صفصافـة عواطف عبد الرحمن.. سيرة ذاتية لإمرأة أسيوطية مكافحة

الدكتورة عواطف عبد الرحمن

الدكتورة عواطف عبد الرحمن

**نشأت في قرية بأسيوط لأم متعلمة وأب بخيل محافظ وكانت تحضر قداس الأحد مع “بنت الجيران”

**والداها لم يكونا على توافق وانتهى الحال بهما للطلاق وتكرر خطأ الاختيار معها فتزوجت صحفيا بالأهرام ثم انفصلا

**مقالة ضد ملك الأردن قادتها لأمن الدولة والسادات سجنها لمعارضتها “كامب ديفيد” وصلت صلاة شكر بعد اغتياله

**”بهية” و”صفصافة” مثلا الأم والجدة رمزا الكفاح والوطنية

 

القاهرة: سارة سعيد

هي سيدة تزامن مولدها مع نشوب الحرب العالمية الثانية، عاصرت حرب فلسطين من حكايات والدتها عن مذابح العصابات الصهيونية للفلسطينيين، وشهدت مولد ثورة يوليو وانتمت فكرياً لمواقف عبد الناصر، عاصرت نكسة 67 ثم انتصارات أكتوبر التي تحولت في رأيها إلى هزيمة بعد زيارة السادات للقدس وعليه تم اعتقالها مع رفاق النضال الوطني لمعارضتهم الإتفاقية، لتعيش بعدها أشكال الهيمنة الأمريكية على مصر لمدة 30 عاماً والتي انتهت ببزوغ ثورة يناير .. هي الدكتورة عواطف عبد الرحمن، أستاذة الإعلام بكلية الإعلام جامعة القاهرة وإبنة الجنوب.

 

بدأت فكرة كتابة مذكراتها وقت اعتقالها في سجن النساء عام 1981 واكتملت عام 1991 في اليابان في أحد المؤتمرات عندما شجعتها صديقتها سانا سوروكي، أستاذة الأدب المقارن بجامعة طوكيو، وأقبلت على الفكرة ولكن أخذتها مشاغل الحياة، فلم تبدأ إلا في 2001 وسجلت جزءا بسيطا وشغلتها الحياة مرة أخرى حتى اكتشفت رحيل معظم الأحباب والأصدقاء فتوقعت أنها قد تكون المرحلة قبل الأخيرة فتفرغت لكتابة السيرة التي اكتشفت أنها أصعب أنواع الكتابات بين العلمية والصحفية لأنها تعتمد على ما تبقى في ثناياها من ذكريات زمن مضى واندثر.

 

“صفصافة” مذكرات إبنة أسيوط التي تدرس حاليا بكلية الإعلام جامعة القاهرة، والتي صدرت في النصف الثاني من العام الماضي في قرابة أربعمائة صفحة.

 

النشـأة فـي أسيـوط

ولدت عواطف عبد الرحمن في قرية الزرابي بجنوب أسيوط في أربعينات القرن الماضي وسط عائلتين تتجلى فيهما كافة صفوف التناقض، فكانت أسرة الأب تتمسك بموروثات السلف إلى حد التعصب والتضحية بالبشر من أجل الحفاظ على الأرض وتهمش المرأة وتنظر لها بأنها مصدرا للإنجاب وخادمة للبيت، وبين أسرة الأم المتعلمة التي تحتضن الحياة بكل مباهجها الحضارية والإنسانية والتي تختلف فكرياً وثقافياً واجتماعياً عنهم.

 

عاشت عواطف طفولتها في القرية وكان يطالعها الجبل ويزورها النيل مرة في العام وقت الفيضان ويستمر أربعة أشهر ووقتها تنتقل نساء العائلات حوله ويقضون الوقت في الغناء وكانت هي تلعب مع أطفال العائلات وفي الصباح يصطادون السمك ويوزعوه مجاناً على البيوت ويقومون بزيارات للجبل ومعهم الخدم يحملون سلال الفواكه ونواشف الطعام.

 

كانت تنتمي إلى عائلة “القمامحة الغربيين” وتتميز قريتها بوجود طبقية عرقية تفصلهم مستوياتهم الاجتماعية عن بعضهم؛ فهناك العائلات ملاك الأرض والفلاحين والعبيد الأفارقة والنصارى ورغم انتشار التعليم إلا أن التقاليد كانت تمنعهم من الزواج من بعضهم أو المصاهرة، وكانت تنقسم القرية إلى شقين الشق البحري حيث الاستمتاع بمباهج الحياة والاهتمام بتعليم الأولاد كجزء من سمات التحضر والشق القبلي الأكثر ارتباطا بالأرض الزراعية وتنتشر بينهم الأمية.

 

وعن جيرانهم، تحكي عواطف عن بيت هارون القبطي الذي كان يجاورهم في السكن حيث كانت أعمار النساء في المنزلين مقتربة من بعضها البعض فاتخذت عواطف من حفيدة بيت هارون – فوزية – صديقة مقربة لها، ليتقاسما الحياة معاً في الأفراح والأحزان وكانت تحضر معها قداس الأحد وتتلو الأناشيد الدينية حتى عرفت الفرق بين مسلم ومسيحي في السادسة من عمرها ولم يؤثر ذلك على مكانتهم في نفسها.

 

عانت كثيراً من تهميش المرأة في الصعيد والأدوار المحصورة لها فالبنت مرفوض تعليمها ويتم احتجازها في البيت من سن العاشرة وتتعرض للختان ثم اعدادها لتحمل المسئولية المنزلية وبعد الزواج لا تزور بيت أهلها إلا بعد سنة وميراثها يأخذه زوجها بالنيابة عنها وعند الوفاة إذا كان لها ولد يتم دفنها في مقابر عائلة زوجها وإن لم يكن فتُدفن في مقابر أسرتها.

 

شخصيـات أثـرت فيهـا

اتسم جدها الشيخ أبو زيد، جد والدتها، بالحكمة واهتمامه بالتعليم ورعايته للفقراء وهو من غرس فكرة تعليم البنات في القرية ورغم عقله المستنير إلا أنه رفض تزويج بناته للغرباء وأصر على تزويجهم لأقاربهم رغم اختلاف المستوى الثقافي والفكري، وهذا العرف تسبب في كثير من المآسي لبنات الصعيد كمأساة زواج أمها من أبيها.

 

حصلت أمها بهية فهمي على شهادة الثقافة وأرسلت كتابتها إلى مجلة الفصول فنشرت لها موضوعات وتزوجت من أبيها 1935 ولكن الزواج لم يستمر طويلا بسبب الاختلاف الفكري وشخصيته المسلوبة أمام والديه وبخله الشديد، أنجبت 7 اطفال لم يتبق منهم غير عواطف وعبد الرحمن وطلبت الطلاق وهددت بحرق نفسها إن لم يستجيبوا فلبوا لها طلبها.

 

بعد طلاق والديها، أصبحت أمها تلعب دور الأب والأم في حياتها وحياة أخيها حيث شجعتهما على استعارة الكتب ووضعت لهما برامج أسبوعية للترفيه وغرست في وجدانهم مأساة الشعب الفلسطيني ومن هنا أصبحت أمنيتها أن تصبح صحفية لتدافع عن القضية الفلسطينية ونظمت لهما رحلات للمتاحف المصرية فلم تقم بدور تقليدي ولكن دورها كان تربوي.

 

لعب خالها محمد فهمي دورا محوريا في حياتها هي وأخوها إذ استضافهما في القاهرة بعد طلاق أمها وعاشا معه وقدم لهما رعاية خاصة لتعويض حنان الأب الذي انشغل بزيجاته وكان بخيلا في مشاعره وأمواله وتعلمت من خالها حب الوطن والإقبال على الحياة وتأثرت بموافقه الوطنية.

 

وقفت أمها بجانبها في كل مراحل حياتها واكتفت بتقديم النصيحة لا الإجبار وساندتها في زواجها رغم عدم موافقتها ووقفت بجانبها في طلاقها وصمدت في اعتقالها وشجعتها عل خوض تجربة الانتخابات وحثتها على استكمال بحوثها العلمية .. لم تخذلها يوماً بل احتضنت أخطائها وتجرعت عواطف مرارة رحيل أمها عن الحياة في 2003.

 

الجدة صفصافة، الخالة الصغرى لأمها، حملت ذكريات أليمة طوال حياتها حيث عاشت طفلة ضريرة يتيمة تعاني من طمع الأقارب ثم رفضت أمها تزويجها حفاظا عليها وكانت صفصافة مصدر الحنان الكامل لعواطف أثناء سفر أمها للقاهرة حيث احتضنتها وعلمتها الصلاة والصوم والعطف على الفقراء وكانت مستودعا للعطاء المستمر.

 

ورغم بخل والدها في المشاعر والأموال، تحمل عواطف له فضله عليها في رفض زواجها من ابن عمتها في سن مبكرة حيث وجدها متفوقة في دراستها فكانت تحمل له الحب والكره في آن واحد.

 

الحيـاة فـي القـاهـرة

بعد انفصال أبويها انتقلت إلى القاهرة في 1946 مع أمها وأخيها وانتابها إحساس بالغربة. التحقت بمدرسة أهلية هي “مدرسة القاهرة” وهي أقل تعليما واجتماعيا من الأميرية التي لم تلتحق بها لكبر سنها فظلت تشعر بأنها مواطن درجة ثانية.

 

في 1956، اجتازت الثانوية العامة شعبة الأدبي بمدرسة شبرا الثانوية للبنات وكان ترتيبها الأول على شمال القاهرة والتحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة واختارت قسم الصحافة وكانت نقلة هامة في مسيرتها العلمية والفكرية والإنسانية.

 

بعد انتهاء امتحانات الليسانس بقسم الصحافة 1961 رشحها الدكتور خليل صابات، أستاذ الصحافة الراحل بكلية الإعلام، للعمل بمؤسسة الأهرام وعينت سكرتيرة لقسم الأخبار الذي كان يرأسه ممدوح طه ومضت أربع سنوات بالقسم قبل أن تكتب مقالا ضد ملك الأردن ليتم القبض عليها، وذهبت إلى مباحث أمن الدولة وحينها أصر رئيس التحرير محمد حسنين هيكل على استبعادها للحفاظ على سمعة الأهرام بينما توسط لها ممدوح طه لكي تستمر في الجريدة ثم طلبها للزواج.

 

وبرغم فارق السن الكبير والاختلاف الثقافي والفكري وزواجه الأول وكونه أب لثلاث أبناء، قبلت عواطف الزواج منه بعد تفكير طويل رغم اعتراض كل الأهل والأصدقاء وأنجبت منه هشام وتركت الأهرام لفترة أنجزت فيها رسالة الماجيستير عن صحافة الثورة الجزائرية، وبعد مناقشة الرسالة وافق هيكل على عودتها للأهرام في مجلة السياسة الدولية والأهرام الاقتصادي حيث أمضت فيها ثلاث سنوات تحت اشراف الدكتور بطرس غالي.

 

وفي 1972، قررت انهاء علاقتها بالزواج وبمؤسسة الأهرام والالتحاق بالسلك الجامعي والتفرغ للبحث العلمي والتدريس.

 

وتزوج ابنها واستطاع تكوين أسرة سعيدة تعوضهم عن مرارة الانفصال وأنجب أحمد الذي التحق بجامعة العلوم والآداب وعمر الذي التحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة.

 

السـلك الأكاديمي

في 1958، صدرت أول صحيفة جامعية ناطقة باسم الطلاب تمثلت في صحيفة “صوت الجامعة” واشتركت مع زملائها من قسم الصحافة في اصدارها وشكلت لها دراسة الصحافة وعي سياسي وانتمائي للقضايا الوطنية والقومية. وبعد انتهاء الدراسة، حرصت على الحصول على الماجيستير، فالتحقت بمعهد الدراسات الأفريقية ثم عادت لجامعة القاهرة ليتم تعيينها معيدة بكلية الإعلام في 1972 وسجلت رسالة الدكتوراه التي ناقشت فيها موقف الصحافة المصرية من القضية الفلسطينية وأنجزتها في ثلاث سنوات وحصلت فيها على مرتبة الشرف.

 

قضت أربعين عاما في كلية الإعلام جمعتها علاقة جيدة مع طلابها قائمة على الاحترام والثقة والصرامة العلمية وتعترف بأنها مدينة بالكثير للكلية وللطلاب الذين لعبوا دورا رئيسيا في امتصاص أحزانها بعد انتزاع طفلها وضمه لحضانة والده بحكم المحكمة.

 

ومن الأزمات التي عاصرتها في كلية الإعلام واقعة الضرب بالحذاء في 1973 التي وقعت بين اثنين من دكاترة الكلية وأزمة 2011 بعد المظاهرة الطلابية التي طالبت العميد سامي عبد العزيز بالرحيل لضرورة تطهير الكلية من “عملاء النظام السابق”.

 

سجـن القنـاطـر

في أغسطس 1981، ذهبت إلى برلين الشرقية للمشاركة في المؤتمر الدولي للأمم المتحدة التي تحدثت فيه عن حق الشعب في جنوب أفريقيا وحق الشعب الفلسطيني وقدمت اقتراحات لمساندة الشعوب في نضالها ضد الاستعمار.

 

وبعد الانتهاء من المؤتمر ذهبت إلى بودابست للقاء رضوى عاشور ومريد البرغوثي واستمعوا إلى خطاب السادات الذي أعلن فيه اعتقال 1365 مواطن من المعارضة وكان اسمها ضمن قائمة المطلوبين، وصممت حينها على العودة للوطن الذي ما إن وطأت قدماها أرض مطاره حتى تم ترحيلها لسجن النساء بالقناطر بتهمة تدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم وبث الفتنة الطائفية، بينما كان السبب الحقيقي وراء الاعتقال هو معارضتها لاتفاقية السلام والذهاب للقدس والذي أدى في رأيها إلى تصفية المشروع القومي العربي.

 

كانت والدتها هي البطلة الحقيقية في مشهد الاعتقال حيث ساندتها ووقفت بجانبها وبعثت بخطاب للسادات. واستمر اعتقال عواطف لمدة 100 يوم وكانت بصحبتها لطيفة الزيات ونوال السعداوي وأمينة رشيد وصافيناز كاظم. وفي السادس من أكتوبر 1981، بعد سماع لخبر اغتيال السادات، قامت مع أصدقائها المعتقلات السياسيات وصلوا صلاة شكر لله. وبعد اغتياله وانتهاء التحقيق، انتهت القضية وصدر قرار بالإفراج في ديسمبر 1981وصدر قرار بعودتها للجامعة.

 

تجربـة الانتخابـات

في 1983، قررت أن تسافر إلى قريتها الزرابي لمواصلة نشاطها من أجل قضايا أهلها في الصعيد ومساعدتهم في الحصول على حقهم في التعليم والعمل والسكن الصحي وتكوين أسر سوية تشارك في شئون الوطن وبعد عودتها للقاهرة أعلن لها حزب التجمع عن رغبته في ترشحيها عن دائرة جنوب أسيوط ولم تتردد في الموافقة رغم إدراكها لصعوبة الفوز وعدم ثقتها في نزاهة الانتخابات وانتهت برسوب جميع مرشحي المعارضة وفوز مرشحي الحزب الوطني.

 

حـول العالـم

استطاعت عواطف عبد الرحمن خلال حياتها أن تسافر إلى 52 دولة شملت الخمس قارات وشاركت في العديد من المؤتمرات العلمية ومؤتمرات التضامن وكانت أول رحلة لها مع أول وفد طلابي من جامعة القاهرة تقرر اختياره لتمثيل الجامعات المصرية في احتفالات اعلان الوحدة بين مصر وسوريا ورافقتهم في الطائرة كوكب الشرق أم كلثوم واستطاعت خلال رحلاتها أن تحاور نيلسون مانديلا، رئيس جنوب إفريقيا، والزعيم الناميمبي سام نجوما والرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والرئيس الجزائري هواري بومدين.

 

تأتي السيرة في النهاية إهداء إلى ذكرى امرأتين من صناع الحياة جدتها صفصافة وأمها بهية فهما اللتان شكلتا وجدانها الإنساني والوطني ورسخا انتمائها للصعيد.

 

 

You must be logged in to post a comment Login