صلاح الدين حافظ.. قديس الصحافة ومحاميها القادم من المنيا

صلاح الدين حافظ

صلاح الدين حافظ

**عمل بالصحافة 40 عامًا.. ومرتبه حتى وفاته لم يزد عن 1986 جنيهًا

**عام 68 كان أصغر أمين عام بنقابة الصحفيين

**تم فصله مرتين من “الأهرام” ومُنعت كثير من مقالاته بسبب دفاعه عن حرية الصحافة

 

المندرة: هدير حسن

أحد القامات الصحفية الكبرى، بدأ حكايته مع الكتابة بالقصص القصيرة، دافع عن حرية الصحفيين، وواجه الحكومات المتعنتة، فكان صورة مشرفة للصعيد، الذي نشأ فيه، حيث ولد في المنيا، وتحديدًا بقرية العقيلة في مركز العدوة، في 8 ديسمبر 1938، لينطلق منها نحو “الأهرام” ليصنع تاريخًا للصحفيين المصريين والعرب يفخروا به، وعلى طول أربعين عامًا لم يمل خلالها من الحديث والمطالبة بحرية الصحافة، دفع صلاح الدين حافظ الثمن.

 

إذا تناولنا مسيرته المهنية بسرد المناصب والجهات التي عمل بها فسنكون مقصرين، رغم ثرائها، فبدايته كانت بعد حصوله على الليسانس من كلية الآداب قسم الصحافة عام 1960، حيث عمل في “الأخبار”، و”التعاون”، و”الشعب”، ثم التحق بـ “الأهرام” عام 1965، ليبني معها مجده الصحفي، فأصبح سكرتير تحرير عام 1968، فمساعد رئيس تحرير، ثم نائب رئيس تحرير، حتى وصل إلى “مدير تحرير الأهرام”، وكان مسئولًا عن “الأهرام الدولي” من عام 1985 وحتى 2001، كما عمل مدير تحرير لجريدة الراية القطرية 1981- 1984، وحاضر كأستاذ بجامعة قطر 1984- 1985، وبكلية الإعلام جامعة القاهرة 1987.

 

رئاسة تحرير الأهرام، هي المنصب الذي لم يصل إليه صلاح الدين حافظ، ليس تقصيرًا منه، وإنما لأن الرغبة السياسية لم تتوافر، فالحصول على رئاسة تحرير الأهرام قرار سياسي، كما أكد صلاح الدين، ولأنه “ابن تجربته”، كما قال عن نفسه، فلم تكتب له هذه التجربة أن يتولى هذا المنصب، فقد كان يقول: “الصحافة في مصر ملكيتها للدولة، وأصبح قرار اختيار رؤساء التحرير قرار سياسي، وتجربتي وكتاباتي متوصلنيش أكون رئيس تحرير مختار بقرار سياسي”، ولكن وصل صلاح الدين بجهده وكفاءته إلى آخر مرحلة مهنية.

 

أمّا تجربته، التي أشار إليها، فهي قلمه الجاد الصارم، الرافض للظلم، والداعٍ إلى الحق، المدافع عن الحرية، وفي القلب منها، حرية الصحافة، التجربة التي قدم خلالها نموذجًا للصحفي صاحب الرؤى المختلفة في السياسة والحرية والديمقراطية، والعلاقات المصرية الخارجية، وما يحدث في فلسطين والعراق، ولكن كثيرًا ما كانت تواجه مقالاته وأراؤه المنع، والحجب، حتى إنه تعرض للفصل من “الأهرام” في عهد السادات مرتين، الأولى عام 1971، والثانية عام 1981، ولكنه استطاع أن يعبر عن ما يراه في السياسة والصحافة وعلاقتهما ببعضهما البعض بما يقرب 12 مؤلفًا، آخرهم “تحريم السياسة وتجريم الصحافة”، وأبرزهم: “تزييف الوعي”، و”أحزان حرية الصحافة”، و”صدمة الديمقراطية”.

 

تم اختياره مرتين سكرتير عام لنقابة الصحفيين، الأولى منها لم يكن قد أتم فيها عامه الثلاثين، فكان بذلك أصغر أمين عام لنقابة الصحفيين في تاريخها، كان يشغل منصب الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب، وأسس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، واهتم بكل ما يتعلق بتحقيق الديمقراطية والحرية المنشودة، التي لا يرى أنها تنفصل عن حرية الصحافة، فكلاهما مؤدٍ إلى الآخر، وكان يقول عن ذلك: “لن يحدث إصلاح سياسي جوهري في مصر، دون ضمان حرية الصحافة، خصوصًا حقوق المشاركة والتصويت والترشح في انتخابات نظيفة، وحرية تداول السلطة، وحرية تدفق المعلومات وانسيابها، وتلاحق الآراء المختلفة، وقبول الرأي المخالف واحترامه، باعتباره قوة تغيير وتطوير وتنوير نحو الأفضل، لتشكيل ثقافة عامة تؤمن بالديمقراطية”.

 

ورأى، حين طالبه بعض الصحفيين بالترشح لمنصب نقيب الصحفيين، أن النقابة لا بدّ أن تكون للشباب، وقال: “فأنا من جيل أدى مهمة، ويجب أن تنتقل القيادة إلى جيل آخر، الأصغر والأقدر على حل مشكلات الصحفيين، وأنا أثق في الشباب”. وبالحديث عن مساندته لشباب الصحفيين، يقول عبد المحسن سلامة، رئيس قسم التحقيقات بالأهرام: “كان ينفق من جيبه الخاص على شباب الصحفيين عندما كانت الأهرام تتوقف عن صرف مكافآتهم.. كان يشجعنا على السفر وحضور المؤتمرات والتدريبات الصحفية.. وكان يجلس معنا في حجرة الإنترنت ليتعلم معنا مباديء الصحافة الإليكترونية، وقد دخل في عامه السبعين.. وكان يردد أن المستقبل للصحافة الإليكترونية وليس للمطبوعة التي أصبحت مهنة في طريقها للإنقراض”.

 

وبسبب عناده في الدفاع عن حرية الصحافة والنشر، وحقوق الصحفيين في أقطار الوطن العربي كله، نال صلاح الدين حافظ الجائزة التقديرية من نقابة الصحفيين، التي كانت الأقرب إلى قلبه، فهي “جائزة من البيت الهانيء والحضن الدافيء والملجأ لكل صحفي”، كما نال وسام العلوم والفنون، وجائزة الصحافة العربية.

 

أراؤه كانت متنبئة بما ستشهده مصر بعد رحيله، فكان يرى أن “الأفكار التي زرعتها البيروقراطية المصرية بأن شعب مصر مهادن ومناور وهادئ ومستكين، ولن تقوم له قائمة، فهي أفكار غير صحيحة، لأن مثل هذه الحركات وصلت إلي القري البعيدة، وأنا فلاح وابن فلاحين ومرتبط بالريف المصري وعلي دراية كاملة به. وبالذهنية القروية، وأعرف ما يحدث في الريف، وأؤكد أن هناك خطراً حقيقيًا قادمًا إلي مصر إن لم تعتدل فيها الأمور وهذا الخطر أن يثور الفلاحون”، وبالفعل ثار المصريون جميعًا في 25 يناير 2011.

 

مقاله بتاريخ 12 نوفمبر 2008، يوم الأربعاء، في الأهرام “نحن وأوباما.. هل سيغير أم سنتغير”، كان آخر ما تركه لنا صلاح الدين حافظ، بعد مشوار طويل امتد لأربعين عامًا داخل الأهرام، دون أن يحصد ما يستحق سواء ماديًا أو معنويًا، فهو مَنْ رحل ومرتبه لم يكن قد زاد عن 1986 جنيهًا بعد 40 سنة صحافة، ليغادرنا متأثرًا بآلام مرضه بالسرطان، ومن قبلها بآلام فقدان ابنه الأكبر “إيهاب”، ويرحل في 16 نوفمبر 2008.

 

قالوا عن صلاح الدين

عقب وفاته نعاه أصدقاؤه وزملاء مهنته، وعتاة الصحفيين، فقال عنه، حينها، الكاتب الصحفي الراحل سلامة أحمد سلامة: “وظل حتى اللحظات الأخيرة من معاناته يؤثر الاحتفاظ بآلامه وأووجاعه لنفسه.. غلق الأبواب.. وأطفأ الشمعة.. وأسلم الروح لبارئها، بعد حياة حافلة لاعطاء والإيمان بحرية الكلمة، محفوفًا بحب الذين عرفوه بشخصه، أو على الورق”.

 

وكتب الشاعر فاروق جويدة: “كان من الصعب أن يكون صلاح الدين حافظ بشخصيته وتكوينه وفكره إنسانًا عابرًا في حياة من عرفوه واقتربوا منه.. كان إنسانًا واضحًا في فكره ومواقفه وقناعاته، صادقًا مع نفسه ومع الآخرين، لم يتلون، ولم ينافق، ولم يعرف الصفقات بكل اشكالها، وربما خسر أشياءً كثيرة لذلك كله، ولكن الشيء المؤكد أنه كسب نفسه.. مع رحيل صلاح الدين حافظ تنطفيء شمعة من شموع عمرنا الجميل، ويخبو ضوء شارد كان يصافحنا كل أسبوع على صفحات الأهرام العريق.. وقبل هذا كله، فإن رحيل صلاح الصديق والأخ ورفيق العمر خسارة لا يعوضها أي شيء”

 

ووصفه بكلمات مقتضبة الكاتب الصحفي أنور الهواري، فقال عنه: “صلاح الدين حافظ هو محرر بدرجة كاتب، وكاتب في مستوى مفكر، ومفكر في مهمة مقاتل، ومقاتل بدرجة شهيد، وشهيد بدرجة قديس”.

 

You must be logged in to post a comment Login