صلاح أبو سيف.. مخرج السينما الواقعية الأكثر مصرية

صلاح أبو سيف

صلاح أبو سيف

** أخرج 40 فيلمًا طوال 50 عامًا في السينما

**جذب نجيب محفوظ إلى السيناريو.. وأصدر كتابين حول الكتابة الفنية

 

المندرة: هدير حسن

في العاشرة من عمره، ومجرد أن أنهى صلاح أبو سيف كتابًا صغيرًا عن الإخراج السينمائي، قرر أن تكون السينما حياته ومستقبله. خمسون عامًا من العمل من أجل الفن والسينما، قدم خلالها أربعين فيلمًا، واستحق عليها أن يكون “عمدة المخرجين السينمائيين” كما أطلق عليه المخرج حسام الدين مصطفى، ومن خلالها قدم السينما الواقعية بجدراة نال عليها لقب “رائد الواقعية في السينما المصرية”.

 

أنتج أول أفلامه الواقعية “لك يوم يا ظالم” عام 1951، بعد أن رفض استديو مصر، والمنتجون خوض هذه المغامرة، ولكنه قرر أن يكون المبادر من أجل صناعة سينما للناس، وعن الناس، تتحدث عن العمال والفلاحين والطبقة المتوسطة، ومن أجل عرض الفيلم المأخوذ عن رواية الكاتب “إميل زولا”، كان صلاح قد أفلس تمامًا، فباع سيارته، ومجوهرات زوجته “رفيقة أبو جبل”، وقبل أسبوع من عرض الفيلم، لم يكن يجد قوت يومه، ولكن فور عرضه على الجمهور، نال صلاح جماهيرية واسعة، اجتذب بها الأديب نجيب محفوظ إلى كتابة السيناريو.

 

مشوار صلاح أبو سيف بدأ في الصعيد، حيث ولد في 10 مايو 1915 بقرية الحومة التابعة لمركز الواسطي بني سويف، ودرس الثانوية بمدرسة التجارة المتوسطة، عمل بعدها لمدة 3 سنوات بشركة النسيج في المحلة الكبرى، التي انطلق منها إلى الإخراج السينمائي، حيث شهدت أول اهتمام فعلي له بعالم الفن، فكان يقوم بإخراج بعض المسرحيات لفريق هواة من العاملين بالشركة، كما كان يعمل بجريدة فنية، وظل طوال فترة عمله يقرأ عن كل ما يخص الفن والسينما والسيناريو والإخراج حتى التقى، في المحلة، المخرج نيازي مصطفى (تعرف عليه هنا)، الذي نقله إلى استديو مصر، بعد أن اندهش من ثقافته السينمائية، ودرايته بأصول العمل السينمائي.

 

وفي عام 1936 عمل أبو سيف مونتيرًا باستديو مصر، حيث ظل رئيسًا لقسم المونتاج بالاستديو لـ 10 سنوات، وخلال هذه الفترة سافر إلى فرنسا ليدرس السينما، ولكنه عاد دون أن يكمل ما بدأه، بسبب الحرب العالمية الثانية عام 1939، وعمل مساعد مخرج بفيلم “العزيمة” لكمال سليم، أستاذه في الواقعية، ثم في عام 1946 أخرج صلاح أبو سيف أول أفلامه “دائمًا في قلبي” المأخوذ عن الفيلم الأجنبي “جسر واترلو”.

 

توالت أفلام “أبو سيف”، حتى عام 1991، ليختمها بفيلم “مواطن مصري”، ويترك طوال هذه الفترة روائع آثرت السينما المصرية، من “شباب امرأة”، و”ريا وسكينة”، و”لا أنام”، “أنا حرة”، و”الفتوة”، و”الأسطى حسن”، “بين السما والأرض”، الذي استطاع أن يجسد شخصياته بخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية داخل مصعد، ومن خلال كادر واحد، مما جعل بعض النقاد يعتبرونه سابقًا لعصره، كما أخرج “بداية ونهاية”، “القاهرة 30″، “الزوجة الثانية”، و”السقا مات”، وفيلم “القادسية” عام 1982، الذي صوره في العراق، وشارك به عدد من الممثلين المصريين والعرب، وفيلم “البداية”، الذي يتناول فكرة الديمقراطية بشكل كوميدي سلس، وفيلم “القضية 68” الذي أغضب رجال الاتحاد الاشتراكي، وقتها.

 

رأي صلاح أبو سيف في الأعمال الأدبية لنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي مادة ثرية للحديث عن الحياة الاجتماعية، ورسم الفقراء والعمال والفلاحين، والتعبير عن واقعية الحياة بشوارعها وحواريها وأهلها بعدسة السينما، وكان يرى أن السيناريو الجيد هو أساس العمل الفني الجيد، ولذلك رأى في نجيب محفوظ كاتب سيناريو، وشجعه على ذلك، لما رأه في رواياته من مخيلة خصبة لصناعة الصورة السينمائية، فظل يمده بالكتب الإنجليزية حول هذا الفن، لتكسب السينما نجيب محفوظ كسيناريست.

 

وعلى الرغم أنه مخرج سينمائي من الدرجة الأولى، إلا أنه كان شديد الاهتمام بكتابة السيناريو، فقد شارك في كتابة سيناريوهات أغلب الأفلام التي أخرجها، وأنشأ عام 1964 معهد السيناريو، الذي هدف من خلاله إيجاد جيل جديد يكتب السيناريو الجيد، وأصدر كتابين حوله، هما “فن كتابة السيناريو”، و”السيناريو السينمائي: الفن والتجربة”، وكان دومًا يقول: “السيناريو الجيد يمكنه أن يصنع فيلمًا جيدًا، حتى وإن كان المخرج أقل جودة، ولا يمكن للسيناريو المتواضع أن يكون فيلمًا عظيمًا مهما تولى إخراجه فنان متميز”.

 

اعتبره الناقد والكاتب الفرنسي “جورج سارول” أحد أهم 100 مخرجًا سينمائيًا في القائمة العالمية، فكان صلاح أبو سيف المخرج الأكثر مصرية ضمن هذه القائمة، ورأت الكاتبة الألمانية “اريكا ريشتر” أنه “أستاذ الأفلام الواقعية المصرية، وأفلامه تعتبر العمود الفقري لهذا الاتجاه”، وكتب رجاء النقاش يوصفه: “صلاح أبو سيف.. ينقلك بسرعة وبساطة إلى جو الفيلم الذي يقدمه. إنه يستطيع أن ينتزعك من نفسك لتعيش في العالم الذي يصنعه لك على الشاشة، وهذه فضيلة فنية رائعة”، وكان صلاح أبو سيف يُظهر اهتمامًا كبيرًا بما يتناوله النقاد حول أفلامه، مما جعله يصدر كتابًا يحوي مقالات النقاد لأفلامه الأربعين تحت اسم “صلاح ابو سيف والنقاد: أربعون فيلمًا تؤرخ للسينما المصرية” عام 1991، عرض خلاله السلبي قبل الإيجابي.

 

وكتب في مقدمته إهداءً للناقد سامي السلاموني، وفي نهايته كتب: “كان بودي أن أعلق على ما كتبه النقاد عن أفلامي الأربعين، لكنني فضلت أن أترك هذه المهمة للقاريء العزيز وهو خير حكم”، ليترك لنا أفلامًا تنوعت بين الكوميديا والاجتماعية والتاريخية، وتحكي قصة طويلة من الفن والعبقرية والتميز، وتكون خير ما نحكم به عليه، ثم يرحل عنا في 22 يونيو 1996، عن عمر ناهز الـ 81 عامًا.

 

You must be logged in to post a comment Login