناك بعض التحديات التى تواجه الصناعة المحلية الدولية، وهى السبح، فى أن طريقة تصنيعها سهلة وبسيطة لذلك يقوم “صبيان” الورش بفتح ورش جديدة خاصة بهم وهذا يؤدى إلى قلة جودة صناعة السبح وانخفاض أسعار تسويقها، لأن الصبية لا يعرفون كبار التجار لكى يبيعوا لهم، وتأخذ الورشة سنة تقريبا لكى يفهم صاحبها التسويق ويتقن طريقة ومراحل صناعة السبحة، إلى جانب أنه يمكن أن توجد الخامة فى أوقات وتقل فى أوقات أخرى، وأن السوق يطلب دائما كل ما هو جديد والجديد هو عمل سبحة مطعمة أو منقوش عليها، والتى تأخذ وقتا طويلا وصبرا أطول، ولذلك فأصحاب الورش الكبيرة يستعينوا برسومات جديدة من الكتب الدراسية بمدرسة الفنية بالمركز.

 

محمد حسن، يعمل فنان تطعيم بإحدى الورش، خريج معهد فنى تجارى، يقول إن أعداد كثيرة من السبح فهناك سبحة عددها تسعة وتسعون حبة وتسمى عادة ونوع آخر ثلاثة وثلاثين حبة وتسمى التلت وهى الأكثر تداول بين الناس إلى جانب سبحة ستة وستون حبة وأربعة وأربعون حبة، وهذان النوعان للأقباط وتمر صناعة السبحة بمراحل منها” التفصيل – التسويك – التقطيع – التخريم – عمل فرمة على المكينة – السنفرة – التلميع – الطقم – التلضيم”، وفى صناعة السبحة ثلاث مجالات وهى الشغل السادة مثل “الكوك السادة – عظم الجمل السادة – الأبانوس السادة” ثم التطعيمات وهى مهنته، فهناك سبح مطعمة بالفضة أو بالعاج، وسبح يسر مطعمة بالفيروز أيضا يوجد مجال الكتابة على السبحة، حيث تحرص شركات كبيرة ومتنوعة على كتابة لفظ الجلالة الله وأسماء الله الحسنى أو بعض الدعوات، من أجل الحصول على البركة حيث تتنافس العديد من الدول الإسلامية والعربية فى فن التطريز والتطعيم، سواء كان خان الخليل في القاهرة، أو دمشق في سورية، أو تايوان في هونج كونج، كل على حسب مهارات صائغيها وصانعيها في دمج الألوان المختلفة بعضها ببعض.

 

ويضيف حسن أن مجالات الكتابة والتطعيم قلما توجد فى الورش بمركز ناصر لأن السمة الغالبة هى الإنتاج وليس التطوير أو الاهتمام بالمهنة، وأن الورش فى مصر تهتم بالتطعيم والكتابة على السبحة بالفضة والذهب والماس والألمونيوم وتعمل الورش هناك بجميع أنواع الخامات، أما فى الأقاليم فتعتمد الورش فى الصناعة على أرخص الأنواع، مشيرا إلى أن كل دولة لها السبحة المناسبة لها وحجم خاص للحبة فالمصريون يحبون السبحة ذات الحبات الثلاثة وثلاثين ومقاس 8 مللى، فى حين أن الأتراك يحبون السبحة ذات الحبات التسعة وتسعون بمقاس صغير 6 مللى وشكل هادىء بسيط من دون زخرفة أو ألوان مبهجة، بينما الأفارقة يقبلون على السبحة السنغالى وعدد حباتها تسعة وتسعون حبة ولكن حجم الحبة كبير 10 مللى وهى سمراء اللون وروؤسها وفواصلها بيضاء، أما أبناء الخليج والعراق فيحبون السبح الكهرمان ذات الثلاثة والثلاثين حبة، ويميل المسلمون الأجانب فى أوروبا وأمريكا إلى النموذج المصرى الثلاثة والثلاثين حبة بمقاس 6 مللى، موضحا أن نشاط تصنيع وتجارة السبح مصرية الصنع تأثر فى العامين الأخيرين بسبب إغراق السوق المصرية بالسبح الصينى رخيصة الثمن ورديئة الصنع.

 

You must be logged in to post a comment Login