صعيد مصر فى عيون باحثة إنجليزية

كتاب الباحثة عن صعيد مصر

كتاب الباحثة عن صعيد مصر

**بلاكمان: المرأة الصعيدية المقهورة خرافة

**عمل التعاويذ ولبس “الخيش”.. حيل لإطالة عمر الأطفال

**الدوران حول المرأة التي فقدت أطفالها وسيلة للإنجاب

**الصليب والعصفورة.. أبرز الوشوم على أجساد أهل الصعيد.. والأقباط لا يطبخون أثناء حدادهم على الموتى

 

المندرة: هدير حسن

في رحلة استغرقت ست سنوات بقرى صعيد مصر، استطاعت الباحثة الإنجليزية وعالمة الأنثروبولوجيا، وينيفريد بلاكمان، أن تطلع على صعيدٍ آخر، بعاداته وتقاليده، وأبسط وأدق تفاصيله في كتابها “الناس في صعيد مصر: العادات والتقاليد”، الذي قامت دار الشروق بإعادة إصداره عام 2010.

 

عاشت الكاتبة معيشة كاملة بين الفلاحين في عشرينيات القرن الماضي، وكان لها هذا الكتاب، الذي تعتبره جزءا يسير مما قامت وأطلعت عليه في مصر، متمنية أن يسهم في مجال الأنثروبولوجيا، وعلم المصريات.

 

الكتاب تعرّض لأهم المعتقدات والتقاليد، التي يتبعها الفلاحون في صعيد مصر، ولا يناقش ما يتعلق بالطبقات العليا، حيث قدمت وصفًا متأنيًا لطبيعة حياتهم، ويقول أحمد محمود، مترجم الكتاب، إنه مدين لهذا الكتاب بما عرفه عن عادات وتقاليد الصعيد، التي يجهلها رغم جذوره الصعيدية.

 

كما عبرت الكاتبة في مقدمة الكتاب عن سعادتها بالترحيب الذي لقيته من أهل الصعيد، والطيبة التي يتميزون بها، والتي سهلت من عملها، وجعلت السنوات التي قضتها في مصر “أسعد سنوات حياتها”، كما وصفت الفلاحين بسرعة البديهة وحسن الفهم، وقدرتهم على السخرية حتى من أنفسهم.

 

تناولت الكاتبة طبيعة مجتمع الصعيد بداية من الولادة وحتى الزواج، والاعتقادات السائدة حول الحسد و”العين الشريرة”، والسحر، كما حاولت أن تقدم وصفًا لشكل القرى في صعيد مصر ، فكانت أبراج الحمام أبرز الملامح المعمارية بالنسبة لها، وبيوت الفلاحين التي تتكون من طابقين، ومصنوعة من الطوب اللبن، في حين كان لها رأي آخر حول خضوع المرأة المصرية للرجل، ورأت أن الأمر يبدو هكذا من الناحية النظرية، فإنها تتحكم في زوجها من الناحية العملية، حيث تميل بلاكمان إلى الاعتقاد بأن الرجل المصري هو المضطهد وأن حكاية الزوجة المضطهدة خرافة، حسب رأيها.

 

وتستعرض “المندرة” أبرز ما ورد في كتاب بلاكمان حول الصعيد وعاداته.

 

الفتيات يجذبن الرجال.. والأمهات تشجعهن.. والتعاويذ حيلة للزواج

الزواج في سن مبكرة أمرٌ طبيعي في قرى الصعيد، سواء للفتيات أو الأولاد. أن تجد فتاة صغيرة لا يزيد عمرها عن 15 عامًا يُعقد قرانها على رجل تعدى الأربعين أمرٌ شائع أيضًا، وحرص الأمهات على تزويج بناتهن، وتشجيعهن على ذلك أبرز ما لاحظته الكاتبة الإنجليزية.

 

تقول بلاكمان إن الفتيات كن يتلقين مساعدة أمهاتهن، وتشجعيهن على اجتذاب الرجال ولفت أنظارهم، حيث إن الزواج هو الهدف الأوحد لهن، وكانت أحد المناظر التي تدعو للشقفة، حسب وصف بلاكمان، رؤية فتاة صغيرة مزينة بالكثير من الحلي، ووترتدي جلبابًا زاهيًا مُزين بالخرز والترتر، وتضع على وجهها طرحة بطريقة مغرية، وتقف في أحد شوارع القرية بهدف اجتذاب الرجال.

 

غير أن الأمهات قد يلجأن إلى السحر والحيل من أجل الإيقاع بأحد الرجال من أجل بناتهن، فإحدى السيدات، كما تروى بلاكمان، لمحت شابًا جذب انتباهها ورأته أنه يصلح زوجًا لابنتها، فذهبت لأحد “السحرة” لعمل تعويذة (عمل) ليقع في غرام ابنتها، ووضعتها تحت عتبة منزلها ليخطو عليه الشاب.

 

وعلى الرغم أن القانون وقتها، كما تؤكد بلاكمان، يمنع زواج الفتيات قبل السادسة عشرة والأولاد قبل الثامنة عشرة، إلا أن ذلك لم يُثنِ الأهالي عن تزويج أبنائهم قبل هذه السن، وكان المأذون يتغاضى عن التدقيق في سن العروس نظير الأجر الذي يحصل عليه، حسب رواية الكاتبة، كما كانت الفتيات يتزوجن رجالًا كبار السن، قد يصلون إلى عمر آبائهن أو أجدادهن.

 

طقوس الزواج

العروس يوم زفافها كانت تذهب إلى بيت زوجها وقت الغروب، آتية إليه في هودج يحمله أحد الجمال، ووراءها صديقاتها وقريباتها محمولين بنفس الطريقة، في موكب تصحبه فرقة موسيسقية، وذلك إذا كان الزوج يقيم في قرية آخرى، أما إذا كان مقيمًا بنفس القرية فإنها تذهب إليه على حصان، وفور وصولها تنطلق الزغاريد والموسيقى.

 

وكان الزوج يقيم وليمة ضخمة في بيته، وتبقى العروس بأعلى غرفة بالمنزل بصحبة السيدات من قريباتها وصديقاتها يرقصن، كما تقوم صديقات العروس بإهدائها مبالغ مالية، غالبًا ما تكون معدنية، ويضعونها على وجهها، الذي يكون مرفوعًا لأعلى.

 

وتتشابه طقوس احتفالات الأقباط مع الطقوس السابقة، وتختلف في بعض الترتيبات. فالعروس تذهب بالموكب إلى الكنيسة، حيث مراسم الزواج، يصاحبها رجال يحملون المصابيح والشموع، وتبدأ المراسم بخطبة يوجهها القس إلى العروسين بعد أن يتناول خيطًا حريريًا، ويمرره فوق كتف العريس الأيمن وتحت إبطه الأيسر، ويربطه بعقدة، وفور انتهائه من الخطبة يدفع له العريس مبلغًا من المال؛ ليفك القس العقدة.

 

الإنجاب والأطفال الشغل الشاغل

وفي رحلة الباحثة الإنجليزية بصعيد مصر، أبرز ما استطاعت أن ترصده هو رغبة وشوق نساء الصعيد، ومدى تطلعهم إلى الإنجاب، وكيف يحافظون على أطفالهم من ما يصفونه بـ “العين الشريرة”، و”العفاريت”.

 

تقول بلاكمان إن حب الأطفال يعد أحد السمات التي تميز الشخصية المصرية، لذا فالتهافت من جانب النساء على إنجاب الأطفال، وتحقيق ذلك بشتى الوسائل، وأبرزها ممارسة طقوس بعينها، أو اللجوء إلى التعاويذ والمعتقدات المتوارثة، يعد أمرًا شائعًا في قرى صعيد مصر. وكانت أبرز هذه الطقوس التي حضرتها بنفسها ، هي قيام امرأتين لم ترزقا بالأطفال بدعوة امرأة ثالثة، على أن تكون هذه المرأة قد أنجبت أطفالًا وماتوا، وتقوم المرأة المدعوة بارتداء ثوب أسود فوق رأسها وتفرد ذراعيها؛ لتصير مغطاة بالكامل، وتقوم إحدى المرأتين، اللتان تريدان الإنجاب، بالدوران حولها تحت هذا الثوب لسبع مرات، وتفعل المرأة الثانية الشئ نفسه، ولكن يجب ألا تمسك أي منهن الثوب للآخرى حتى لا تُنتزع الفائدة من هذا الطقس.

 

وليست تلك الطريقة الوحيدة، وإنما كان هناك طرق، ووصفات عديدة رصدتها الكاتبة، منها قيام مَنْ ترغب بالإنجاب بالتوافد على بركة موجودة بالقرب من أحد المعابد القديمة، ويسميها الفلاحون “الكنيسة”، وتقوم بالطواف حولها 3 مرات، وإن كان يتوافد عليها أيضًا النساء اللائي يجدن صعوبة في إرضاع أبنائهن، ليقمن بنفس العملية السابقة، على أمل أن يزيد ذلك من إدرار اللبن لديهن.

 

والغريب، مما لاحظته الكاتبة، رغبة بعض النساء في عدم الإنجاب، وقيامهن أيضًا ببعض الطقوس، التي يرون أنها ستساعدهم على منع الحمل، فمثلًا إذا كانت الأم الحامل لا تريد أطفالًا لفترة معينة، ولتقدر بعام مثلًا، فإنها تأكل واحدة من بذور نبات زيت الخروع عقب الولادة مباشرة، أما إذا كانوا عامين فتأكل بذرتين، وهكذا. وقد يُستخدم نوى البلح لنفس الغرض، حيث تقوم المرأة بإحضار نواة، وتغطيها بشئٍ من الدم الذي ينزل منها أثناء الولادة، وتلفه في قطعة قماش قديمة، وتخفيها بين قوالب الطوب بأحد جدران المنزل، وتسدها بالطين، وأعداد النوى رمز لأعداد السنين، التي ترغب في التوقف عن الإنجاب فيها، وإذا أرادت الحمل مرة آخرى تقوم بإخراج النوى من مخبئه، وتخطو عليه سبع مرات، ثم تضعه في ماء وتستحم به.

 

الولادة

سادت عمليتي الحمل والولادة العديد من المعتقدات الشائعة، منها تحاشي المناظر القبيحة، وإذا تصادف رؤية المرأة الحامل ميتًا سواء رجل أم امرأة أم طفل، فيجب عليها أن تأخذ احتياطاتها حتى لا يموت الطفل بمجرد ولادته، كما هو شائع وقتها، كأن تقوم بقطع عقدها حتى تنفرط حباته على حجرها، ثم ترش الماء على وجهها، لتضمن الحياة لطفلها بعد ولادته.

 

وإذا تأخرت الولادة 3 أيام، وكانت الحامل تشعر بألم مستمر، فعلى زوجها أن يغسل كعب قدمه الأيمن، ويشرب الماء الذي غسلها فيه، ثم يلف القرية سبع مرات دون أن يتحدث مع أحد.

 

وتقوم بعملية الولادة القابلة “الداية”، التي تُحضر معها كرسي الولادة، وفي حالة تأخرها تقوم المرأة الحامل بجلوس القرفصاء بلا كرسي، وتضع ذراعيها على غربال في وضع رأسي، وتضغط عليه، وتميل للأمام.

 

وبعد الولادة تقوم القابلة بالتخلص من المشيمة، التي تسمى الولد الثاني، ويعتبرها البعض طفل غيرمكتمل، بطرق مختلفة، فمن الممكن أن تدفنها أم الطفل تحت عتبة بيتها إذا كان لديها رغبة قوية في إنجاب طفل آخر، وتخطو فوقها 3 أو 5 أو 7 مرات لتدخل روح المشيمة جسمها مرة آخرى.

 

ولإطالة عمر الطفل المولود هناك العديد من الحيل، منها أن تقوم القابلة بإلقاء المشيمة في النيل أو إحدى الترع، وهي تبتسم؛ ليعيش الطفل سعيدًا ومبتهجًا دائمًا، وقد تأخذ أم الطفل قطعة صغيرة من الحبل السري وتلفها بفتيل من القطن يُوضع في مصباح فخار يضاء بالزيت، ويوضع في قارب صغير ويُلقى في النهر ليسير مع التيار.

 

وإذا تُوفي عدة أطفال، في سن مبكرة، لنفس المرأة، وكانت مسلمة، ثم أنجبت طفل آخر، فإنها تطلب من امرأة قبطية أن تعطيها البركة لكي يعيش الطفل المولود، والبركة تكون جزءً من ملابس المرأة القبطية، أو قطعة ملابس خاصة بأطفالها، وقد تقوم مَنْ تفقد عدة أطفال، وتأمل أن يعيش الطفل المولود حديثًا، بحمل طفلها، وتخرج من بيتها، وعلى رأسها “قفة” طلبًا “للحسنة”، مهما كانت درجة غناها، وتقوم بتوزيع ما جمعته من الناس على فقراء القرية، حتى وإن كانت فقيرة مثلهم.

 

من المعتقدات الغريبة أيضًا قيام بعض السيدات بإحضار أطفالهن إلى منزل الكاتبة لتبصق في أفواههم، حتى تجعلهم يعيشون طويلًا وتعطيهم البركة، بينما تقوم آخريات، إذا كان أطفالهن يموتون قبل الوصول إلى سن السابعة، بعمل تعويذة تتكون من رأس هدهد وظفر حية (فسرها المترجم أنها قرن حية قرناء)، بالإضافة إلى قطعة من الشفة السفلى وأذن حمار ميت، وناب جمل، وحرباية وتعويذة مكتوبة، وتعلقهم جميعًا تحت إبطها الأيمن أثناء فترة الحمل، وبعد الولادة يلبسها الطفل.

 

وبعضهن كن يلجأن إلى تلبيس أطفالهن جلبابا وقلنسوة من الخيش، الذي يوضع فيه القطن بعد جَنيه، حتى تضمن لطفلها أن يبقى على قيد الحياة.

 

وكانت السيدات يأخذن الكثير من الاحتياطات بعد الولادة، ومنها عدم السماح لمَنْ فقدت مولودها حديثًا بدخول غرفة توليد امرأة آخرى، لأن اختراق هذا الحظر فإن المرأة التي تضع مولودها لن يكون في ثدييها لبن.

 

وعند ولادة امرأة قبطية، أيًا كان مذهبها، فإن أقاربها يصنعون عدة صلبان من العجين، ويلصقونها على جدران غرفة الأم والطفل المولود، حتى لا تقترب منهم العفاريت، كما يعتقدون.

 

الختان

كانت عملية الختان أو “الطهور”، كما هو شائع، تحتاج إلى مصاريف ضخمة، لذا كان يفضل البعض أن تتم مع إحدى حفلات الزفاف لاقتسام التكاليف، وكان الطفل الولد، الذي تُجرى له هذه العملية، تخضب يداه وقدماه بالحناء عند الغروب قبل يومين من إجرائها، وفي اليوم التالي يأتي الحلاق، ويقص شعر الولد بطريقة يُطلق عليها “المقرص”، ثم يستحم، ويرتدي طاقية بيضاء اللون، ومزينة برسومات صفراء لها شراشيب، ومصنوعة من نوع خاص من اللباد، ويرتديها في هذه المناسبة فقط.

 

ويُوضع الطفل معكوسًا على حصان ويُغطى بشال، ويطوف به الرجال أنحاء القرية بصحبة عازفي الموسيقى، ثم يعود إلى البيت، ويقدم العشاء للمدعويين، وفور انتهائهم منه يغادر الجميع ، ثم يأتي الحلاق لإجراء عملية الختان، ويرتدي الطفل بعدها “جلابية” بيضاء ذات أكمام طويلة خاصة بهذه المناسبة، ويظل مرتديها حتى يشفى من جرح العملية.

 

الوشم.. زينة ونجاة للأقباط من الموت

الوشم أحد صور الزينة الشخصية ، التي انتشرت في قرى صعيد مصر، ولاحظتها وينيفريد، ورصدتها في أحد فصول الكتاب، حيث تؤكد أنه على الرغم من أن عملية الوشم مؤلمة إلا أنها كانت منتشرة بين الناس، وكان يقوم بها متخصص، كان يتجول بين القرى وينادي: “يا شاب تعالى دق”، وإذا رغبت النساء بدق الوشم تقوم سيدة متخصصة برسمه، وتنادي هي الآخرى، أثناء تجولها بين القرى: “تعالي يا شابة يا دقاقة”.

 

غالبًا ما يتواجد فنان الوشم في سوق القرية، ويعرض الرسومات على زبائنه، وأشهرها “الشجرة”، وكانت أدواته عبارة عن سبع إبر مثبتة في عصا قصيرة ملفوف عليها خيط عند طرفها، وعليها مادة تمنع تحرك الإبر، وللأطفال لا يزيد عدد الإبر على خمس، ويكونون أصغر حجمًا، وتستخدم سناج لمبات الجاز المخلوطة بالزيت كصبغة للوشم.

 

ولاحظت الكاتبة قيام النساء برسم الوشم تحت ذقونهن، في حين يحمل كثير من الفلاحين وشمًا على شكل عصفورة على صدوغهم، وبخلاف كونه للزينة، فهو يفيد في علاج الصداع أيضًا، كما لاحظت وجود وشم للصليب على بطن رسغ الأقباط، وبسؤال أحدهم أكد لها أن الأحباش (أهل الحبشة) عندما يغزون مصر سيقتلون المسلمين ومعهم الأقباط، إلا إذا أظهروا لهم هذا الوشم.

 

الموت… الأربعين عادة عند الأقباط والمسلمين. والرقص وسيلة للحزن

إن كان لكل مناسبة طقوسها، فالموت أيضًا له ترتيباته. بعيدًا عن الحزن والحسرة على فقدان من يموتون، فللموت تقاليد وأصول رصدتها الكاتبة في أحد فصول كتابها، من ساعة الاحتضار وحتى الدفن.

 

وعلمت بلاكمان أن من المتعارف عليه، عند المسلمين، إعطاء الميت، لحظة احتضاره، بعض الماء ليشربه، ومع خروج الروح من الجسد تبدأ السيدات، قريبات الميت، في الصراخ والعويل، وتقوم مجموعة منهن بالطواف حول القرية سبع مرات، ملوحين أثناء سيرهن بمناديل سوداء أو زرقاء أو خضراء، ليُعلِموا أهل القرية بحدوث وفاة، يتجمعن بعدها في المنزل، ويكملن العديد، وقد يقمن بالرقص والتمايل للأمام والخلف، وهن يلطمن خدودهن بكلتا اليدين، وغالبًا ما تدق إحداهن على طبلة.

 

هذا، ويمر الميت بمراحل الغُسل والتكفين، حيث يلف في أقمشة قطنية أو حريرية، حسب درجة الغنى، وتكون الطبقة الأولى بيضاء والخارجية خضراء، كما يقوم أهل الميت بذبح كبش تُراق دماؤه في المكان الذي حدثت فيه الوفاة، وإن كانوا فقراء من الممكن استبداله بجدي صغير، أم إذا كان المتوفي طفلًا تُذبح دجاجة، ويفعلون ذلك اعتقادًا منهم أن الروح ستبقى في المنزل ولن تذهب إلى الجنة إلا بهذا الذبح.

 

وفي الطريق إلى الدفن يحمل الرجال أقارب الميت النعش سائرين به إلى حيث يُدفن، ومعهم أهالي القرية، وتسير خلفهن النائحات بعد أن صبغن وجوههن وأيديهن وأذرعهن باللون الأزرق، واضعات الطين على رءوسهن وصدورهن، ممسكات بمناديل سوداء أو زرقاء أو خضراء، وينوَّحن ويولولن تعبيرًا عن الحزن.

 

وتستمر مراسم الحداد من ثلاثة إلى سبعة أيام، حيث يأتي الفقهاء- هكذا أطلقت عليهم الكاتبة- طوال هذه المدة يوميًا لتلاوة القرآن، وفي اليوم السابع تقوم النساء بصحبة الأقارب بزيارة المقابر، حاملات معهن الخبز أو “الكحك” لتوزيعه على الفقراء ترحمًا على روح الميت، على أن تتكرر هذه الزيارة في اليوم الـ 15 و الـ 40، هذا بخلاف الزيارة الأسبوعية للمقابر، والتي غالبًا ما تكون يوم الخميس، ويسميها الأهالي “الطلعة”.

 

عند الأقباط، يذهب جثمان المتوفي إلى الكنيسة في نعش ملفوفا بكفن أبيض وأخضر، ويقوم القس برفع الغطاء عن النعش، وتُضاء ست شمعات تُوضع على جوانب النعش، وشمعة واحدة عند الرأس وآخرى عند القدمين، ويبدأ بعدها القداس، الذي يقوم أحد معارف المتوفي في نهايته بإلقاء خطبة عن محاسنه وأفعاله الطيبة، ليُحمل النعش بعدها ويطوف به الرجال ثلاث مرات حول الكنيسة، ويتبعهم كل المعزين، ومنه إلى مكان الدفن.

 

ومدة الحداد نفسها عند الأقباط من ثلاثة إلى سبعة أيام، وخلال هذه الأيام لا يُطبخ طعام في بيت أهل المتوفي، وخلال 15 يومًا لا يُكنس البيت أيضًا، وتُتلى الصلوات في الكنيسة في الأيام: الثالث، والسابع، والخامس عشر، والأربعين بعد الوفاة.

 

اليوم الثالث بعد الوفاة عند الأقباط يأتي فيه القس إلى منزل المتوفي بصحبة العريف، وفور دخوله يضع صليبًا فضيًا داخل “طشت” معدني كبير بداخله دورق زجاجي به ماء، ثم يتلو بعض الصلوات والتراتيل، بعدها يُخرج الصليب، ويرسم على جبهة الرجال الواحد تلو الآخر علامة الصليب، وينثر الماء، الموجود بالدورق، على النساء بهدف صرف روح الميت، مع تفقد أرجاء المنزل بمبخرة لتطهير البيت وساكنيه من تلوث الموت.

 

حسب الاعتقاد، وقتها، كان هناك محظورات على المعزين، منها إنه إذا حضر أحدهم إحدى الجنازات وسار في موكب، فلا يجب أن يدخل بيتًا به طفل عمره أقل من 7 أيام، حتى لا يجف لبن الأم، وعليه أيضًا ألا يدخل بيتًا فيه شخص يعاني من التهاب في عينيه، حتى لا يفقد بصره.

 

You must be logged in to post a comment Login